«تاريخ العطش» مجموعة الشاعر الفلسطيني زهير أبو شايب: ماء الشّعر دافقاً في عروق الحبّ

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

لا يُقدّم الشعراء مجموعاتِهم الشعرية، أو فصولَها، أو قصائدَها بأقوالٍ أو إهداءاتٍ عبثاً، إذْ هم يُعبِّرون بتقديماتهم، عن التداخل فيما يقدّمون من معانٍ تعكس التفاعل مع معانيها، بما يعلنون ويضمرون من مستويات.
ولا يختلف الشعراء في التقديمات عادةً، في بثّ معانيها خلال المجموعات، غير أن الشغوفين منهم في البحث عن الكمال، ممن يمتلكون القدرة على توليد الأنساق ضمن بنى، وبما يمتلكون من موهبةٍ فطريةٍ طبيعية في تفعيل الشعر بالإيقاعات، يلجأون إلى إدهاش القارئ بترقية التداخل من مستوى المعاني إلى توحيدها بالأشكال. مثلما يفعل وفعل مجدَّداً أحد معلمي قصيدة التفعيلة الكبار الشاعر الفلسطيني زهير أبو شايب، الذي لم يتخلَّ عن تقديم مجموعته الشعرية الجديدة كذلك «تاريخ العطش» بقول النفّري: «وقال لي: أنت معنى الكون كلّه»، على غلاف كتابه، مظلّةً تشير إلى الإنسان من مستويات التداخل الصوفي فحسب، بل مارس «التخلّي بالتحلّي» وفق هذا الركن من صوفيّة النفّري، بتكوين بنيةٍ صغرى للتقديمات يلمّ بها أركان محور مجموعته/ العطش. هذه المميَّزة بعمق التداخل، والممتدَّة من عطش التعذيب الجسديِّ إلى عطش الحبّ بتجلياته، تحت مظلّة تقديمها بالإهداء: «إلى أمي دائماً/ إلى غزّة.. العطش الكامل»؛ حيث «ليل غزة»، وحيث هو: «على حالهِ/ جالسٌ يتفرّج منذ الصباح على الليلِ/ لم يستطعْ أن ينامَ،/ ولم يستطعْ أن يموت قليلاً كأطفال غزّةَ،/ ما من شهيدٍ سيأتي ليأخذه معه في الطريق إلى الأبديةِ/ فالشهداء يجيئون في كل معركةٍ/ ليزوروا الحياة وأبناءَها،/ ويقولوا لهم:/ لم نمتْ قطُّ. نحن هنا في الحياةِ/ ولو أغمض الناس أعينَهم/ لرأونا!».

تداخلات البنية:

لتحقيق وتمتين نسيجه مع خلق انسجام للقصائد التي نبغت بدون تخطيطٍ في النسيج، يقيم أبو شايب بنيةً تتكون من خمسة فصول يمكن تسميتها بالأبواب من جهة مسح غالبية قصائدها الـ (64) بزيت الصوفية، هي: «يسير داخل نفسه، ويضم (10) قصائد ــ قلبكَ يا نبع (14) قصيدة ــ لو أنني مطرٌ (14) قصيدة ــ حفيد الماء (13) قصيدة ــ دفتر الأحوال والمقامات (13) قصيدة».
ولتحقيق تداخله، بما يربط أبوابَه ضمن نسيجٍ واحد، يقدّم أبو شايب كلَّ باب بما يعبّر عن روح مجموعته وأركانِ محورها/ العطش، ولكنْ، ليس بغير ما يميّزها من وحدة وصراع الأضداد، إذ يأتي الماء دائماً مترافقاً مع نقيضه حتى لو كان خَلّاً، كما في إرواء عطش المسيح في تصوير عطش التعذيب، الذي قدّم به أبو شايب بابه الأول من الكتاب المقدّس: «بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمل»/ فلكي يتم الكتاب، قال:/»أنا عطشان».
وتجلّى تداخل هذا التقديم في قصائد عديدة أبرزها قصيدة «نهرُ الله»، التي اختير عنوان المجموعة منها، وتضمّنتْ تعطيش أصحاب القضايا والرسالات في التعذيب: «أيها الطفل الإلهيّ الذي نتبعُهُ/ سرْ على الماء بنا،/ لو أذِن النهر،/ ابنُ ماء القمر السرّي/ نهرُ الله/ نهرُالمريميات الذي ينبع من أعلى الأساطيرِ/ ويجري في المجرّات/ وحيداً.. كيسوعٍ ما/ صلبناه على الماء/ وعلّمناه تاريخ العطش».
وكذلك في قصيدة «موتى قدامى» التي تُبرز تساؤلات الإنسان عن نفسه: خليفةُ الله في الأرض الباني أم الهادم لها بصراعاته على الماء الذي يمثّل الثروات؟ وسلوكه كبدويّ مرتحل عن الأرض وليس ابناً مخلصاً لحضنها.
مثلما يأتي الماء مترافقاً مع العطش/ الموت، في تقديم أبو شايب لبابه الثاني بأبيات من الشاعر الفرنسي إيف بونفوا في: «ألّا يكون الموت في النبع الغامض/، إلّا اضطراب الماء الذي لا قرار له/، والذي كان اللبلاب يشربه». وتجلّى تداخل التقديم هذا بخاصة في القصيدة التي تبحث في معنى الخلود، ويحضر فيها جلجاميش باحثاً عنه: «بجانب تلك السماء»، وتشير القصيدة إلى أنه كامن في المرأة. وقصيدة «داجون»/ اسم إله الحنطة لدى الفلسطينيين القدماء، التي تتداخل مع آيات سورة الفجر الخاصة بالنفس المطْمَئِنَّة الراجعة إلى ربّها راضيةً مَرضِيةً. وتشير كذلك إلى المرأة كمكمن للخلود في: «قرّبي شفتيك من الكأس/ وارتشفي رشفةً/ وادخلي كالشهيدة في جنّتي/ وادخلي في عبادي/ قرّبي شفتيك من الكأس أكثرَ/ في الخمرة امرأةٌ/ مثل مرج ابن عامرْ/ تفرش الأرض سجادةً فوق صدريَ/ وتتركني مثل داجون في الصيف/ أنطر حول البيادرْ/ وتغيب/ لترجع وقت الحصادِ».
ومثلما يأتي الماء مترافقاً مع العطش في العشق الذي لا يُروى، بميّزة سيادة المرأة على الرجل، في تقديم بابه الثالث بأبيات من ابن الرومي: «أرى ماءً وبي عطشٌ شديدٌ/ ولكنْ لا سبيل إلى الورودِ». ويتجلّى تداخل هذا التقديم في معظم قصائد المجموعة التي يحتل عطش الحب والإرواء جانبها الأكبر، وترتقي فيها المرأة المعشوقة إلى مرتبة الإلهة، كما في قصيدة «عطش»، حيث:
«مثل ماء البحر
ماذِقْتُكِ إلّا
ومشى قلبي خفيفاً كمسيحٍ طائرٍ
فوق رؤوس الموجِ
وازدادتْ شفاهي عطشا».
والقصيدة التي يمتزج فيها العطش بعوالم الصوفية «ثلاثُ آياتٍ»، وقصيدة «بقعُ ضوءٍ» التي يمتزج فيها العطش بالبعد في: «كم شهراً لك في الغربةِ/ ميِّتةٌ عطشاً/ يابسةُ الشفتينِ/ وأنت النهر».
ومثلما يأتي الماء مترافقاً مع عذاب القتل في تقديم بابه الرابع بأمثولة الإمام الحسين بن علي عند استشهاده: «يا أبتِ، العطش قد قتلني».
ومثلما يأتي الماء كذلك في تجلّيات أسراره العميقة كمنبع للعطش يجري معه منذ تدفقه بتقديم أبو شايب بابه الخامس بفلسفة جلال الدين الرومي الصوفية التي تنبض بوحدة وصراع الأضداد، وسبل حلّ التضاد في أنّ: «العطش الذي في نفوسنا هو الجاذبية التي وضعتها المياه نفسها».

تجلّيات العطش

كما لو أننا جعلنا من الشعر كلَّ شيءٍ حيّ، ونثرناه مروجاً ورياحين تُسبّح باسم الجمال، في التداخل بين التقديمات التي ارتوت بمن وضعها شواهد، والقصائد التي يتجلّى فيها العطش شعراً زلالاً، يُغني أبو شايب كعادته قصائدَ مجموعته، بنهرٍ ثرٍّ يشتهر بتلوينه، ومدّ أبعاده وتعميق رؤاه، بالثقافة كما الأسطورة، مع تغيير المفاهيم بجرأة الكشف وكسر الخوف من المقدّس.
ويروي أبو شايب بذلك عطش قارئه برشفاتٍ ممتعة من فم قصائد لا يُنقص إيقاع قطرات مائها كونها قصيرة بما لا يتجاوز الصفحتين، ولا يروي عطشه بذات الوقت، إذ هي طبيعة الجمال:
أولاً: في متعة عيش التداخل، مع الأسطورة مثلما يحدث في قصيدة «نهر الله» التي يتداخل فيها مع نبات الغرقد، وما يعنيه في التراث اليهودي والإسلامي، من أنه النبات الوحيد الذي يحتمي به اليهود يوم القيامة، وهم يكثرون من زراعته تحت هذا الوهم، كما جاء في الحديث حول قيام الساعة، لتخليص الواهمين من وباء أوهامهم، حيث: «نحتاج أن ننسى قليلاً من هم الأعداءُ،/ مِن أيِّ الكوابيس يجيئون إلينا/ ولماذا زرعوا الغرقدَ في الفكرة/ والغرقدُ لا ظلّ له؟».
ـومع الأساطير والكتب المقدسة وجغرافيا المكان: القرآن الكريم، إله القمح الفلسطيني داجون، ومرج ابن عامر/ في خطاب تلتبس فيه الحبيبة بالروح، مثلما أسلفنا في قصيدة داجون.
ومع المكان وأسطرته، مثل التداخل بين ربّة عمّون/ عمّان القديمة، والإلهة عشتار، مع ترقية المرأة إلى الإلهة، باستخدام أسطورة الخصب بين عشتار وآدون، كما في قصيدة: «ربّة عمّون»، حيث: «سأرمي ظلالي وأجنحتي وغيابي عليكِ/ إذن مزّقي جسدي/ واهبطي في الجحيم/ لكي تستردّي رفاتي/ وكوني كربّة عمّون/ حارستي/ وكمالة ذاتي».
وثانياً: في متعة عيش شكل القصيدة، وإنباضها بالتفعيلة التي يعيش فيها القارئ جمال إيقاعات أبو شايب التي لا تقرَبُ بعضَها السائرَ بجانب إيقاعات محمود درويش، شمسُ درويش بالحرق، إذ يتقن أبو شايب كون أن يكون نفسه بلغته وإيقاعاته الثرية المتعدّدة، وجمله الشعرية المتراكبة من دون تعقيد، وقدرته على مواصلة التفعيل في القصيدة دون الاضطرار (حيث يلوذ بذلك معظم الشعراء لتلافي انكسار الوزن) إلى تسكين نهاية السطر وقطع جريان نهر القصيدة، تاركاً للقارئ حرية التوقّف تبعاً لحساسيات أنفاسه. مثلما يفعل كمثال في قصيدة «موتى قدامى» التي تجري بتفعيلة «مستفعلن»: «ما من غدٍ يأتي/ علقْنا في فراغٍ ما بلا ماضٍ ولا مستقبلٍ/ لكننا لم ندرِ أينَ/ أنحن موجودونَ،/ أم موتى قدامى يملؤون الذكرياتِ؟/ ونحن مَن؟/ بدو السماءِ الرحّلُ/ المتقاتلون على عروق الماءِ؟ ظلّ الله فوق الأرضِ؟ أم أبناء أنفسنا اليتامى التائهون بلا أبٍ؟».
إضافةً إلى عيش القارئ جمال التنويع والتوقيع بالقوافي التي لا تكتفي بمجيئها في نهاية المقطع، وإنما تنتظم الأسطر كذلك، وتتوقّع في أسطر تالية، وبالأخص في القصائد التي تقترب من الصوفيةالإيروتيكية، من مثل ما يأتي في قصيدة «باب المطلق» التي يخاطب فيها المعشوقة بـ: «قولي للوردةِ أن تتفتّح في العتمةِ/ واقتربي منها/ لتشمّي رائحة اللهِ/ كما يقترب الصوفيُّ العارف من باب المطلق/ قولي لفراشتك السرّية/ أنْ تسبحَ مثل الموجة في البحرِ/ وأنْ ترسمَ صورتها باللهب الأزرقْ».
إضافة إلى مزج بعض القصائد بأسلوب السطر والقطعة، دون التخلي عن نفس التفعيلة. واستخدام البلاغة والمجازات الممتزجة بكائنات الطبيعة، وبالأخص عند الميل إلى تصوير الحميميّات، بما يلطّف الإيروتيكية ويبعدها عن الإباحية، كما في قصيدة: «وردة الهذيان»، وقصيدة «إنِّي أنين الرحى»، التي تتفتّح فيها اللغة مثل وردةٍ بشريةٍ، وتتفتّق الكلمات بالمعاني المتعدّدة: «قليلاً قليلاً خذي هذه الخمرَ/ مُسّي بها شفتيكِ وصدرَكِ/ وادَّهَني / واشربي/ وأريقي على ورق الوردةِ المتفتّح للشهواتِ/ وإنّي أنينَ الجبال التي وطئتْها الزلازلُ/ إنِّي أنينَ الرحى»…
مع إغناء المفردات بالإشارات والاستعارات، مثل استعارة وصف عمرو ابن كلثوم للخمر بـ «مشعشعةً»، وإسباغها على المرأة التي تحتسيها بـ: «خذيها وأنت مشعشعةً مثل شمس الضحى».
واستعارة قدرةِ الإحياء والإماتة وإسباغها على الشّفاه، مع استعارة «رجوع الشيخ إلى صباه»/ عنوان كتابالإمام أحمد ابن سليمان ابن كمال باشا الشهير بـ: «تلك الشفاه التي عرفتْ/ حين ذاقتْ/ وذابتْ من السُّكْر،/ حُقَّ لها أن تُميتَ وتُحيي/ وأن تستبدّ/ وأنْ تُرجع الشيخ ثانيةً لصباهْ/ وحُقَّ لمن عشقوا أن يذوقوا/ وأنْ يمزجوا الخمر بالجمر/ عند الصلاةْ».
مع تفعيل المحكيّ العادي، لتقريب الشعر وعيشه في الواقع من قبل القارئ، مثلما يجري من عتب على الحبيبة في قصيدة «ولو!»: «ثلاث ليالٍ بعَتْماتِها وكوابيسها/ لم تمرّي ولم تسألي/ أو تلومي على أنني لم أسَلْ عنكِ/ في حلمي أمس/ حاولت ألا أراك ولو ليلةً/ غير أني رأيتك».
والكثير الكثير الذي يكتشفه القارئ مستمتعاً بمجموعةٍ ما أنْ ترويه حتى تتركه عطشاً في بحيرات العطش.
زهير أبو شايب: «تاريخ العطش»
الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان 2025
160 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية