هنا رواية جديدة لنجوى بركات بعنوان «غيبة مَيْ»، صدرت هذا العام عن دار الآداب، ثم في طبعة مشتركة مؤخرا بين داريْ الآداب وتنمية في مصر. لنجوى روايات سابقة مثل «مستر نون» و»باص الأوادم» قرأتهما مستمتعا.
السؤال هو من هي مَيْ وكيف غابت؟ تقرأ الرواية لتعرف أنها سيدة تقدمت في العمر تعيش وحيدة في بيروت. توفي والدها وعماتها وزوجها الطبيب، بينما ولداها التوأمان يعيشان في أمريكا، وعلى اتصال أحيانا بها، لكن لا يأتيان ولا تسافر هي للحياة معهما، في وقت تعاني بيروت ولبنان من آثار الحروب الطائفية، أو هجوم إسرائيل، حتى يحدث انفجار مرفأ بيروت في خلفية الأحداث.
تنقسم الرواية إلى ثلاثة أقسام.. الأول أكبرها يزيد على المئة صفحة بعنوان «مَيْ». فيه تعرف كيف تعيش مَيْ، التي تحكي ذلك كله بضمير المتكلم مع الوحدة. الأشباح تطاردها فتأتي افتتاحية القسم الأول بسماعها في الصباح لصوت يناديها «مَيْ». تصحو من نومها ليأخذها الرعب، ونكتشف أنه لا أحد معها. تنادي يوسف حارس العمارة، ليبحث معها عن الشخص الموجود، فلا يجد أحدا. افتتاحية منذرة بما سيأتي، الذي سيتماهى فيه الواقع بالخيال. تستعيد عَمّاتها في سنوات عجزهن، وما كان يصدر منهن، أو كيف كن يتحدثن عن أوهام.. تغيرات شكل أجسادهن، وحتى عدم قدرتهن على التحكم في ما يخرج من الأمعاء من ريح وبراز. تجليات هذا العجز الذي شاهدته وهي صغيرة، تجعلها حين تستحم تنظر إلى جسدها الآن بكل تفاصيله في رثاء. إنها تسكن في الطابق التاسع من العمارة، التي ترتفع إلى عشرة طوابق، ومن شرفتها تطل على العالم مع النهار منذ يقظتها، وعلى الشارع والعابرين. حين ينتصف النهار وبين الحكايات، نعرف أنها وصلت إلى الرابعة والثمانين من عمرها. هي بين أثر الزهايمر تدرك جيدا ما حولها، لكن تظهر فيه الأشباح كحقائق. تبدو ثقافتها رائعة في تفسير ما حولها، ومنها غضب الآلهة كما قرأته في التوراة، فتم مسخ كل شيء. تتذكر أحداثا سريالية حولها كثيرة. مثل السيدة الشقراء التي قامت بوضع السم لزوجها الذي ضمن لها حياة جميلة. بيروت بعد الحرب مع بداية التسعينيات والأزمات المختلفة للبشر، والأفعال مثل الشيكات من دون رصيد، والديون بفوائد مرتفعة، والسجون التي امتلأت بالمحتالين لتحقيق الثراء.
يظهر هنا القط الذي لا تريده أن يبقى معها، وكلما استجاب يوسف الحارس لها، وأبعده إلى أيْ مكان، يعود كأنه قدرها. يأخذ القط مساحة كبيرة رائعة. حركات القط وصوت موائه دائما تجسد لها أسئلة تجيب عليها. تستمر مشكلتها مع القط الذي لا تتخلى عنه، رغم أنها لا تحب القطط، ولم تعطه اسما، حتى يمرض بالسرطان. السرطان يحضر فهو سبب موت أبيها وأمها. ستعطي القط اسم «فريدا» في النهاية في القسم الأخير بين دهشة يوسف، وسنعرف مما تتذكر السبب الذي ربما كان وراء ذلك.
يظل الماضي يأتي أشباحا، ترى أمامها في المرآة امرأة تخاطبها.. نكتشف أنها تخاطب نفسها. تتذكر كيف كانت وهي صغيرة، تسأل أباها عن اختفاء من تراها تخاطبها في المرآة، فيشفق عليها ولا يجيب، هو المريض الذي فقد أمها (زوجته). تفاصيل شقتها بكل مفرداتها بتصوير رائع، حتى القهوة التي تحتسيها، ونباتات الشرفة وحبها لها، وكيف تستجيب النباتات للموسيقى. الوحدة تجعلها تتأمل الرزنامة فهي الحقيقة الوحيدة على الأيام. تقف عند يوم الأربعاء وتراه يستحق مكانا وسط النفايات. ترى الثلاثاء لطيفا فليس هو الإثنين بداية الأسبوع المتثاقلة. ميلها أكثر إلى ما بعد الأربعاء ويسبق يوم الإثنين. ربما هي البدايات التي كانت تستميلها دائما، كأن تأتي عملا للمرة الأولى، أو ترتدي قطعة ملابس جديدة. ولا تنسى رغم ذلك كيف ازداد الطين بلة بالتقدم في العمر، فالعجائز بصفة عامة لا يحبون الجديد. يحبون ما اعتادوه، فالعتيق من الملابس ونيس ومطواع. لكن الرزنامة الحقيقية لا تعوضها عن رزنامة الخيال.
تمر الأيام.. خادمة جديدة معها وفقا لإرادة ولديها البعيدين، هي «شاميلي» السريلانكية، حياتها معها حتى تركتها في نهاية الرواية. تهل حكايات أبيها عن غرائب بيروت، ومنها حلاق أسطورة كان اسمه «داهش»، كان من يذهب إليه يترك له رأسه ليحلقها، ثم يعود لأخذها. تدهشك اللغة المتحركة قصيرة العبارات كثيرة التساؤل مثل حالها. وتعرف قليلا كيف كان تعليمها لتعرف أكثر في القسم الثاني الذي يأتي بعنوان «هِيَ» ليؤكد لك أن حكيها وسردها ليس غريبا عليها، ويدهشك التوحد الرائع بين نجوى بركات وبينها. تبدأ نجوى بركات القسم الثاني بسؤال «أتذكرين يا مَيْ كم أحببتِ المسرح والتمثيل؟»، بداية منذرة بما بعدها كما حدث في القسم الأول. تتخيل أن نجوى بركات ستحكي، لكن تكتشف أنها مَيْ تخاطب شبحها الذي لا يفارقها. في هذا القسم الذي يصل إلى سبعين صفحة تقفز إجابة السؤال الذي قد يخايلك وأنت تقرأ القسم الأول، وهو كيف تتذكر مَيْ كل شيء حقيقة أو خيالا، ولا يبدو أن هناك قصة حب في حياتها. هنا تأتي قصة الحب مع كاتب ومخرج مسرح قابلها، هي العاشقة للمسرح. رحلة مع التعاون بينهما. ما كتبته وشاركت في بطولته.
حبها له الذي جعلها تعيش معه بلا زواج وتحمل منه، ثم يجبرها على الإجهاض وينفصلان. تفاصيل كثيرة عن أملها الضائع فيه، فهو نرجسي جامد المشاعر، يرى الفتيات جميعا أواني متعة، ليس لهن حقوق حتى في الحب. هنا تقفز مسرحية «فيدرا» التي قامت هي فيها بدور فيدرا. نجاح المسرحية التي هي عن الحب المحرم بين فيدرا وهيبوليتوس ابن زوجها، ونهاية فيدرا بانتحارها. وتأتي قصة حب فريدا كاهلو الفنانة التشكيلية المكسيكية ودييجو ريفيرا الرسام أيضا، زوجها عاشق النساء، وعذاباتها معه، حتى تم قطع إحدى ساقيها. في النهاية وحين تعطي القط وهو مقبل على الموت اسم «فريدا»، تشعر بأن الاسم جاء من فريدا كاهلو. هي ثقافة مَيْ وعشقها للمسرح يأتي بالقصص المؤلمة. لا تنتهي قصة حب مَيْ بالانتحار، أو فقد شيء من جسدها، لكن تنتهي بإيداعها مستشفى العصفورية للمجانين. فيها تقابل الطبيب الذي يراها لا تستحق ذلك، ويتزوجها لتنجب منه توأميها المهاجرين. يأتي الفصل الأخير الذي عنوانه «يوسف» في صفحات قليلة على لسان يوسف الحارس. تعرف منه أنه ليس مجرد حارس، بل كان جنديا في الجيش السوري، هرب منه ومن الحرب الطائفية. ومن حياته بين أهل لا يرحمونه وأولاد لا يكفون عن الاعتداء عليه صغيرا. تأتي الافتتاحية منذرة بما سيأتي كما في الفصلين السابقين فهو يقول: «أدخلت المفتاح في ثقب الباب متوجسا. شعرت بقشعريرة وارتجف قلبي، فهي لم تزل عندي شقة مَيْ» ستعرف من الفصل كيف أوكل إليه ابناها من أمريكا بيع الشقة وما فيها، فسيأخذ الطبيب مَيْ الي مصحة عقلية أو بيت للعجزة. يحدث ذلك بين حزنه الشديد. يأتي المشهد الأخير والطبيب يأخذها بعربة الإسعاف، فتصعد مصافحة له سعيدة كأنها تؤدي دورا على المسرح، ولا تدرك إلى أين تذهب. يذكرني بمشهد النهاية في مسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» التي حولت إلى فيلم سينمائي ثلاث مرات، وطبيب الإسعاف يأخذ البطلة «بلانش دي بوا» إلى المصحة العقلية، فتقول له «كنت انتظرك يا حبيبي». لقد فقدت عقلها بسبب الحب الضائع حقا، ولكن ليس معه العجز والتقدم في العمر، وأذكر المسرحية والفيلم هنا، ليس توقعا لتأثر نجوى بركات بالفيلم، فالنهاية هنا طبيعية للرواية الرائعة. وفي النهاية أنت مع رواية فاتنة محكمة البناء، اكتفيت فقط بالإشارة الي بدايات الفصول كعلامة على ذلك، لكن تضيف إليها روعة اللغة وهي تجسد المكان بكل معقوليته وطيشه، وكذلك المشاعر التي تشمل كل الشخصيات، حاضرة كحقيقة أو كأشباح. غياب مَيْ لم يكن عن بيتها فقط، لكن عن كل ما حولها. ورغم الآلام أبدعت نجوى بركات روزنامتها من الخيال.
كاتب مصري