«ظلال مضاعفةٌ بالعناقات» مجموعة الشاعر الفلسطيني نمر سعدي: أكوان شِعرٍ موازيةٌ لواقع منثور

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

الشّعر، بمعاني وحدة موجودات الكون؛ خيطُ نسيج التشابك الاحتماليّ المتعدّد، النبض الخياليّ المجسِّد لوحدة وصراع الأضداد، البسيط المجرَّد من السطوة كمتسوّل على باب مسجد، ومعادل الآلهة في سلوك خفائها وتجلياتهاعلى منابرها في ذات الوقت. الشعر، ناظم جسر تواصل الأخلاف بالأسلاف وقاطع هذا الجسر بسطرٍ يسحرُ أمة على مدى تاريخٍ يمتدّ من فطرة الجاهلية إلى تراكبات شطح فيزياء الكم، في وصف شاعرٍ لحصانه الذي تلبّسه بـ«مِكَرٍّ مفرٍّ مُقْبلٍ مدبرٍ معاً» قبل أن يكتشف العالم أن شطح الشاعر الضِلّيل امرئ القيس، بعد كأس نبيذٍ لم يقطعْه قتل والدٍ، ينطقُ بأعقد معادلات الاحتمالات التي وقف أمامها حائراً آينشتاين.
والشعر، الشعر هو ما يدفعنا إلى تصفح المجموعات المعنية بجوهره، مثل مجموعة الشاعر الفلسطيني نمر سعدي «ظلال مضاعفة بالعناقات»، لنكتشف، من دون إسقاط النقصان، بعضاً من أسرار الشعر وتداخلاته بما يكتنف الحياة المركّبة للشاعر والقارئ، من حبّ وصراعات. يبدأها سعدي بـ:»شاعرٌ مضاعٌ وضِلِّيلٌ يحدِّقُ بي/من نجمٍ في ثقبٍ أسودٍ أو زاويةٍ معتمةٍ في المرآةِ المشروخةِ/ ينامُ على جيتارةٍ غجريةٍ أو على جذعٍ أندلسيٍّ/ لا قصائدَ في قلبهِ.. ولا عطرٌ ليمونيٌّ في قميصِ امرأتهِ الشاردةْ/ أوَّلُ الحب كآخر الحبِّ يا صاحبي.. أيُّها الذئبُ».

داخل أكوان الشعر:

