تونس ـ «القدس العربي»: بعد عقد ونصف على اندلاع الثورة في تونس في 17 كانون الأول/ديسمبر 2010، لا يزال الوضع الحقوقي يثير شعورا بعدم الرضا لدى شرائح واسعة، وسط مخاوف من فقدان عديد المكاسب المتعلقة بالديمقراطية وبمكتسبات الحقوق والحريات. فتعامل السلطة القائمة مع أحداث شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة لا سيما المحاكمات والتتبعات التي طالت سياسيين ورجال قانون وإعلاميين ورجال أعمال ومدونين وغيرهم، بالنسبة للكثيرين لم تكن محط إجماع حول عدالتها.
وزادت الطين بلة التتبعات التي تطال بعض منظمات المجتمع المدني والتي بدا للبعض أن ملاحقتها في الوقت الراهن تدخل في إطار تصفية الحسابات مع من لم يسيروا في ركاب السلطة. وتشمل التتبعات منظمات وجمعيات عريقة تحظى بالاحترام لدى الطيف الديمقراطي والحقوقي على غرار جمعية النساء الديمقراطيات والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
وتبقى مسألة تتبع الصحافيين على أساس المرسوم عدد 54 أشد ما يؤرق المنتقدين للوضع الحقوقي بالبلاد التونسية باعتبار أن هذا المرسوم بنظرهم بات السيف المسلط على رقبة المنتمين إلى هذا القطاع الحيوي والحساس. ولعل الباعث على القلق حسب هؤلاء هو العدد الهام من الصحافيين الذين تم تتبعهم بمقتضى هذا المرسوم الذي سنّ لردع مستعملي مواقع التواصل الاجتماعي عن قذف وشتم وسب، فإذا به يستهدف أهل القلم.
احتجاجات قابس
ولعل المسيرة الكبرى التي شهدتها قابس مؤخرا كانت بمثابة الصرخة المجتمعية ضد سياسات الحكومة فيما يتعلق بالملف البيئي في قابس وغيرها من الملفات الهامة. لقد اتفقت منظمات حقوقية تونسية وأجنبية على أن تعامل السلطة مع المحتجين في أحداث مدينة قابس والتي خرج فيها متظاهرون يطالبون بالقضاء على التلوث الذي يسببه المجمع الكيميائي الصناعي التونسي في مدينتهم، كان عنيفا وقاسيا وتضمن انتهاكات عديدة للحقوق والحريات. وتساءلت هذه الأطراف عن مبرر تلك القسوة مع من خرجوا مطالبين بحقهم في العيش في بيئة نظيفة وسليمة وصحية، وهو حقهم الذي تكفله لهم كل المواثيق والشرائع الدولية بالإضافة إلى الدستور والقوانين المحلية.
لقد جوبه المحتجون، بحسب المنتقدين بالقوة، فتم إطلاق الغازات المسيلة للدموع، ما أدى إلى اندلاع مواجهات استخدم فيها بعضهم الحجارة، وهو ما جعل نشطاء ومنظمات حقوقية تدين هذا التعامل، مؤكدة على سلمية الاحتجاجات والمطالب المشروعة للسكان. فقد أدان كل من الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان طريقة تعامل السلطات مع الاحتجاجات، وحمّلوها مسؤولية ما حدث، مطالبين بالتحقيق في الانتهاكات التي حصلت. كما أعرب مواطنون عن غضبهم من استعمال الغاز وسط الأحياء السكنية، ما تسبب في إصابات.
وكانت حملة «أوقفوا التلوث» التي تتشكل من نشطاء هدفهم حل الأزمة البيئية في قابس قد عبرت في بيان لها عن «استنكارها الشديد لتوظيف المقاربات الأمنية وقمع الحق الدستوري في الاحتجاج السلمي والمدني وصد مواطني ولاية قابس من التعبير عن هواجسهم ومطالبهم بغلق مجمع الموت وتفكيك وحداته» على حد تعبيرها في البيان. كما نددت الحملة بما سمته «التجاهل والتعنت المستمر من السلطة القائمة» التي تتواجد برأيها في وضعية الإنكار المطلق للأزمة الصحية والبيئية اللاحقة بالولاية والتي صيرت قابس ولاية منكوبة مناخيًا واقتصاديًا واجتماعيًا على حد تعبيرها.
بالمقابل يرى البعض أيضا أن الدولة في أحداث قابس تصدت في البداية للمخربين ممن استهدفوا ممتلكات عمومية وإدارية ولم يميزوا بين الحق في التعبير والتظاهر وبين التخريب والعنف. وبالتالي فإن ما يراه البعض قمعا للحريات استهدف المحتجين في أحداث قابس يراه البعض الآخر محاولات لفرض النظام ومنع أعمال التخريب وحماية للممتلكات.
ولعل دليل أصحاب هذا الرأي أن المظاهرة الجماهيرية التي لم يتم فيها الاعتداء على الممتلكات لم يتم قمعها وكفلت من خلالها السلطة الحق في التظاهر والتعبير والمطالبة بتفكيك الوحدات الصناعية بالمجمع الكيميائي الصناعي. لقد كان يوم غضب جهوي في قابس واستنكارا للتعامل الأمني مع الاحتجاجات البيئية وتم تنظيمه استجابة لدعوة اتحاد الشغل الجهوي بقابس وفرع الرابطة التونسية لحقوق الإنسان بالجهة، وطالب المحتجون في هتافاتهم وشعاراتهم «إدارة المجمع الكيميائي التونسي والسلطة الجهوية والمركزية بالإيقاف الفوري لنشاط الوحدات الصناعية الملوثة».
محاكمات عن بعد
كما تعرضت السلطة إلى انتقادات واسعة بسبب بعض المحاكمات ومن ذلك قضية المحامي والقاضي السابق أحمد صواب التي اعتبر البعض أنه لم تتوفر فيها شروط المحاكمة العادلة. حيث غاب المتهم، حسب هؤلاء، بسبب رفضه أن تتم محاكمته عن بعد وغابت عن المحاكمة أيضا عائلة المتهم بعد رفضها أن يحضر فرد منها فقط هذه المحاكمة مثلما أرادت السلطة.
وأكد هؤلاء أيضا على أنه تم منع الصحافيين من حضور المحاكمة من دون تقديم مبررات مقنعة لذلك المنع. وقام عميد المحامين بإعلام القضاة بمقاطعة المحاماة التونسية للمحاكمة بالنظر للخروقات الإجرائية الحاصلة.
ووُجّهت لأحمد صواب عشر تهم تصل عقوبة عدد منها للإعدام منها سبعة على أساس قانون الإرهاب وواحدة على أساس المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، وواحدة على أساس المجلة الجزائية وواحدة على أساس مجلة الاتصالات. وتم الحكم على المحامي والقاضي الإداري السابق نتيجة لكل تلك التهم بالسجن خمس سنوات تليها ثلاث سنوات من المراقبة الإدارية.
لقد أكد الاتحاد العام التونسي للشغل في بيان له متعلق بهذه المحاكمة عن تضامنه الكامل مع أحمد صواب، ومع عائلته وأسرة المحاماة الحرة، على حد تعبير البيان، مؤكدًا رفضه لما اعتبره «حكمًا ظالمًا». ودعا الاتحاد في بيانه المشار إليه القضاء إلى مراجعة هذا القرار من جهة، وضمان محاكمة عادلة وعلنية تراعي مبادئ العدالة والشفافية، من جهة أخرى.
كما اعتبر الاتحاد في بيانه أنه تلقّى بـ«صدمة كبيرة» الحكم الصادر ضد أحمد صواب، واصفًا إياه بـ«الجائر»، لما تضمنته المحاكمة، برأيه، من خروقات فاضحة في الإجراءات. كما اعتبر الاتحاد التهم ملفقة ولا يمكن أن تُوجَّه إلى قاضٍ سابق معروف بالنزاهة والاستقلالية، ومحامٍ في الوقت الحاضر يدافع بشراسة عن الحقوق والحريات ويناهض العنف والإرهاب، حسب البيان.
وفي هذا الإطار يرى الحقوقي والمحامي صبري الثابتي في حديثه لـ«القدس العربي» أن المحاكمات الأخيرة شابتها عديد الإخلالات وهو ما يقتضي تدارك الوضع سريعا خلال أطوار التقاضي القادمة من أجل ضمان شروط المحاكمة العادلة وتوفير الضمانات اللازمة للمتهمين. لكن ما تجدر الإشارة إليه بحسب محدثنا أن القوانين التونسية الحالية المتعلقة بإجراءات التقاضي في المادة الجزائية تجاوزها الزمن شأنها شأن القوانين الجزائية التي تجرم الأفعال وتقر العقوبات لردعها، وكل المنظومة الجزائية تبدو بحاجة اليوم إلى مراجعات جذرية باتجاه تكريس الحقوق والحريات وجعلها واقعا.
ويضيف الثابتي قائلا: «نحن بحاجة اليوم أيضا إلى مصالحة حقيقية بين التونسيين وإلى ترسيخ الثقة بين المواطن والدولة بمختلف مكوناتها وأجهزتها. ولعل توفير المحاكمات العادلة هو الذي من شأنه أن يساهم في خلق هذه الثقة».
حلّ الجمعيات
كما عرف قرار تعليق نشاط جمعية النساء الديمقراطيات والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وعدد من المنظمات والجمعيات انتقادات واسعة انصبت على الخشية من ضرب الحق في التنظيم وتشكيل الجمعيات. وأعلنت جمعية النساء الديمقراطيات، أنها ستُضطر إلى إغلاق مراكز الاستماع والتوجيه للنساء ضحايا العنف في كل مدن تونس العاصمة وصفاقس وسوسة والقيروان وذلك بعد صدور الإذن بتعليق نشاطها.
وفي إطار ردود الأفعال اعتبر الحزب الجمهوري وأمينه العام عصام الشابي الذي يقضي عقوبة سجنية على خلفية قضية التآمر، في بيان له، عن تضامنه الكامل واللامشروط مع المنتدى ومع جميع الجمعيات والمنظمات التي تتعرض لما وصفه بـ«حملة استهداف ممنهجة «. ودعا الحزب الجمهوري في بيانه مختلف القوى السياسية والاجتماعية والحقوقية إلى توحيد صفوفها دفاعًا عن حرية التعبير والعمل المدني.
ومن جانبها اعتبرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في بيان لها قرار تعليق نشاط المنتدى تصعيدًا جديدًا لسياسة محاصرة مكونات المجتمع المدني، على حد تعبيرها. ودعت الرابطة في بيانها السلطات التونسية إلى التراجع عن قرارها واحترام الحق في التنظيم وحرية التعبير.
كما عبر المعهد العربي لحقوق الإنسان عن تضامنه مع كلّ من الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ودعا المعهد إلى اعتماد الحوار والتشاور كآلية رئيسية لتجاوز أيّ إشكال إداري أو قانوني وضمان احترام حرية الجمعيات واستقلاليتها، وفقًا لمقتضيات الدستور والاتفاقيات الدولية.
ويشار إلى أن كلا من المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات قررا التوجه إلى القضاء التونسي للطعن في قرار تعليق نشاطهما لمدة شهر بناء على مقتضيات المرسوم عدد 88 المنظم لعمل الجمعيات في تونس. ويرجح حسب البعض أن يتم تجاوز الإشكال القانوني إذا لم يكن هناك قرار سياسي بحل المنظمتين اللتين لم تتوافقا مع السلطة في مختلف العهود وخصوصا منظمة النساء الديمقراطيات التي عرفت بخلافاتها مع مختلف الأنظمة التي حكمت تونس من زمن ما قبل الثورة.
انغلاق ورفض للحوار
كما يتعرض وضع الإعلام إلى انتقادات كثيرة ومن ذلك البيان الأخير الذي أصدره مجلس الصحافة والذي أكد فيه أنه يعاين ببالغ القلق تدهور المناخ الإعلامي العام، وما تشهده البيئة الصحافية من توترات مهنية وقانونية وميدانية واقتصادية واجتماعية انعكست سلبا على حرية العمل الصحافي وحق الجمهور في المعلومة. وهما، بحسب البيان، حقان مكرسان بموجب المرسوم عدد 115 لسنة 2011، وبمقتضى الفصل 55 من الدستور التونسي الذي يضمن حرية التعبير مع مراعاة مبدأ التناسب في كل تقييد لها.
كما أبدى المجلس امتعاضه العميق إزاء القرار القاضي بتجميد نشاط جمعية صحافيي نواة لمدة شهر وما يترتب عن ذلك من تعطيل لوسيلتها الإعلامية «نواة». وذكر بأن حرية تكوين الجمعيات العاملة في المجال الإعلامي وحرية ممارسة نشاطها محمية بمقتضى القانون، وأن اللجوء إلى الأعمال القضائية الولائية لإيقاف النشاط من دون تمكين الأطراف من حق الدفاع وبدون احترام مبدأ المواجهة، يمثل مساسا بجوهر الحق في التنظيم وحرية الإعلام، ومخالفة لمبدأ التناسب المنصوص عليه في الفصل 55 من الدستور.
وطالب المجلس برفع كل أشكال التضييق عن المنابر الإعلامية المستقلة تكريسا لتعدد المشهد الإعلامي وتنوع الآراء فيه بما يثري النقاش العمومي. وسجل المجلس، في ظل الأحداث الوطنية الكبرى ذات الطابع السياسي والحقوقي والاقتصادي والاجتماعي والأمني على غرار المحاكمات الجارية وتجميد نشاط بعض الجمعيات والمنظمات والحراك الاحتجاجي البيئي في قابس ومناقشات مشروع قانون المالية، ما سماه «حجبا ممنهجا» للمعلومة عن عدد من الطواقم الصحافية والمؤسسات الإعلامية في خرق صريح للفصلين 9 و10 من المرسوم 115 لسنة 2011 الذي يضمن الحق في النفاذ إلى المعلومة وتوجه نحو تطويع الإعلام كأداة للترويج والنقل فقط.
كما سجل المجلس حصول تغطيات غير متوازنة أو انتقائية في بعض وسائل الإعلام تلتف برأيه عن جوهر هذه الأحداث، بما يفرغ الإعلام، برأيه، من وظيفته كخدمة عامة ويضرب حق الجمهور في الوصول إلى الأفكار والمعلومات والمعطيات. ولاحظ المجلس تحول بعض المنابر الإعلامية إلى فضاءات للرأي الواحد والموقف الواحد، وانزلاق أخرى إلى خطابات الكراهية والتحريض والشيطنة بما يمس من الكرامة الإنسانية وينتهك القواعد الأخلاقية الواردة في الميثاق المهني للصحافة التونسية.
وحذر المجلس في بيانه من تبعات الفراغ التعديلي في المشهد الإعلامي بتجميد أعمال الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري. واعتبر أن ذلك أذكى ما سماه «فوضى المحتويات الإعلامية» التي وصلت برأيه إلى حد تحول بعض المنابر إلى مساحات شخصية وخصوصية وتحول قنوات تلفزيونية وإذاعات إلى أسواق مفتوحة ووسائط تجارية للبيع والشراء.
نقيب الصحافيين التونسيين زياد دبار أكد في حديثه لـ«القدس العربي» بأن الوضع العام للحريات في تونس معقد على مختلف الأصعدة، وفيما يتعلق بالصحافيين هناك صعوبات على مستوى التشريعات والممارسة. وأوضح بالقول: «على مستوى التشريعات الصحافية نرى اليوم أن الوضع غير ملائم لممارسة العمل الصحافي باعتبار أن المرسوم عدد 54 أصبح عنوان المرحلة وجعل كل صحافي في حالة سراح شرطي ومهدد بالسجن في أي وقت، وهذا ما أدى إلى ممارسة رقابة ذاتية من قبل الصحافيين خوفا من السجن ومن المرسوم».
أما على مستوى الممارسة، اعتبر نقيب الصحافيين التونسيين أيضا أن «الوضع صعب جدا باعتبار أن النفاذ إلى المعلومة أصبح معقدا وبات الحصول على تصريح من مسؤول مسألة صعبة». وأضاف محدثنا قائلا: «لا يمكن أن نتكلم عن الحريات الصحافية بمعزل عن السياق السياسي في تونس، اليوم هذا السياق يتسم بانغلاق حكومي ورفض من رئيس الجمهورية لكل عملية انفتاح سياسي. ونتكلم خاصة على رفضه لما يسمى بالأجسام الوسيطة على غرار النقابات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وعلى محاكمات للمدونين والصحافيين على خلفية المرسوم عدد 54 وقانون الإرهاب. وقد وصل الأمر من بعض القضاة إلى تطبيق مجلة الاتصالات وهو قانون بن علي». وتابع دبار بالقول: «في هذا الخضم نرى أن هناك رفضا من قبل الوظيفة القضائية لتطبيق المرسوم 115 الذي هو القانون الإطاري المنظم لمهنة الصحافة لسنة 2011 «.