ربما يحتاج فن العرائس إلى مواهب وخبرات خاصة كي يُبدو مُبهراً ومؤثراً في ثقافة الطفل المصري، لذا فإن العروض التي يتم تقديمها على المسرح المُختص بهذا الشأن عادة ما تمر مرور الكرام، كونها لا تحظى بالدعاية الكافية لإنجاحها وبيان تأثيرها بوصفها فناً استثنائياً رفيع المستوى لديه القُدرة على مُخاطبة الطفل والتواصل معه في فترة معينة من عمره يتأسس عليها إدراكه وتكوينه النفسي والاجتماعي.
وانطلاقاً من مبدأ الاعتراف بدور مسرح العرائس وأهميته، جاءت فكرة إقامة مهرجان خاص به يُسلط الضوء على الأنشطة المسرحية والعروض الأخرى المُتميزة، تماشياً مع خُطة وزارة الثقافة للاهتمام بكافة الفنون الإبداعية لإحداث النهضة المنشودة في هذا الصدد.
وبموجب الترحيب بالمُبادرة الثقافية المهمة، أقيمت الدورة الأولى للمهرجان التي تحمل اسم فنان العرائس جمال الموجي بوصفه أبرز مُبدعي هذا اللون في المرحلة الآنية، وفي الإطار ذاته عُرضت في اليوم الأول لفعاليات المهرجان على مسرح نهاد صليحة بأكاديمية الفنون، مسرحية «جويا» للكاتب والباحث المُتخصص في مسرح الطفل عبده الزراع، أحد شعراء العامية البارزين ورئيس التحرير الأسبق لمجلة «قطر الندى»، المطبوعة الثقافية المُختصة بثقافة الطفل المصري والعربي.
وعملت الدكتورة نهاد الطحان المُدرس بمعهد فنون الطفل على تحويل النص المسرحي الأصلي «الفنان»، من إبداع بشري إلى رؤية مسرحية خاصة بفن العرائس، مُعطية إياه أبعاداً فنية ودرامية وفلسفية تتصل بحوار العرائس حول تغير منظور الفن التشكيلي من الرسم بالفرشاة واستخدام الألوان والأدوات التقليدية، إلى التعبير الفني باستخدام الوسائل والوسائط التكنولوجية الحديثة كالذكاء الاصطناعي وغيرها.
ومن خلال الرؤية المُستقبلية لما يُمكن أن تُحدثه التكنولوجيا في مجال الفن التشكيلي، بُنيت الفكرة الدرامية المسرحية على الصراع القائم والمُتنامي بين القديم والحديث لتوضيح التأثيرات القوية في مجال تغير تكنيك الرسم والألوان في ظل طفرات التقدم المُتلاحقة والسريعة.
ويعد عرض «جويا» المسرحي هو نموذج مُصغر لصراعات أخرى كثيرة في مجالات إبداعية عديدة، حاول المؤلف لفت نظر الأطفال إليها في ضوء ما يُستجد، كي يُحيطوا بما يدور حولهم من مُتغيرات علمية وتكنولوجية تُلقي بظلالها على ثقافة الطفل وتؤدي حتماً إلى تطوير سلوكه النفسي والاجتماعي والفني، حيث تزداد معارفه ومُدركاته وتتسع دائرة وعيه واستيعابه للأشياء فتتسم تصرفاته بالنضج ويُصبح أكبر من سنه إذا ما واجه في حياته اليومية شيئاً ما يستدعي التوقف والانتباه واليقظة.
وتركز الحدوتة الدرامية في هذا السياق على إهمال العروسة جويا بطلة العرض المسرحي للفرشاة والألوان، بعد أن صارت مشغولة بالكمبيوتر وتقنيات الرسم العصرية والمُتقدمة، فيحدث بينها وبين أدواتها فجوة واسعة وانفصال كامل، بعد صداقة حميمة وعلاقة قوية دامت طوال فترة الطفولة.
وبطريقة يغلب عليها الطابع الخيالي الفانتازي، تمتنع الفرشاة والألوان عن مُصاحبة جويا والذهاب معها إلى المدرسة في رد فعل غاضب، وإظهار لحالة تمرد ورفض قاطع للتهميش والنكران.
وفي نفس الوقت محاولة لإعطاء جويا الصديقة المُتخلية عن ماضيها درساً قاسياً، علها تعود لجادة الصواب وتُدرك أن التطور والحداثة لا يعنيان الانفصال عن القديم، فالتراث هو الأصل وإهماله لا يُفضي إلا لنتائج سلبية ومُستقبل باهت يفتقد للملامح والهوية التي هي أصل الحضارة ومصدر التنوير والتقدم.
وبالفعل تأتي المُعالجة الذكية للنص مُحفزة على العودة إلى الجذور وعدم الانفصال عن البدايات، فجويا تتدارك الخطأ وتعمل بوصية أمها وتعود إلى ألوانها الطبيعية وفرشاتها بعد فترة غياب طويلة، وينتهي العرض الذي أخرجه هاني نبيل بالاتفاق على المعاني الأساسية والمبدئية، بأن كل العلوم والفنون يجب أن تكون مُتكاملة، لا ينفي بعضها الآخر، فالكون بُني على الصيرورة، إذ لا معنى للثبات والوقوف محلك سر ولا تحقيق لمُستقبل واعد إلا بالتمسك بالتراث والمُحافظة عليه كمرجعية وخلفية تاريخية مهمة وأساسية.
وبفضل إتقان فن التحريك وموهبة الفنانين المُتخصصين فيه، يأتي دائماً نجاح العروض المسرحية المُنتمية لهذا النوع الإبداعي، مقروناً بمهارات هؤلاء الذين يُمثلون نجوم الظل، وهم المختبئون بين الكواليس، ليشدون خيوط العرائس باحترافية ووعي غير مُبالين بظهورهم الشخصي أمام الجمهور وتحت وهج الأضواء في إنكار واضح للذات، حيث ما يهمهم بالدرجة الأولى هو نجاح العمل وفرحة الصغار بما يُبهرهم ويُمتعهم ويُثير خيالهم في ظل تأثير الموسيقى والأضواء وألوان العرائس والدُمى بأشكالها وأحجامها وشخصياتها المُختلفة.