بإضافة كون الشعر جسراً بين إيقاع جسد الإنسان والكون، وحسبان لجوء سعدي إلى صياغة معظم قصائد مجموعته بأسلوب التفعيلة التي يُعتبر الإيقاع نبضَها الأهم، يمكن لقارئ الظلال المضاعفة، على الأغلب ومن دون قسر المعانقة، تلمّسَ وعيشَ متعةِ إيقاع القصيدة الرباعي، المكوّن من ثلاث جمل وجملة خاتمة، في معظم القصائد، باستخدام اللازمة التي تعمل ثيمةً للقصيدة، وتفتح جملةً ضمن المقطع، حيث نقرأ، كمثالٍ، رباعيةَ النسق فيما يسمع الشاعر: «وعلى عناقِ اثنينِ ينحلَّانِ في بعضٍ/ وأسمعُ فيهما خبطَ الفراشةِ/ لوعةَ الأجراسِ في أقصى الدماءِ/ وما تبوحُ بهِ الصبايا للبحيرةِ/ ما يقولُ النخلُ ليلاً للسنينْ».
كما نرى بوضوح تمحور الرباعية حول كلمة الضجر، في المقطع الأول من القصيدة الرابعة: «قلبي قبَّرةٌ خفيفةٌ.. نورسٌ أعمى في مهبِّ البحر/والضجرُ مساميرُ هواءٍ خرقاء على حوافِ الجسد/ حصىً تنبعُ من كنايةٍ مقلوبةٍ ألقي بها في نهرِ الزمن/ الضجرُ رقصةُ درويشٍ متشرِّد في براري الله/ يحملُ شمساً في قلبهِ وفراشةً في دمهِ/ ويدورُ على قدمٍ واحدةٍ/ الضجرُ متراسٌ فائضٌ عن حاجةِ عرسِ السرابِ/ وعن حاجةِ الآمالِ الكسيحة».
وبذات حسبان إجادة سعدي للتفعيل من بين شعراء التفعيلة الذين يكتبون قصيدة النثر، ولا يغيب الإيقاع عن قصائد نثرهم؛ يمكن للقارئ تلمّس وعيش متعة ما يمكن تسميته القافية الداخلية في السطر نفسه، وفيما يليه، دون شرط مجيء القافية خاتمةً للسطر. حيث تتوالى المفردات في تماثل صوتي كنقرات بيانو لازمة، تؤكد لظم الجُمل بعُقَدِ التلازم الإيقاعي، وتمنح القصيدة سلاسة التماسك إضافة إلى شدّته التي تخلقها القافية الخاتمة للسطر، حيث نقرأ من قصيدة «مملكة الفراغ»: «في شهرِ آبَ يحطُّ عصفورانِ فوقَ يدي فلا أقوى على رفعِ الضبابْ/ ماذا سأكتبُ والقصيدةُ من حياةِ الناسِ تهربُ؟/ هل سأكذبُ في ابتساماتي على نفسي أنا الرجلُ المضرَّجُ بالعذابْ؟/ الناسُ مرضى الوهمِ.. والزمنُ انتهازيُّ الإشارةِ والعبارةِ/ كيفَ أفلتُ من شراكِ الإستعارةِ؟/ أو أزوِّجُ قبلةً لفمٍ وغيماً للترابْ؟».
خارج حسبان التفعيلة والنثر المفعّل بترادفات القوافي لدى سعدي، يمكن للقارئ تلمّس وعيش، متعة «التداخل»، مع امرئ القيس عبر الثقوب السوداء والأكوان الموازية وتداخل الأزمنة التي تجعل الماضي والحاضر والمستقبل زمناً واحداً لا يسير باستقامة أزمان الواقع.
كما يمكن للدارس تقنية عناقات سعدي بهذا «التداخل»، الذي لا يصل إلى حدّ التشابك، بسبب إكثاره من التشبيه بحرف الكاف الذي صنع منه بعض رواد قصيدة النثر عَبّارةً، وبأحرف «كأنْ، وكأنّ» التي تعود إلى عصر التجديد الأول للشعر بالتفعيلة على يد السيّاب. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى تقديم سعدي لمجموعته بأبياتٍ له، إشارة منه ربّما إلى معاناة شعر الآن من الاستنقاع وضرورة المبادرة بالتجديد، كما يفعل في الحقيقة على صعيد الدمج بين التفعيلة والنثر، إنْ كمقاطع مستقلةً، أو بجرأة مزجهما معاً. واستخدامه لتفعيلات جديدة خارج تفعيلات محمود درويش التي تلاحظ في قصائد تفعيلته، وتفعيلات نزار قباني في قصائده العمودية، ومنها المقطع الأخير الخاتم للمجموعة، حيث: «مطرٌ ينسابُ على الليلكْ/ والليلكُ خمرٌ ينسابُ/ والخوخُ من الشهدِ المنهكْ/ والتوتُ على الشفةِ رضابُ»، بوضوح السير الإيقاعي على وزن نزار: «مطرٌ.. مطرٌ وصديقتها/ معها ولتشرين نواحُ».
وفي عناقات سعدي،لا بدّ كذلك من الإشارة إلى المجازات الغامضة المثقفة التي تولّد عيش متعة التداخل عند اكتشافها من قبل القارئ وطرح تساؤلاته عن تداخلاتها، مثلما يحدث باستحضار كعب أخيل الذي غطّته يد أمه حين أمسكته منه لتغمره بماء الحماية، حيث: «حدسٌ غامضٌ وسهمٌ يرتدُّ سريعاً إلى كعبيَ المغمورِ حتى التنهيدةِ بالعشبِ».
في تداخلات سعدي يتجلّى التداخل بالطبيعة واضحاً، إلى حدّ مداخلتها بالمرأة المنشودة، حيث: «حلمتُ بامرأةٍ أمشِّطُ شَعرها في الفجرِ/ وهيَ على حريرِ الموجِ تستلقي../ ويغسلها مديحُ الشمسِ/ تغسلُها رياحُ رسائلِ الغرباء/ ِوهي تهبُّ من أقصى عذاباتِ الطيورِ».
وإلى تداخل الذكورة والأنوثة في الحب، حيث: «تقولُ لي امرأةٌ: تعبتُ من الحنينِ/ فكنْ صدى وتري وكنْ جيتارتي/ لأصيرَ نايكَ في مكانٍ ما/ وتدخلَ في أنايْ».
وفي هذه التداخلات يتجلّى التداخل مع رموز الخصب، واستمرار الحياة والوجودبـ: تموز، بروميثيوس، شهرزاد، وسيزيف، حيث: «غزلتُ قصائدي قمصاناً خريفيةً/ أرتديها في صحراءِ المعلَّقاتِ الباردةِ/ لكنَّها تنحلُّ كالقبلِ الضائعةِ وتتلاشى في الريح/ وأحيانا تصبحُ غزلاناً شاردةً/ وعصافيرَ تبني أعشاشها في مداخنِ النسيان/ وأحيانا.. لا تتكَّور لا غيمةً تمطر في براريَ بعيدةً/ ولا ديواناً تفترشه مراهقةٌ أو امرأةٌ مطرودة من فردوسها/ ولا نافذةً من أزهار اللوز وصبَّار الجليل/ بل تتحوَّلُ صخرةً محدَّبة الأضلاع/ تسحقني تحتها وأنا أدفعها على منحدر الحياة/ هكذا أعيدُ كتابة دفاتر سيزيف»؛ مع خلط العلاقات التي يتحدث فيها تموز لا شهريار إلى شهرزاد.
مثلما يتجلّى التداخل مع الشخصيات التاريخية والثقافية مثل تداخله مع الشاعر طرفة بن العبد، حيث: «أمشي وراء ثعالب الرغبات…… / ولن أتوب عن اشتهاءات الحبيب/ وما تساقط من قصائد طرفةِ ابن العبد عن جسدي». وكذلك مع الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا، في عمله «كتاب اللا طمأنينة» بالأخص، حيث «أنْ تمطر فوقك حتى لو كنتَ في السرير».
مثلما يتجلّى تداخله بالصوفية، بلاغياً باستخدام الاستعارة والكناية والمجاز، وبالأخص في قصيدة «قلبي قبّرةٌ خفيفةٌ»، التي تتمحور حول مفردات معبّرة عن أجواء الصوفية: الضجر، القلق، الإفراط، الوحدة، الصلب، الشغف، والعطب.

