لم تسلم مقبرة الإنكليز الواقعة على شارع صلاح الدين في حي التفاح شرقي مدينة غزة من آلة الحرب الإسرائيلية، التي تواصل تدمير وتجريف وحرق البشر والشجر والمنازل، حتى الأموات في المقابر لم يسلموا من آلة الحرب، حيث تعرضت المقبرة التاريخية إلى التدمير الجزئي، بفعل القصف المدفعي والتجريف بداخلها، والذي نفذه جيش الاحتلال خلال العملية البرية للحي قبل أسابيع قليلة.
وتوجد في قطاع غزة مقبرتان للإنكليز، الأولى في منطقة حي التفاح شرقي مدينة غزة وتضم رفات 3500 جندي وهي الأكبر، والأخرى في منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة وتضم رفات 700 جندي وفق سجلات المقبرة، والرفات هي لجنود من جنسيات مختلفة من بينهم يهود ومسلمون وهندوس، شاركوا جميعهم إلى جانب الحلفاء في قتال الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وحاربوا في ثلاث معارك رئيسية أكبرها كانت معركة وادي غزة أو ما تسمى معركة المنطار، التي هزموا فيها ليبقوا إلى الأبد في مكان المعركة، حيث دفنوا في المقبرة التي أسستها هيئة قوات التحالف الكومنولث البريطاني، وتعد هذه المقبرة التي يزيد عمرها عن تسعين عاما وتقع على مساحة 25 دونما، شاهدة على تاريخ الأحداث التي مرت بها فلسطين خلال العصور القديمة، وبالتحديد في أوائل القرن العشرين وبدايات الحرب العالمية الأولى والثانية، والتي انتهت بفرض الانتداب البريطاني على فلسطين، حيث منحت قطعة الأرض المقامة عليها المقبرة كهبة من الشعب الفلسطيني تخليداً لأرواح الجنود القتلى.
وشكلت مقبرة الإنكليز منذ نشأتها رغم طابعها الجنائزي، مقصدا للزوار من خارج غزة وداخلها، وكانت تعتبر بالنسبة للكثيرين من سكان غزة مكانا للاستجمام والتنزه والترويح عن النفس، فلم تكن المقبرة كأي مقبرة موجودة في غزة، بل أنها تشكل مقصداً لآلاف المواطنين الراغبين في الترفيه عن أنفسهم، نتيجة الكبت الذي يعيشونه مع استمرار الحصار الإسرائيلي، وتردي الأوضاع المعيشية في غزة، فعند الدخول من بوابة المقبرة ينتابك الشعور للوهلة الأولى بجمال وروعة هذا المكان، كما لو أنك ذاهب إلى حديقة أو متنزه عام لقضاء وقت جميل بعيداً عن الضغوط اليومية وروتين العمل الممل، حيث الأشجار والزهور الجميلة بمختلف أنواعها وأشكالها، التي تلتف حول المكان لتعطيه رونقاً من الجمال وكأنه عمل هندسي متقن، ولكن الحقيقة أن هذا المكان ليس متنزهاً عاماً، بل هو يجمع أرواحاً من عدة بلدان، توافدت متفرقة من دول أوروبية وعربية واجتمعت تحت التراب، وتتزين المقبرة بأشجار الزيتون والنخيل والسرو والأزهار والورود الجميلة، كما أن كل شيء في المقبرة تم تصميمه بعناية كبيرة، فالأشجار والقبور مرتبة ترتيباً هندسياً، والقبور مرقمة ويوجد في كل سطر 21 قبراً، وعلى كل قبر شعار الدولة التي تدل على جنسية المتوفى، واسمه وعمره وتاريخ وفاته ورتبته العسكرية، وبعض القبور مكتوب عليها جمل تدل على وضع صاحب القبر، كما توجد متابعة من قبل الحكومة البريطانية على هذه المقبرة، حيث تشرف رابطة الكومنولث البريطانية عليها، وتتولى تنظيم وإدارة طواقم العمل فيها، حيث تخصص الرابطة حارسا دائما لها، كما أنها تخصص عمالا بشكل مستمر للقيام بمهام زراعة وتنظيف المقبرة، وتوفير كل ما يلزم من مصروفات لبقاء المكان مميزاً وجميلاً.
تعويضات مالية عن الأضرار
وعلى مدار تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لم تسلم المقبرتين من عمليات القصف الإسرائيلي، بالرغم من سنوات الاهتمام والمحافظة على المقبرتين، من خلال الفريق الذي تشرف على تعيينه رابطة الكومنولث البريطانية، والذي يختص بالعناية والمحافظة على القبور والزهور والأشجار داخلهما، تعرضتا للقصف خلال الحروب المتتالية على قطاع غزة، وبالتحديد عدوان 2008 وعدوان صيف 2014، حيث تضررت عشرات القبور نتيجة سقوط أجزاء من القذائف التي أطلقتها المدفعية الإسرائيلية بشكل عشوائي تجاه المناطق السكنية القريبة من المكان، وهذا التعدي لم يجعل الحكومة البريطانية مكتوفة الأيدي، بل تقدمت سفارة المملكة المتحدة في إسرائيل آنذاك بشكوى لوزارة الخارجية الإسرائيلية، تنديداً بالأضرار التي لحقت بالمقبرة، وطالبت بدفع تعويضات مالية عن الأضرار.
تدمير ممنهج بالروبوتات والقذائف
بعد الانسحاب الإسرائيلي من حي التفاح شرقي مدينة غزة، تكشف حجم الضرر الكبير الذي تعرض له الحي من تدمير ممنهج بالروبوتات والقذائف والتجريف، حيث تعرضت أسوار المقبرة وأجزاء من شواهد القبور والمساحات الخضراء داخلها للتجريف، في حين لم تشكل المقبرة أي تهديد على قوات الجيش، لكن الغطرسة الإسرائيلية تواصل تدمير على ما هو متبقي من تاريخ قديم داخل فلسطين بشكل عام وغزة بشكل خاص، حيث تعتبر مقبرة الإنكليز بالنسبة للغزيين معلما تاريخيا ذا رمزية خاصة، وتحمل دلالات أيضا سواء على الصعيد الوطني أو الإنساني.
وأجبرت الحكومة البريطانية قبل أعوام الحكومة الإسرائيلية بدفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بمقبرة الإنكليز في حي التفاح خلال الحرب صيف 2014، حيث تعرضت المقبرة لأضرار نتيجة القصف العشوائي للمنطقة، وبعد عدة أسابيع من العملية قدمت سفارة بريطانيا في تل أبيب شكوى رسمية لوزارة الخارجية الإسرائيلية ووزارة الجيش على الأضرار التي لحقت بالمقبرة، مطالبة بدفع تعويضات مالية، حيث أجبرت الحكومة البريطانية إسرائيل على دفع مبلغ 145 ألف دولار لترميم ما لحق بالمقبرة من خراب، لكن وبعد تجدد الدمار خلال حرب الإبادة المستمرة، سيفتح الباب مجددا أمام مطالبات تعويض أخرى، ربما تكون بتكاليف مرتفعة، نظرا لحجم الخراب الواسع الذي أصاب المقبرة التاريخية.
في سياق الموضوع، يقول المواطن ربيع صالح أحد زوار المقبرة، «كنت أذهب يوميا وأقضي وقتي داخل المقبرة، حتى أنني كنت أساعد حارسها في كثير من الأحيان في تنظيف المقبرة وتقليم الأشجار وريها، لكن منذ ما يزيد عن سبعة أشهر وأنا بعيد عنها، ولم يسمح لأحد بالاقتراب منها أو المنطقة القريبة منها بأكملها، نتيجة العملية البرية التي قام بها الجيش في حي التفاح، حيث أصدر الجيش خلال الفترة الماضية أوامر إخلاء للمنطقة بأكملها، ومن ثم بدأت المدفعية والطائرات بتنفيذ قصف عشوائي، أصابت القذائف المقبرة ودمرت أجزاء من شواهد القبور وأسوار المقبرة».
وأوضح صالح في حديثه لـ«القدس العربي»: «بعد الانسحاب التدريجي للجيش عدت لأتفقد الأضرار التي لحقت بالمقبرة، والتي لا يمكن حصرها حاليا نظرا للدمار الواسع الذي أصاب المنطقة المحيطة، بفعل القصف العنيف والروبوتات التي تمسح المربعات السكنية، إضافة إلى ذلك صعوبة التحرك داخل الحي وأيضا المقبرة المكشوفة على المناطق التي تتمركز فيها القوات، حيث لا تزال حركة المواطنين بداخل الحي خطيرة، بسبب ملاحقتهم من قبل الطائرات المسيرة، والتي تمنع عودتهم إلى حياتهم الطبيعية داخل الحي».
ووصف في حديثه المقبرة بأنها «بيته الثاني فهي بالنسبة له لم تكن كمكان مدفون بداخله أموات، بل أن جمال المقبرة من حيث المساحات الخضراء والشواهد المرصوصة بشكل هندسي والورود التي تحيط المكان، كانت متنفسا له من الضغوط اليومية»، كما أن المقبرة تعتبر بالنسبة للغزيين مزارا تاريخيا مهما، كانت تشهد توافد واسع يوميا من الطلبة والكتاب والشعراء، حتى العائلات يأتون للتنزه والاستمتاع بمشاهدة الأشجار المرتفعة، والزهور والمساحات الخضراء والهواء النقي وأخذ الصور التذكارية، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يترك أي مظهر للحياة داخل غزة إلا وشرع بتدميره، وهكذا الحال داخل المقبرة التي تمثل جزءا من تاريخ وجمال مدينة غزة، حرم المواطنين من التمتع بجمال أشجارها التي تركت لأشهر دون اهتمام ومتابعة.
ويأمل ربيع صالح أن «تنتهي الحرب المدمرة على غزة، والتي لم تبق أي مظهر للحياة داخل القطاع، على الأقل يسمح بترميم المقبرة وإعادتها إلى جمالها الذي كانت عليه قبل الحرب، فهي تعتبر المكان المتبقي إلى جانب المقبرة الثانية وسط القطاع، من المواقع الأثرية التي تشهد اهتماما واسعا من السكان، ويأتون لزيارتها بشكل مستمر ويقضون ساعات طويلة بداخلها، حيث لم يعد هناك أي منتجعات ولا مناطق سياحية داخل قطاع غزة، نتيجة التجريف والقصف الذي تعرضت له الكثير من المواقع والأماكن، منها ما هو قديم وآخر حديث».
الاحتلال لا يميز
بين الأموات والأحياء
بدوره أكد أستاذ التاريخ المعاصر الدكتور يوسف عمرو أن «الاحتلال لا يميز خلال حرب الإبادة بين الأموات والأحياء، الإنسانية باتت معدومة من الجيش النازي الذي يمارس أبشع صور القهر والاضطهاد بحق الأموات، فالعديد من المقابر داخل قطاع غزة تعرضت للتدمير، ومقبرة الإنكليز التي تعتبر معلما أوروبيا تاريخيا، وعليها حصانة، لم تشفع لها الحصانة من آلة الحرب الإسرائيلية، التي تمارس عمليات هدم ممنهجة داخل قطاع غزة وبالتحديد تستهدف تاريخ غزة القديم».
ولفت في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أن «الاحتلال خلال عمليات التوغل التي قام بها الجيش الإسرائيلي لمختلف مناطق قطاع غزة منذ انطلاق شرارة حرب الإبادة، يعتمد تدمير كل ما يتعلق بتاريخ غزة القديم من مساجد وقلاع وأحصنة وكنائس وحمامات، على الرغم من أن جميع هذه المعالم لا تشكل أدنى خطر على الجيش، وتوجد في أماكن مدنية وتعتبر مزارا للوفود التي تأتي من خارج فلسطين، نظرا لما تضمه هذه المعالم من تاريخ عريق، يمتد لعدد من الحضارات التي سكنت فلسطين عبر العصور القديمة».
وأشار إلى أن «منطقة غزة القديمة الواقعة شرقي مدينة غزة، وتضم أحياء التفاح والدرج والزيتون، من الرموز التاريخية العريقة التي تضم العديد من المواقع الأثرية، منها مساجد ومنازل وكنائس ومقابر وحمامات، وتعاقبت عليها الكثير من الحضارات، ومنها الكنعانية والرومانية والبيزنطية وغير ذلك من الحضارات، ونتيجة لاكتساب هذه المنطقة جمالا معماريا، باتت تعتبر مزارا للمؤرخين، وحتى الزوار العرب والأجانب حتى قبل نشوب الحرب بوقت قليل، ونتيجة للأهمية التاريخية التي اكتسبتها هذه المنطقة، أصبحت مستهدفة من قبل الاحتلال الذي يسعى إلى تدمير وطمس هوية غزة التاريخية».
ومنذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة مطلع تشرين الأول /أكتوبر 2023، سارع الاحتلال الإسرائيلي إلى تدمير القطاع من خلال القصف الجوي وتجريف الأحياء خلال عمليات التوغل البري، في مقابل ذلك ركز الاحتلال على تدمير المواقع التاريخية الأثرية في مختلف مناطق القطاع، إلى جانب ضرب القطاع القطاعات السياحية والجمالية في القطاع، من خلال تجريف المساحات وقصفها بالصواريخ المحرمة، وجعل غزة منطقة منكوبة غير صالحة للحياة.