معرض «بحر تونس وصقلية»: أضواء المهدية التونسية وصيادو تراباني الإيطالية

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: لفت المعرض الفوتوغرافي «بحر تونس وصقلية من ساحل إلى آخر» أنظار عشاق الفنون في تونس بالنظر لما ضمه من صور جميلة ونادرة لضفتي مضيق صقلية، أي سواحل تونس وإيطاليا. وتُنظم هذا المعرض، الذي يضم أعمال عشرة مصورين، جمعيتا «ديدون وإيني» و«ألوان الحياة»، وذلك بفضاء المركز الثقافي سانت كروا بتونس العاصمة، وسينتقل قريبًا إلى أماكن عرض أخرى في تونس وصقلية.
ويحظى هذا المعرض بدعم من المعهد الثقافي الإيطالي في تونس وبلديتي تونس وتراباني الإيطالية، ويُتيح لزواره استكشاف أحاسيس البحر الأبيض المتوسط، باعتبار أن مضيق صقلية الفاصل بين حوضي المتوسط الشرقي والغربي وبين تونس وإيطاليا هو قلب المتوسط وروحه. ولعل المناظر الطبيعية الخلابة التي تضمها الضفتان، وملامح البشر على الشاطئين، تختزل كل المتوسط بضفتيه الشمالية والجنوبية وجزره المتناثرة على امتداد الحوضين، وكل تاريخه الضارب في القدم.
وكانت جزيرة صقلية على الدوام همزة الوصل بين سواحل تونس وإيطاليا وخضعت عبر التاريخ لهذه الضفة وتلك بحسب موازين القوى، حيث خضعت لقرطاج التونسية ثم لروما الإيطالية ثم لدولة الأغالبة في القيروان التونسية ثم سقطت بيد النورمان الأوروبيين. فهي إرث مشترك للتونسيين والإيطاليين، وللحوضين الشرقي والغربي للبحر الأبيض المتوسط، ولأفريقيا وأوروبا، وللعالمين الإسلامي والمسيحي، ومن كل ذلك تستمد أهميتها الجغرافية والتاريخية والثقافية والحضارية.
ولعل أكثر من جسد هذا الارتباط الوثيق بين صقلية وتونس المصور الإيطالي باولو ريزو، الذي أعرب عن ارتباطه الوثيق بتونس وهو الإيطالي الذي يجوب سواحل الخضراء مُراقبًا شواطئها المتوسطية وصخورها باهتمام بالغ، فتثير رواياته الفوتوغرافية المشاعر كقصة قصيرة أو قصيدة، تاركةً المجال لقراءات مفتوحة. تُصوّر إحدى أكثر الصور شهرة في هذا المعرض قوارب ورقية تُبحر على طول أخاديد صخرة، فتجسد بألوانها الزاهية، وتناقضاتها بين الأزرق تارة ولون الرمال المختلط بلون غروب الشمس تارة أخرى، جزءًا من روح المشهد التونسي بعيون إيطالية.