بنية تتداخل فيها الأكوان:

في لملمة الواقع المتناثر، يضع سعدي قصائده المتنوعة، ضمن بنية بسيطة تتوزع فيها ثمانية قصائد طويلة، خمسٌ منها تتكون من مقاطع مرقّمة باللاتينية من دون عناوين، هي:
1: «ظلال مضاعفة بالعناقات»: بعشرة مقاطع، سبعة منها تنهج أسلوب قصيدة التفعيلة، واثنان ينهجان أسلوب قصيدة النثر ومقطع عمودي بثلاثة أبياتٍ موزعةٍ بأسلوب سطر التفعيلة. ويثير فيها سعدي التساؤل عن وحدة الشعراء، واستحضارهم بالتداخل مع شخصيات من ميثولوجيا الإغريق، والتداخل مع الطبيعة لتصوير التوافق الكوني في الحب، والمرأة الجميلة التي تلغي القصائد لتكون القصيدة.
2: «سنابل قمح الأنوثة»: بـأحد عشر مقطعاً، تسعةٌ منها تفعيلة واثنان نثر ومقطع عمودي تتوزع أبياته بأسلوب سطر التفعيلة. ويثير فيها سعدي التداخل مع الطبيعة في الحب، وفتح النوافذ على حب الطفولة، والخذلان، والتداخل مع الأساطير في معالجة جدوى الكتابة،بأسلوب التأثر بالسياب في تجديدات الشعر الأولى، والتجديد بإيقاعات النسق الرباعي.
3: «منمنمات عاشق على ضفائر امرأة مقدسية»: بأربعة مقاطع مميزة بلازمة النسق الرباعي، وإيقاعات التفعيلة الخفيفة الأقرب إلى النشيد، ويثير فيها سعدي أجواء المكان/ القدس: سورها، قبة صخرتها، درب آلام مسيحها، حيث: «في سورها زهرةْ/ ستضيءُ هذا العامْ/ وتسيِّجُ الفكرةْ/ بقطيفةٍ ورخامْ/ من قبَّةِ الصخرةْ/ أو جنَّةِ الآلامْ». موسعاً أبعاد المكان إلى فلسطين، حيث: «نقولَ للدرجِ الذي يكسوهُ عشبُ الصيفِ/ من حيفا إلى يافا الجميلةِ/ من قبابِ القدسِ.. من عطرِ الدوالي في الخليلِ/ إلى فراديس الجليلِ/ وشمسِ ذاكرةِ الطفولة».
4: «قلبي قبّرة خفيفة»: بسبعة مقاطع، ستة منها بأسلوب قصيدة النثر وواحدةٌ بأسلوب التفعيلة.
5: «كعشبٍ يضيء ظلال الكمنجات»: بسبعة مقاطع، ثلاثة منها تفعيلة واثنتاننثر، واثنتان عموديتان، حول أشكال الحب،والمرأة وعشق الشاعر.
إضافة إلى ذلك، يضع سعدي في بنية مجموعته قصيدتين بعناوين بدل الأرقام هما:
1: «مملكة الفراغ»: المكوّنة من سبعة مقاطع تنهج أسلوب قصيدة التفعيلة، وتأخذ عناوين: «صعود التل، صدى مطرٍ، لم أنتظر أحداً، تنأى القصيدة بي، كأنني نهر من الرياح، في شهر آب، مملكة الفراغ». ويثيرسعدي في المقطع الأول من هذه القصيدة بخاصة، أجواء التداخل مع فيزياء الكم، من جهة الزمن والأكوان الموازية، حيث: «أصعدُ التلَّ منذُ ثلاثينَ عاماً/ أحاولُ أن أتهجَّى الدروبَ التي تتشابهُ في الاستعارةِ والبعدِ والقربِ/ بي رغبةٌ في الظهيرة أن أصعد التلَّ والمرتقى اللولبيَّ/ وأن أتقاسمَ خبزَ السعادةِ مع كائنٍ آخرَ اليومِ/ والألمَ الداخليَّ مع العابرينَ/ وبي رغبةٌ أن تضيِّعني غابةٌ/ راحَ يُشعلها شجرُ الحورِ في امرأةٍ من مطرْ/ أطلُّ على زمني من حياةٍ مضتْ/ وأرى كلَّ ما لا يُرى/ من طريقِ الحريرِ وضوءِ الينابيعِ/ من حبقِ الماءِ أو رغوةِ الزبدِ المستعِرْ».
كما يثير سعدي في المقطع الخامس المهدى محبَّةً إلى عبد الوهاب البياتي، أجواء محاولته الجادة في تطوير القصيدة، عبر تفعيلاتٍ مركبة في تجديد الإيقاع.
2: «حَبَقُ الأغنيات»: بعشرة مقاطع مزودة بعناوين، ثمانية منها بأسلوب التفعيلة، وواحدة عمودية وواحدة بأسلوب النثر؛ ويثير فيها سعدي رائحة الحنين إلى الماضي وما تركت الأنوثة في الصبيّ، مثلما يثير أشكال الحب بأسلوب تفعيلته وتأثراتها، ووضع قصيدته وتطورها، مستحضراً في ذلك الشاعر جون كيتس، حيث: «أنامُ لأنسى.. وأنسى لأكتبَ نثرَ الحنينِ/ وشِعراً على الماءِ/ أو أتشافى سريعاً من الصيفِ والشوقِ/ كيما أغنِّي كجون كيتسَ: يا ليتني نجمةٌ في سماءْ».
ومع القصيدة الثامنة الطويلة «هل تأتي القصيدة في الشتاء؟»، التي تجري متدفقةً بدون فواصل المقاطع، ويتداخل فيها أسلوب السطر بأسلوب قصيدة القطعة، يعيش قارئ ظلال سعدي تنويعاً غنياً حافلاً بالحفاظ على التقليد، وبالتأثر الإبداعي، وإبداع التجديد.

 نمر سعدي: «ظلال مضاعفة بالعناقات»
دار راية للنشر، حيفا، الشارقة،
بيروت، 2024
110 صفحات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية