رمضان والأمل والربيع العربي المفتقد

حجم الخط
2

قد يكون من الطبيعي أن يستحضر رمضان معه كل الأفكار والمشاعر الإيجابية، ولكن رمضان لا يأتي خارج السياق، واللحظة كثيرا ما تسجنا في جدرانها، والواقع المحيط قد يجعل كلمة الأمل في مرتبة واحدة مع المستحيلات.
فهل لازالت هناك مساحة للأمل حقا وهل الأمل لازال ضروريا، أم أن علينا أن نؤيد ريد ريدنج في فيلم «وداعا شاوشانك» وهو يصر على أن «الأمل شيء خطير ويمكن أن يقود الشخص إلى الجنون». والجنون في عالمنا يعني أن تكون ضمن الأقلية التي لم تشرب من نهر الجنون بعد ولازالت ترفض الاختيار بين الوطن والحرية، وبين الوطن والكرامة، وبين الوطن واحترام الانسان.
يرى البعض أن الشهر بكل ما يحيط به من طقوس قادر على تغيير جزء من المشاعر السلبية أو مشاعر الخوف والترقب التي تحيط بالأوضاع وتطوراتها ليس في مصر وحدها ولكن في الكثير من الدول المحيطة، ويرى البعض أن الطقوس المضافة على الشهر، التي حولت جزءا منه إلى عالم من المنوعات وأوقات الدراما الممتدة من شأنها أن تشغل البعض عما يحدث، أو ان تعيد جزءا من صورة الحياة العادية لعالم ما قبل حلم الربيع العربي. في حين يمكن القول إن التعامل مع الشهر من حيث ارتباطه بالأوضاع السياسية بشكل خاص والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بشكل مباشر، يرتبط بالتعامل مع التصور في ما يتعلق بالثورات التي حدثت والتطورات التي وصلت إليها الدول العربية بشكل عام، أو في حالاتها المنفردة. ويصبح من الطبيعي أن يكون الشهر للبعض مجرد امتداد طبيعي له قبل عالم الربيع العربي، أو أن يكون فرصة لتذكر هذا العالم وما حمله من أحلام ومن دفع ثمن في سياقه، ومن لازال في السجون أو في غمار الحرب واللجوء بسبب تطوراته.
يبدو رمضان بحكم خصوصيته الدينية والاجتماعية، التي تشكلت عبر الزمن، لحظة خاصة في النظر للواقع المحيط بنا وأين كنا وكيف أصبحنا وأين هي الأحلام التي كانت منذ سنوات قليلة وما استمر منها في الذاكرة، أو في الواقع المعاش. يأتي رمضان ليعيد ذكرى من فُقد، إلى مشهد الإفطار والسحور مهما مرت السنوات، مضافا إليه أسماء أخرى غيبت في السجون بشكل معلن أو بصورة غير معلنة. يأتى ليذكر كل مصاب وكل من شارك في بناء الحلم وتحرير الأمل بما كان وما حدث، وليطرح معه صور المقارنات التي لا تغيب عن الواقع الذي وصلنا إليه، والعالم الذي تصورنا أننا في الطريق إليه منذ سنوات قليلة.
على الأرض يبدو أن صورة رمضان، بعيدا عن معناه الديني الخاص، مكررة في سياقها العام المتعلق بعالم الدراما والبرامج والساعات الممتدة من المشاهدة والمتابعة، وبرامج الطعام التي لا تتوقف عن تسويق الجديد وطرح آخر الأفكار، سواء أكانت تلك الأفكار مناسبة للبيوت التي تصل إليها أم لا. تأتي كل تلك الصور المتلفزة من عالم في مجمله بعيد عن الواقع الفعلي لغالبية الجمهور المتلقي الذي لا يعيش في المستوى المعيشي لأبطال الأعمال الفنية نفسه، ولا يعاني من المشكلات نفسها، التي تتمحور حولها تلك الأعمال خلال السنوات الأخيرة، ولا يملك ربما رفاهية التجديد في قائمة الطعام التي يفترض أن يقدمها على مائدة الأفطار، خاصة أن جزءا منه مشغول بتوفير أساسيات الحياة.
يأتي رمضان في شقه الاجتماعي – الاقتصادي المرتبط بعالم التلفاز منذ سنوات، ليوضح ويؤكد حجم الفجوة القائمة في المجتمع المتلقي بصورة مكثفة، خاصة وسط الإعلانات المتزايدة عن الطعام والشقق السكنية المرفهة وغيرها من السلع أو الخدمات التي تمثل حلما بعيدا أو صورة وهمية تشاهد لجزء كبير عبر التلفاز فقط، مثلها مثل عالم الأساطير والأميرات والجنيات في قصص الأطفال. ولكن في واقع ما بعد حلم الربيع العربي وما تعرض له من هزيمة أولى تبعها بناء أسوار جديدة أو تشديد الأسوار القائمة، فإن رمضان يساهم في إبراز فجوة أكبر تخص المجتمعات في عمومها ورؤيتها لقيمة البشر والمعاناة الانسانية.
يموت من يموت من الجوع في العالم المحيط ولكن هذا لا يمنع من استمرار الإنفاق الضخم على برامج مسابقات مختلفة ومسلسلات ربما تكون مكررة ولا تضيف قيمة أو معنى للعالم المحيط بعيدا عن فكرة الإلهاء وشغل الوقت. يموت من يموت في السجون والمعتقلات والبيوت والشوارع باسم الوطن واسم الله ولكن العالم حول الموتى مشغول بالحديث عن آخر الأطعمة في البرامج اليومية، ومن فاز في المسابقة الغنائية. يأتي رمضان ليكشف عن حجم الفجوة القائمة بصورة أكثر وضوحا بسبب خصوصيته وما يفترض أن يرتبط به من انسانية وتراحم ومودة.
تحيط بالواقع الكثير من صور ومظاهر المعاناة، سواء أكانت معاناة عامة تخص البلد المعني والوضع المعيشي العام الذي يصل إلى درجة تهديد الحياة وسط تعدد صور التهديد من نظام حاكم، لعناصر إرهابية تتخذ اسماء وصورا وذرائع مختلفة، إلى معاناة الحفاظ على الحياة ذاتها حيث تصبح الحياة تحديا والحفاظ عليها تحديا من نوع آخر.
فى الوقت نفسه وبسبب خصوصية الشهر الخاصة اجتماعيا في بعض الدول، وكما هو الحال في مصر، يصبح من الطبيعي ان يكون الشهر عنصرا من عناصر الضغط الكاشفة للواقع وتحديداته والمستوى المعيشي للأسر المصرية، ومن يستطيع أن يؤمن متطلباته ومن لا يستطيع. يصبح الشهر تحديا اقتصاديا واضحا تزيد منه المشكلات الاقتصادية القائمة والفساد المستمر والخدمات التي لم تتحسن في الكثير من الجهات التي يتعامل معها المواطن، أو يعمل بها. تصبح دائرية الشكوى بين الموظف الذي يكرر شكواه من المواطن طالب الخدمة، والموظف وغيره في تعاملهم مع خدمات أخرى. تتكرر المشكلات ومعها عالم الضغوط، حيث الجميع ضحية والجميع مدان. ولكن في رمضان يصبح من الطبيعي أن تغلف الشكوى باسم الشهر الكريم على طريقة أن كل فرد بذاته صائم ويحتاج مراعاة ومعاملة خاصة، صورة أخرى توضح حالة التفكير الفردي التي تمثل جزءا من أجواء المشكلة الجماعية. مشكلة تبدو واضحة في تعليقات البعض على أخبار السجناء أو المعتقلين في السجون أو حالات الاختفاء القسري، التي يتم التعامل معها بوصفها قضية خاصة تتعلق بهولاء ولابد أن هناك سببا ما وأنهم يعملون بالضرورة ضد الدولة، بدون أن يتوقف البعض للسؤال عن الأدلة والبراهين التي تثبت تلك الاتهامات إن وجدت وسبب اللجوء إلى الاعتقال القسري أو فكرة الخطف والاخفاء إن كانت هناك أدلة بالفعل.
تظهر الفكرة نفسها في تقرير عن حالات الاختفاء القسري نشر في وكالة أخبار عالمية ونقلت عنه الصحف المصرية وعلى الهامش جاء تعليق على أن الاختفاء القسري الذي استخدم ضد الإخوان وغيرهم لعقود يتم استخدامه ضد ليبراليين وآخرين من غير الإخوان ويصبح السؤال قبل جدلية الشماتة التي تصبغ بعض التعليقات في التعامل مع أخبار مشابهة هل هي أشكالية الثور الأبيض، وإن كانت كيف يأمن البعض من أن الدور لن يأتي عليهم، وأن الظلم بتلك الصورة لن يصل إليهم أو إلى شخص قريب منهم. لا تعرف كيف يأمن من يعيش الظلم لعقود ويعرف أنه مظلوم أنواع أخرى من الظلم لمجرد أنه لا يتقاطع مع عالم الناس اللي فوق كما يرى، رغم أن حكايات وقصص من ألقي القبض عليهم تحمل صور ظلم مركب لضحايا الوقت الخطأ والمكان الخطأ.
تتصور في وسط الأخبار ألا مكان للأمل، وأن العالم قبل رمضان كما هو معه وبعده صوره مكررة من الظلم الذي يدفن الأمل كل صباح بطبقات مختلفة من الرمل والتراب في طقوس يومية للجنازة والعزاء تحت شعارات قومية لا تقدم إلا لتسويق الظلم، ولكن مع أندي دوفرين في شاوشانك نكرر «أن الأمل جيد، وربما يكون أفضل الأشياء، وان الشيء الجيد لا يموت أبدا»، كما أنه داخلي لا أحد يملكه ولا أحد يملك توزيعه أو إلغاء الدعم عنه أو حبسه في أسوار حديدية. الأمل مثل الضوء قد يضعف ويقوى ويحتاج إلى مقويات وعمليات انعاش، ولكنه وحده يملك أن يحرر الحلم وأن يعيد يوما الربيع ومعنى الانسان وقيمته لعالم يشهد الظلم بصور متنوعة ويصر على أن يحصل على تأييد وتفويض أكبر نسبة من مواطنيه لضرورة الظلم وسط فواصل الأعمال الدرامية واخبار القتل والموتى اليومية.

٭ كاتبة مصرية

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية