تونس ـ «القدس العربي»: توصف مدينة سوسة بأنها جوهرة الساحل التونسي التي توشحه وتزيده بهاء على بهائه وهي التي تعلق بها كل من زارها وحرص على تكرار «الحج» إليها كلما أتيحت الفرصة للاستمتاع بجمالها. وتستمد سوسة سحرها من طبيعتها الجميلة وخصوصا شواطئها الخلابة والنظيفة، ومن اختلاط الأصالة فيها بالحداثة لتفرز هذا المزيج الرائع الذي خطف الأنظار وسلب العقول.
تقع سوسة على بعد 140 كيلومترا جنوب العاصمة تونس، بالوسط الشرقي للبلاد، على خليج الحمامات المطل على الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. ذلك أن لتونس سواحل مطلة على الحوض الغربي وأخرى مطلة على الحوض الشرقي باعتبارها تفصل إلى جانب إيطاليا بين حوضي المتوسط وتقعان في قلب هذا البحر وتربطان بين الحوضين من خلال مضيق صقلية الذي يدخل في ضمن مياههما الإقليمية.
وتمتاز سوسة بسواحلها الرملية المنبسطة، وشواطئها الفسيحة الملائمة للنشاط السياحي والتجاري وللصيد البحري، وسهولها التي تشجع على امتهان النشاط الزراعي. كما تتميز بمناخ متوسطي معتدل وبنزول كميات من الأمطار تتراوح سنويا بين 250 و 400 مليمتر.
تاريخ حافل
ورغم أن لتونس ساحلا بحريا طويلا يمتد من بلدة ملولة قرب طبرقة في أقصى الشمال الغربي التونسي إلى مدينة بن قردان شمال شرقي البلاد بالإضافة إلى الجزر الكثيرة المتناثرة كاللؤلؤ على طول السواحل التونسية، إلا أن تسمية منطقة الساحل اختصت بها المدن التونسية التابعة لولايات سوسة والمنستير والمهدية من دون غيرها. ويعود ذلك إلى أن مدينة القيروان التونسية، ومنذ الفتح الإسلامي للبلاد التونسية ومحيطها وحتى عصر الدولة الصنهاجية الزيرية، أصبحت عاصمة البلاد المغاربية في مرحلة أولى، ثم عاصمة أفريقية التي كانت تضم تونس وشرق الجزائر والغرب الليبي.
إن المدن الساحلية التابعة اليوم لولايات سوسة والمنستير والمهدية كانت هي الحامية للقيروان من جهة البحر وفيها تركزت الحاميات والحصون والرباطات لحماية مستقر الولاة والأمراء والخلفاء من غزوات البيزنطيين في مرحلة أولى ثم النورمانديين في مرحلة ثانية. فسميت هذه المنطقة في البداية «ساحل القيروان» ثم حذف إسم القيروان وبقيت تسمية الساحل، وجوهرة هذا الساحل بامتياز هي سوسة التي يرجح أن تاريخ نشأتها يعود إلى سنة 1101 قبل الميلاد وكانت تسمى هدروميتوم وهو ما يعني بالقرطاجية «الديار العامرة» وقد قام بعض العرب بإطلاق تسمية حضرموت الشبيهة بهدريميتوم على سوسة فأصبح هناك مدينتان تحملان هذا الإسم وهما حضرموت اليمنية ومدينة سوسة التونسية.
ومع الفتح الإسلامي أطلق الفاتحون الجدد على المدينة إسم سوسة المحروسة ليتم حذف كلمة المحروسة ويبقى إسم سوسة إلى اليوم وحده الذي يطلق على المدينة ليضاف إليه وصف جوهرة الساحل. ويرجح البعض أن تسمية سوسة هي تسمية أمازيغية وكررها العرب لا غير واعتمدوها كتسمية رسمية للمدينة بعد أن خضعت لهم بالكامل في زمن ولاة الأمويين الذين اتخذوا بأمر من الخليفة في دمشق من مدينة القيروان التونسية عاصمة لهم في البلاد المغاربية.
لقد مرت مدينة سوسة بمختلف الحضارات التي عرفتها البلاد التونسية في عصور ما قبل الميلاد فكانت من أهم حواضر جمهورية قرطاج، وعاصمتها مدينة قرطاج في تونس، والتي امتدت في فترة مجدها وتوسعها من سرت الليبية شرقا إلى إسبانيا غربا مرورا بسواحل تونس والجزائر والمغرب وجزر مالطا وصقلية والباليار والآزور البرتغالية في المحيط الأطلسي. وبعد سقوط الدولة القرطاجية بعد قرابة الألف عام من التواجد، خضعت سوسة للإمبراطورية الرومانية الغربية وعاصمتها روما وكانت سوسة أو هدريميتوم من المدن الهامة مثل مدينة قرطاج التي حولها الرومان إلى عاصمة لولايتهم الشمال أفريقية، ثم خضعت للوندال فالبيزنطيين أي رومان الشرق في القسطنطينية (إسطنبول).
ثم جاء الإسلام إلى ربوع المنطقة فأصبحت سوسة أو هدريميتوم أو حضرموت التونسية امتدادا للقيروان التونسية التي كانت مركز الحكم وقطب العلوم والثقافة والأدب والفكر في المنطقة المغاربية. فازدهرت في سوسة المؤسسات التعليمية من كتاتيب ومدارس، وبرز الفقهاء والعلماء والأطباء والفلكيون وغيرهم ممن استقطبهم بلاط الحكم في القيروان في مختلف عهود مجد هذه المدينة سواء حين كانت عاصمة لولاية أموية أو عباسية أو عاصمة لدول مستقلة عن المشرق الإسلامي مثل دولة الأغالبة والدولة الزيرية الصنهاجية وغيرها.
ومع غزو قبائل بني هلال وبني سليم لتونس وتخريبهم لمدينة القيروان وقضائهم على الدولة الصنهاجية التي استنجد حكامها بمدينة المهدية التونسية عاصمة الدولة الفاطمية الأولى، دخلت سوسة كما مدن الساحل التونسي في فترة إضطرابات كبرى. فقد أصبحت المدينة عرضة لغزوات النورمانديين الذين احتلوا جزيرة صقلية وافتكوها من حكام القيروان التونسية من الزيريين قبل سقوطهم، وهي التي ألحقها الأغالبة قبل ذلك بدولتهم وعاصمتها القيروان التونسية.
ورغم طلب التونسيين، أو شعب أفريقية كما كان يسمى في ذلك الوقت، العون من الموحدين إلا أن البلد لم يعرف الاستقرار إلا بعد أن أعلن الولاة الحفصيون في تونس استقلالهم عن الموحدين بجيل جديد ولد ونشأ وترعرع في هذه الديار وشعر أنه ينتمي إليها ولا ينتمي لغيرها ولم يهتم لجذور أجداده الأولين بقدر اهتمامه بموطنه الحالي. وتواصل الاستقرار لسنوات طويلة مع هذه الدولة حتى وهنت وتراجع نفوذها فتكالب عليها العثمانيون والإسبان، ومع تخاذل آخر حكامها انتفض التونسيون وأسسوا الإمارة الشابية في القيروان التي قاومت الحفصيين المتخاذلين والعثمانيين والإسبان على حد سواء وكانت سوسة ضمن دائرة هذه الإمارة مستقلة عن الحفصيين في مدينة تونس.
وبعد عقود من المقاومة من الإمارة الشابية في القيروان سقطت تونس بيد العثمانيين الذين أطبقوا عليها من الشرق والغرب بعد أن أسسوا قبل ذلك إيالتي طرابلس وقسنطينة المقتطعتين من الدولة الحفصية في تونس. ومع العثمانيين وثم المراديين عرفت سوسة بعض الاستقرار لكنها عانت الأمرين من الجباية مع الدولة الحسينية ما اضطرها إلى التمرد على ملوك هذه الدولة الذين قمعوا التمرد خاصة مع ما عرف بـ«محلة زروق».
انخرط أهل سوسة في مقاومة الاستعمار الفرنسي وفي بناء دولة الإستقلال وكان لهم حضور لافت باعتبارهم أبناء مدينة يشجع أهلها على العلم والمعرفة. فبمجرد نيل البلد لاستقلاله في أواسط القرن الماضي كانت سوسة من بين أهم المدن التي وفرت إطارات عليا للدولة.
معالم عديدة
تتميز سوسة بكثرة معالمها وتنوعها وتنوع الحقب التي تنتمي إليها إلا أن أشهر ما يميزها هو المعالم الإسلامية داخل المدينة العتيقة التي حافظت على أسوارها وأبراجها وأبوابها إلى اليوم. وبما أن سوسة مطلة على البحر فإن أسوارها تبدو شبيهة بأسوار القلاع الحصينة التي تم تشييدها لصد الغزوات ناهيك أن سوسة كانت مطالبة بحماية نفسها من جهة وحماية القيروان حيث الولاة الأمويون ثم العباسيون والأمراء الأغالبة والزيريون والخلفاء الفاطميون.
ومن أجل هذه الغاية الحمائية شيدت الرباطات وهي أماكن للعبادة ولمراقبة السواحل أيضا خشية من الغارات البحرية فكان يقطنها النساك والعلماء ممن يقضون الوقت بين العبادة والتعلم والحراسة والتنقل فيما بين هذه الرباطات. وقد أزال الفاطميون أغلب هذه الرباطات وكأنهم يمهدون الطريق للغزو النورماندي بعد رحيلهم إلى مصر للإقتراب من الخلافة العباسية في بغداد رغبة في الإجهاز عليها والحلول مكانها.
لقد بقي رباط سوسة الذي شيد على الأرجح خلال القرن الثاني للهجرة وأعيدت تهيئته من قبل الأمير الاغلبي زيادة الله الأول شاهدا على السياسات الدفاعية التي كانت متبعة في العهد الإسلامي. ويتخذ رباط سوسة شكل المربع ويتضمن أحد أركانه منارة دائرية عالية كان يتم استعمالها في المراقبة لسواحل البحر وهي شبيهة إلى حد كبير بمنارة رباط المنستير.
ويتضمن الرباط بيت الصلاة وباحة واسعة ومدرجات وطابقا علويا وفتحات يستعملها الرماة لاستهداف الغزاة، وتمكن هذه الهندسة الفريدة المصلين من أن يتحولوا إلى مقاتلين بسرعة البرق. وينقسم المدافعون إلى فئتين واحدة في الخارج تعترض الغزاة على الشاطئ الرملي في حال تقدموا باتجاه البر، وأخرى تقذف الغزاة من الفتحات في انتظار وصول المدد من باقي الرباطات الساحلية ومن القيروان البعيدة عن ساحل البحر.
ومن معالم سوسة أيضا الجامع الكبير الذي يقع في الجهة الشرقية للمدينة العتيقة والذي وقع تأسيسه منذ القرن الثاني للهجرة في زمن الدولة الأغلبية التي استقلت بحكم أفريقية عن العباسيين في بغداد واتخذت من مدينة القيروان التونسية عاصمة لها. لقد كان هذا المسجد ليس فقط مكانا للعبادة والصلاة بل أيضا منارة تعليمية في عصره يعاضد جهود جامع عقبة بن نافع بالقيروان وجامع الزيتونة بمدينة تونس ورباطات منطقة الساحل التونسي ومختلف المؤسسات التعليمية المنتشرة في كافة أرجاء أفريقية (الإسم القديم لتونس مع شرق الجزائر والغرب الليبي).
ويتخذ الجامع شكل المستطيل ويضم قاعة صلاة فسيحة ترفعها أعمدة، وفيها قبة تعلو المحراب. كما يضم المسجد ساحة واسعة محاطة بالأعمدة والتيجان، ويختلف طول الأعمدة التي تحيط بهذه الساحة، فهي مرتفعة من جهة قاعة الصلاة وقصيرة من الجهات الثلاث الأخرى. ويتميز جامع سوسة الكبير بعدم وجود مئذنة شأنه شأن الجامع الفاطمي بمدينة المهدية التونسية العاصمة الأولى للدولة الفاطمية. ويفسر البعض ذلك بوجود منارة في الرباط القريب من المسجد، حيث تم استعمال هذه المنارة في تلك الأزمنة للمناداة للصلاة في المسجد وفي الرباط معا.
ويشبه المسجد في هندسته الرباطات من جهة، وما يعرف بالحنايا وهي قنوات المياه التاريخية التي كانت توصل الماء من مدينة زغوان شمال شرقي البلاد إلى عاصمة جمهورية قرطاج والحضارة البونيقية أو البونية مدينة قرطاج. فقد بقيت العمارة في تلك الفترة من التاريخ الإسلامي متأثرة بنظيرتها في أزمنة ما قبل الميلاد وهو ما منح خصوصية للعمارة الإسلامية التونسية التي سارت على نهجها لاحقا كامل منطقة بلاد المغرب الإسلامي.