يوميات صيادي تراباني

نجح المصور الإيطالي أرتورو سافينا، من خلال ست صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود، في توثيق يوميات صيادي مدينة تراباني الصقلية الإيطالية الذين يعودون إلى الميناء بما تحمله قواربهم من منتوجات البحر. لقد استعاد سافينا اللحظات التي يتنافس فيها لدى الصياد تعب النهار البادي على الملامح، مع الفرح بالصيد الوفير والعودة إلى الأهل والأحبة سالما غانما، والإطار المكاني في هذا المشهد المتناقض هو دون شك الميناء الفاصل بين عالمي البر والبحر.
أما المصورة سيمونا دي توغني المشاركة بدورها في هذا المعرض، فيُعدّ قضاء يومٌ في البحر بالنسبة إليها الذريعةَ المثاليةَ لخلق عالمٍ بحريٍّ خاص بها يحتله الصيادون ويهيمنون على مشهده وذلك من خلال أيديهم التي تسحب الشباك، وظلالهم المُنعكسة على البحر المفتوح، ووجوههم المُغموسة في تموجات المياه المُتدفقة. بين مدينتي تراباني وفافيجنانا، اللتين خضعتا في عصر ما إلى جمهورية قرطاج ثم إلى دولة الأغالبة التونسيتين، تُمثّل هذه الصور للصيادين تراتيل صامتة ودقيقةً لشجاعة وجهد وصبر الرجال الذين يكرّسون أنفسهم للبحر.
أما المصورة الفوتوغرافية الإيطالية ماريا لويزا فراتشي، فتتجول بعدستها على طول شواطئ تراباني المتوسطية الساحرة ومحيطها. فتنتقل برشاقة بين الشفق وضوء الشمس الساطع، وتلتقط نسيج الحصون والمنارات على طول الساحل الجزيري. وتتشبث في عملية بحثها عن الجمال بخيوط القوارب الراسية في الميناء، وأضواء المدينة المتلألئة في الأفق.
وفيما يتعلق بالمصور فرانكو سكاليا فقد التقطت عدسته سلسلة من المنارات المنتشرة على طول ساحل تراباني الصقلي، وهي صورٌ تُجسّد ببراعةٍ انطباعَ الارتفاع والعزلة والثبات في المشهد الطبيعي. والأشكالُ النحيلة للمنارات، المُحاطة بالبحر من جميع الجهات، جوهرَ هذه السلسلة من الصور، حيث يُعزّز اللونان الأسود والأبيض الخرسانة والحجر الصامتين أمام هدير الأمواج.

شواطئ تعج بالحياة

أما تونينو كورسو فبدا أنه يبحث عن إرث مواطنه المصور لويجي غيري من خلال تصوير مشاهد تبدو للوهلة الأولى غير اعتيادية، لكنها في الواقع طبيعية وتنتمي إلى ذلك المكان ونابعة من خصوصياته. فتروي كل صورة من صوره قصة، وكل انعكاس للضوء يتجاوز التفاصيل، ويصوّر البحر في اتساعه المتدفق بين الضفتين الماسكتين بهذا المتوسط الأسطوري.
ويصور كورسو أشخاصا جالسين أو يتقدمون بحذر بين الصخور فيبدو المشهد متشابها بين الضفتين ولا فوارق في الواقع وكأن هذا المتوسط مجرد بركة مياه صغيرة يمكن القفز عليها في كل حين. إنه عرس مضيء على شاطئ هذا البحر العجيب، يوشحه نورس أسود الرأس، يُرسّخ ببراعة هذا العالم الأسطوري الذي أعاد كورسو إخراجه وتفسير الغموض الذي يلفه.
وأخيراً، يروي ماتيو غاروني في ست صور معروضة لقاءه مع الشاب بيجي، وهو روبنسون صقلي شاطئي إن صح التعبير، بنى منذ صغره حواجز لحماية الساحل. هذا الشاب الذي يواجه المد البحري، ببناء جدران حجرية ويجمع النفايات الشاطئية حفاظا على البيئة، يُثير الإعجاب ويدعونا ضمنيا للقيام بواجبنا تجاه البيئة.
لقد حضر بيجي واقعيا وجسدياً في صورتين فقط ولم يظهر في كل الصور الست الخاصة بماتيو غاروني والتي تضمنها المعرض. ففي باقي الصور راقب غاروني الكوخ الذي يعيش فيه هذا البيئي المواجه لجزيرة بيلاو، وكان حضوره من خلال مسكنه وبيئته بوجه عام.

تقنيات صيد تونسية

تشارك تونس في هذا المعرض من خلال حضور صور شواطئها في معروضات مصور إيطالي ومن خلال ثلاثة مصورين واجهوا بدورهم البحر ورموزه. ومن بين المشاركين التونسيين منى الفقيه خواجة التي قدمت سلسلتين من الصور الفوتوغرافية. تركز الأولى على التقنية التقليدية في تونس لصيد سمك البوري القافز، والثانية على تقنية الصيد بالشرفية التي تميز صيادي أرخبيل جزر قرقنة التونسية.
اختارت منى الفقيه خواجة أن تكون صورها بالأبيض والأسود ربما لتضفي لمسة جمالية ساحرة على الصور ولتؤكد على قدم وعراقة هذه التقنيات للصيد البحري الخاصة بتونس التي اقتحم شعبها هذا البحر الأسطوري المتوسطي منذ أقدم العصور حتى سمي حوضه الغربي في عصر ما بحر قرطاج حين كانت قرطاجهم تهيمن على مفاصله وصولا إلى المحيط الأطلسي. وبالتالي فإن هذه الصور تختزل رحلة منى الفقيه خواجة الفنية في محيطها البحري التونسي القرطاجي، كاشفةً عن الجمال والحقيقة، وعن سيادة التونسيين على بحرهم وعلى جزره المتناثرة كاللؤلؤ المكنون منذ الأزمة القديمة والغابرة.
يرتدي الصيادون، سواء أكانوا منفردين أو في مجموعات، في السلسلة الأولى من الصور المشار إليها، أرديةً وقبعات، ولا تظهر ملامح وجوههم فيبدون كالظلال، يصارعون البحر وأمواجه وأسماكه بشباكهم ومراكبهم وعزائمهم الفولاذية وأجسادهم التي لا تلين. وفي السلسلة الثانية، تبدو حواجز النخيل في بحر أرخبيل جزر قرقنة وكأنها تنبثق من ظلمة الفجر، كما لو كانت تغمرها مياه البحرٍ ويجتاز هذه الحواجز قاربٌ وحيد تشبع صاحبه على ما يبدو بروح وعزيمة وجلد وصبر القائد القرطاجي حنبعل الذي يتحدث مؤرخون على أنه اختفى فترة من الزمن بجزر قرقنة بعد نهاية فترة أسبطيته منذ آلاف السنين (السبط هو رئيس السلطة التنفيذية في جمهورية قرطاج).
أما المصور إسكندر زراد فينشئ حوارًا رمزيًا تُجسّده صورة جوية لمدينة المهدية التونسية الساحلية، العاصمة الأولى التي تأسست فيها الدولة الفاطمية قبل أن ترحل إلى القاهرة من أجل الاقتراب من بغداد رغبة في الإطاحة بحكم العباسيين والاستحواذ على الخلافة. وتُعزّز هذا الحوار بين تونس وصقليتها التي باتت بيد الإيطاليين وخرجت عن سيطرة التونسيين منذ زمن النورمانديين، قوة المناظر الطبيعية التي يلتقطها المصور، والمشاهد الخالدة على الضفتين التونسية والإيطالية أو الصقلية بتعبير أدق.
وتتضمن الصور تحليق سرب من طيور الفلامنغو فوق البحر، وصياد محاط بالقوارب، جالس أمام شباكه، ويبدو تشابك الصواري والهياكل وكأنه يعكس تعقيد مهمة الصياد. هذه هي المشاهد المعقدة التي يعيد زراد تجسيدها بتوازن مدهش يثير إعجاب زوار هذا المعرض الفريد الذي مثل جسر لقاء بكل ما للكلمة من معنى بين ضفتي المتوسط والقارتين والثقافتين.
وأخيرًا، تقدم المصورة التونسية كوثر خديجة الخويني سلسلتين من الصور، واحدة بالألوان وأخرى بالأبيض والأسود تم التقاطها على شواطئ كل من منطقة غار الملح الساحرة التابعة لولاية بنزرت شمال تونس، وجزيرة الأحلام جربة التونسية. إنها جرد حقيقي لواقع جميل وآسر للقلب والروح، حيث تجمع الصور بين وجه صياد، وقارب يحمل اسم امرأة، وسمكتين وسلة، وحطام سفينة منسي، وأيادٍ تعمل، ودراجة نارية أمام جدار يبدو متآكلًا من رذاذ البحر. لحظات كثيرة تصبح، من خلال ما رغب المصور في سرده، شظايا من الخلود لسواحل أسطورية نسجت عبر التاريخ الكثير من الحكايا التي تُروى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية