كما هي العادة على عام، تتبارى القنوات المصرية الرسمية والفضائيات الخاصة في الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، فيبدأ عرض سلسلة من الأفلام الدينية والتاريخية وتنشغل وسائل الإعلام بتدشين عدد من الحلقات الدرامية والبرامجية لملء مساحات الإرسال على مدار الساعة لمدة لا تقل عن ثلاثة أيام.
ولأن المُنتج من الأفلام النوعية المناسبة للعرض في الذكرى العطرة قليل وسبق عرضه مئات المرات، فقد تم تعويض النقص في المادة الفيلمية الدينية والتاريخية بأجزاء من الأعمال التلفزيونية المتوافقة مع الحدث، فازداد عرض مُسلسلات بعينها مثل «محمد رسول الله» و«عمر ابن عبد العزيز» و«لا إله إلا الله» وغيرها من النوعيات الدرامية الشهيرة ذات الإنتاج الضخم.
وبرغم الاجتهاد في سد العجز البين باللجوء إلى الدراما التلفزيونية، يزداد إحساس المُشاهد كل عام بالأزمة الإبداعية ويتيقن بأن هناك مُشكلة حقيقية تواجه السينما المصرية وتحول دون إضافة جديد للأفلام الدينية التي لا يزيد عددها عن 6 أو 7 أفلام على الأكثر أنتجت منذ عقود طويلة، من بينها على سبيل الأمثلة، «ظهور الإسلام» و«فجر الإسلام» و«هجرة الرسول» و«الشيماء» و«الرسالة».
ولهذا يتم دمج الفيلم الديني بالفيلم التاريخي في سياق واحد، باعتبار أن جزءًا من القصص الدينية يعكس واقعاً تاريخياً وبالتالي لا توجد غضاضة في الجمع بين الصنفين السينمائيين على الشاشة، احتفالاً بذكرى مولد النبي محمد وفق ما جرت علية العادة السنوية كي لا تظهر حدة العجز الإنتاجي بوضوح.
لكن ثمة تغيرا ما طرأ مؤخراً على صور الاحتفال، إذ ظهرت فرق الإنشاد الديني بقوة لتحتل مساحات واسعة في البرامج الكُبرى لتُشبع رغبة المشاهدين في متابعة مظاهر الاحتفال بالكيفية التي تُثير إعجابهم وتُرضي شغفهم، فمن بين البرامج المهمة التي اتبعت هذا الأسلوب وحظيت بالتأييد الجماهيري والقبول، برنامج «معكم منى الشاذلي» للإعلامية الشهيرة منى الشاذلي صاحبة الأسلوب المُتميز في تقديم برامج المنوعات، فقد قدمت المذيعة حلقة خاصة بمناسبة ذكرى المولد النبوي، استضافت خلالها أصغر المُنشدين الشباب علي أبو الدهب، ذلك الموهوب المُقنع أداءً وصوتاً وإحساساً، حيث أنشد علي ما راق له في حُب النبي مُنتقياً عناوينه وكلماته بدقة تنم عن موهبة مُبكرة حبا بها الله الفتى، صغير السن كبير العقل.
ولم يكن علي أبو الدهب وحده المُنشد الموهوب، وإنما شاركه في الليلة المحمدية الخاصة، شباب من نفس سنه تبادلوا معه الأدوار في الأداء الفردي اللافت، وانضموا إليه في أداء جماعي غاية في التمكن والإتقان، من حيث جمال الصوت وعذوبته وقوة التأثير ورهافة الحس الموسيقي والخشوع الديني والروحاني والمُعايشة الكاملة أثناء الإنشاد، كأنهم أسطوات كبار في المهنة ومُبدعين قدامى وليسوا شُباناً في بداية الطريق.
إنها الموهبة الصادقة تُضفي على صاحبها البهاء والوقار والهيبة فيبدو أكبر من سنه وأكثر إقناعاً من غيرة.. عاصفة التشجيع القوية للمُنشدين الجُدد أثناء الحلقة كانت دليلاً قوياً على التجاوب الفوري من الحضور داخل الأستوديو، بخلاف ما ظهر من ردود الأفعال على وسائل التواصل الاجتماعي من جانب عموم الجماهير بعد تداول مقاطع من الحلقة، كانت سرعة التفاعل فيها هي المقياس الحقيقي لجودة الأصوات ونجاح الاحتفال البسيط التلقائي العفوي من أولئك الموهوبين الصغار – الكبار.
ولا شك في أن حُسن الاختيار والخبرة الإعلامية في إعداد الحلقة وتقديمها مثلا عنصرين أساسيين في خروجها بالمستوى اللائق والمُبهر، وهو ما يجعل الحديث الدائم عن ضرورة توافر الموهبة في الإعلامي على اختلاف تخصصه أمراً حتمياً، فبدون موهبة يُصبح الأداء روتينياً وظيفياً ينقصه الكثير من نكهة الطعم والتميز والتأثير.
لقد أبدع علي أبو الدهب الصعيدي ابن محافظة أسوان ورفاقه في أدائهم لأنشودة قالوا القمر في السماء، قولت القمر عندي، وإنت يا سيدنا النبي في العين دي والعين دي، فابتهجت مع أصواتهم الصافية أرواح السميعة الذين طلبوا المزيد من وصلات الإنشاد وظلوا على انتباههم وحماسهم طوال الحلقة. هكذا أثبتت التجربة أن الإبداع الجيد كالدُرر الثمينة يحتاج من يُنقب عنه ويكتشفه، فهو متوافر في كل أرجاء مصر المحروسة، في الصعيد ووجه بحري، داخل القرى والنجوع والمُدن الصغيرة، ليس حكراً على العاصمة فقط، فالعبرة بالسعي والالتقاط والتشجيع والقُدرة على اختيار السياق المُناسب لتقديم الموهبة بحجمها الحقيقي ليظهر ألقها.