مع تجدد ذكرى الانتصار العظيم لحرب أكتوبر 73 بدأت وسائل الإعلام المصرية المُختلفة في الاحتفال قبل حلول المُناسبة بعدة أيام، وفي خضم الفرحة الغامرة تواصلت عمليات البحث عما يُمكن تقديمه من معلومات جديدة عن صور البطولات وأسرار الحرب.
وفي هذا الإطار نشطت مُحركات البحث نشاطاً ملحوظاً جراء المُحاولات المُستمرة من جانب المُهتمين للحصول على ما هو خفي وغير معلوم لدى الكثيرين عن تفاصيل العبور وكيفية التخطيط له واللحظات الحاسمة قبل البدء في تنفيذ الخُطة السرية المُحكمة.
وعلى الرغم من اجتهادات السينما والدراما التلفزيونية في تصوير البطولات الحربية ومحاولة مُحاكاة الأحداث الواقعية من خلال إعادة تمثيلها وفق سيناريوهات مدروسة ورؤى نافذة للكُتاب والمُخرجين، إلا أن هناك الكثير من الجوانب لا تزال محل بحث ودراسة وتنقيب.
فالمساحات المُتاحة للتعبير السينمائي والتلفزيوني والإذاعي محدودة ولا يُمكنها استيعاب كافة التفاصيل، عن التدريب والاستعداد والمناورة والتكتيك وتدفق المعلومات، إلى آخر ما تم فعله والإحاطة به قبل اندلاع الحرب الضروس التي انتهت بانتصار القوات المُسلحة المصرية انتصاراً ساحقاً على العدو الصهيوني بدعم من الجبهة العربية القوية والمُتحدة آنذاك.
ربما يأتي تكثيف الاحتفالات هذا العام باستعراض صور النصر والبسالة عبر مشاهد مطولة من الأفلام الحربية منطقياً ومُبرراً، فالرسالة التي وصلت العدو أثناء الحرب في عام 1973 لابد من تكرارها والتذكير بها كي يتنبه إلى خطورة اللعب بالنار في مرحلة هي الأصعب والأدق في تاريخ المنطقة العربية بأسرها.
لذا وجب التنويه عن قوة الجيش المصري وإمكانية رده بحسم حال حدوث أي مُتغير جديد يُنبئ بزعزعة الاستقرار ويؤثر ولو تأثيراً طفيفاً على الجبهة الداخلية المُتماسكة والمُتلاحمة.
من بين التضمينات المهمة للدراما المصرية عن حرب السادس من أكتوبر ـ العاشر من رمضان، ما ورد من أجزاء خاصة بحصول أجهزة المُخابرات المصرية على معلومات بالغة الحساسية ضمن أحداث مُسلسل «دموع في عيون وقحة» الذي كتبه الكاتب الراحل صالح مُرسي وأخرجه يحي العلمي، وقام ببطولته عادل إمام وصلاح قابيل ومعالي زايد ومحمود الجندي ومصطفى فهمي.
وقد ذكر بطل المُخابرات المصرية الحقيقي أحمد الهوان الشهير بجمعة الشوان، والذي حاول صُناع المُسلسل توثيق سيرته الذاتية من خلال العمل الفني الفارق، أن ما جرى تصويره درامياً لم يتجاوز ثلاثين في المئة من الأحداث الحقيقية، حيث كان ضرورياً أن يُضيف الكاتب من بنات أفكاره وخياله الخصب بعض المُشهيات والتوابل للحكاية المُثيرة لتمرير العمل فنياً وظهوره إلى النور، فليس كل ما يُعرف يُمكن أن يُقال بوضوح ويتم تداوله عبر الشاشات.
ومن هذا المنطلق جرت تعديلات كثيرة على القصة الحقيقية لتكون ملائمة للفُرجة والاستمتاع، غير أن الشوان قبل رحيله ببضعة سنوات أشاد بمستوى العمل الإبداعي وأثنى على أداء الأبطال وأكد أن عدداً لا بأس به من الشخصيات كان حقيقياً، والسيناريو بصيغته النهائية التي عُرضت تلفزيونياً جاء مُقنعاً ومُمتعاً للغاية.
حالة فريدة من الإتقان
من ناحية أخرى اتسم مُسلسل «رأفت الهجان» أيضاً بحالة فريدة من الإتقان على مستوى الكتابة والإخراج والأداء التمثيلي للأبطال وعلى رأسهم بالطبع محمود عبد العزيز.
وبالتأكيد كان للوفرة المعلوماتية أهمية قصوى فيما يتصل بالدور التخابري الذي قام به رفعت الجمال أو «رأفت الهجان» وهو ما ورد وتم التدليل عليه بقوة في الأحداث المُتلاحقة والسريعة، فالمساحة الدرامية كانت أوسع بكثير من مساحة مُسلسل «جمعة الشوان».
لذا تم التركيز على تفاصيل بالغة الأهمية والدلالة في سيرة البطل المصري وإنجازاته.
وإضافة لهذين العملين الكبيرين درامياً وفنياً، أدلت السينما كذلك بدلوها في ملف الحرب فقدمت نماذج جماهيرية بامتياز عن بطولات أكتوبر تمثلت في أفلام مثل «الرصاصة لا تزال في جيبي» و«العُمر لحظة» و«بدور وأبناء الصمت» و«يوم الوفاء العظيم» و«أغنية على الممر» و«حتى آخر العُمر».
وجاء إنتاج مُعظم الأفلام الحربية مُتقارباً زمنياً، ربما بعد مرور عام أو عامين فقط على الحرب، وبامتداد العطاء السينمائي في هذا الجانب جاءت تجارب أخرى في مراحل لاحقة، كان أبرزها فيلم «حائط البطولات» إخراج محمد راضي وفيلم «يوم الكرامة» للمخرج علي عبد الخالق وفيلم «الممر» إخراج شريف عرفه.
وما بين التجارب السابقة واللاحقة تم إنتاج أفلام ذات طابع إنساني وبطولي من نوع آخر كفيلمي «الطريق إلى إيلات» و«حكايات الغريب» للمخرجة إنعام محمد علي.
ونتيجة لحجم النفقات والتكلفة الإنتاجية العالية تراجع الإسهام السينمائي في هذا الخصوص بشكل ملحوظ لفترات طويلة، فلم يُضف للأفلام المذكورة شيئاً، اللهم إذا كانت هناك تضمينات عابره لمشاهد الحرب في بعض الأفلام الاجتماعية، كما جاء في فيلم «المواطن مصري» لعُمر الشريف وعزت العلايلي وفيلم «إسماعيلية رايح جاي» على سبيل المثال، وهو ما يُعد تقصيراً معيباً يؤخذ على المؤسسات الإنتاجية كافة، حيث لا عُذر لغياب السينما المصرية عن دورها في توثيق الأحداث البطولية وإحياء ذكرى النصر طيلة السنوات الماضية.
فما لم يتحقق بالجهد الفردي كان بالإمكان أن يتحقق بالجهود الجماعية عن طريق الاكتتاب والتعاون العربي المُشترك أو الإنتاج الحكومي المصري المؤسسي، لولا أن فُرصاً كثيرة ضاعت ورؤوس أموال ضخمة أنفقت على مشاريع فنية أخرى غير إنتاج الأفلام الحربية التي كانت هي الأولى بالاهتمام والرعاية.