ويشار إلى أن المدينة العتيقة لسوسة والتي تضم المسجد المشار إليه مدرجة بأكملها بسجل التراث العالمي لليونسكو اعتبارا لكنوزها ونفائسها، ذلك أن كل شبر فيها هو كنز بحد ذاته وتراث عالمي إنساني. وتشبه مدينة سوسة العتيقة أغلب المدن العتيقة التونسية على غرار القيروان وتونس وصفاقس وبنزرت والمنستير وغيرها، وذلك بأسوارها وأبوابها الخارجية وأزقتها الضيقة وبيوتها الجميلة التقليدية التي يتم الولوج إليها من خلال أبواب هي في حد ذاتها تحف فنية.
كما تتميز مدينة سوسة العتيقة بمساجدها القديمة وأسواقها التي يبدع فيها الحرفيون صناعاتهم التقليدية التي توارثوها عن الآباء والأجداد. وتوجد بها أيضا المتاحف التي توثق تراث المدينة وتاريخها وهو تراث غني إلى أبعد الحدود. وللإشارة فإن أشهر لوحة في متحف باردو العالمي بمدينة تونس، والتي أعطت لهذا المتحف أهميته إلى جانب لوحات أخرى وقطع أثرية، وهي لوحة الشاعر فرجيل مع آلهتي الشعر والتاريخ، والتي تم من خلالها معرفة ملامح شاعر من عصور ما قبل الميلاد، عُثر عليها في سوسة وتم نقلها إلى المتحف المذكور. ويجمع الكل على أن تلك اللوحة هي كنز لا يقدر بثمن وقد ذاع صيتها في جميع أنحاء العالم ويأتيها الزوار من كل مكان من العالم لرؤيتها عن كثب وقد تم اعتمادها في إحدى السنوات في المعلقة الرسمية لمعرض تونس الدولي للكتاب.
سوسة اليوم
أصبحت سوسة اليوم واحدة من أهم المدن التونسية مساهمة في الاقتصاد فهي قطب سياحي تنتشر فيه المنتجعات والفنادق السياحية على طول شواطئها النظيفة والجميلة وأبرز من يرتادها هم حملة الجنسية البريطانية والألمانية والفرنسية والروسية وحتى البولندية. ويجد فيها السائح جمال البحر ونظافته بالإضافة إلى الخدمات الفندقية الراقية والموروث التاريخي والثقافي والحضاري الذي تؤمنه المدينة العتيقة بصناعاتها التقليدية ومعمارها وعادات سكانها وتقاليدهم.
كما تعرف سوسة بأنها قطب صناعي تنتشر في ربوعها المناطق الصناعية التي تضم مصانع مختصة في منتوجات متعددة وذات قدرة تشغيلية هامة. ومن أهم الصناعات التي تعرف بها سوسة الصناعات الثقيلة وخصوصا تلك المتعلقة بوسائل النقل وصناعة النسيج والصناعات الغذائية والصناعات التحويلية. ومن أهم المؤسسات الصناعية في المدينة الشركة التونسية لصناعة الإطارات المطاطية والشركة التونسية للسيارات والمعامل الآلية بالساحل وغيرها.
وتعرف سوسة بانتشار غابات الزياتين في محيطها وهي من أهم منتجي زيت الزيتون في البلاد التونسية حتى ارتبط أهلها بهذه الشجرة المباركة ارتباطا وثيقا وباتت مكونا من مكونات الهوية في تلك الربوع. ورغم إزالة الكثير من هذه الغابات لإنشاء الفنادق والمصانع إلا أن حضور الزيتونة ما زال لافتا في سوسة وكل منطقة الساحل التونسي بوجه عام.
كما يوجد في سوسة ميناء ضخم وهام للصيد البحري في الأعماق يتم من خلاله استغلال الثروة السمكية للحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط الذي تطل عليه مدينة سوسة. وتذهب الكثير من هذه الخيرات السمكية للتصدير إلى الخارج وإلى الفنادق السياحية ولتزويد أسواق سوسة والمدن القريبة بهذه الثروة التي تمتاز بجودتها وبطعمها اللذيذ. ولسوسة أيضا ميناء تجاري هام في قلب المدينة وأخر لرسو اليخوت السياحية التونسية والأجنبية بمنطقة القنطاوي.
وتوجد في سوسة جامعة تسمى جامعة سوسة وتضم العديد من الكليات والمعاهد العليا على غرار كلية الآداب وكلية الحقوق وكلية الطب والمعهد العالي للفنون الجميلة وغيرها. كما عرفت المدينة بناديها العريق النجم الرياضي الساحلي والذي يسهر على تكوين الناشئين وصقل مواهبهم في رياضات عديدة مثل كرة القدم وكرة اليد وكرة السلة والكرة الطائرة وغيرها.