عندما كنت صغيراً، كان يدهشني دائماً المدرسون، لأن لديهم القدرة على الانتقال من حال إلى حال في سرعة البرق، ومن الثورة في مواجهة تلميذ ارتكب أمراً أغضب المدرس وأخرجه عن طوره، إلى الهدوء ليكمل مسيرته في شرح الدرس، إذ كنت، ولا زلت، أعتقد، أنني لا أستطيع القيام بهذا الدور!
قبل أن أهم بكتابة هذه الزاوية، قمت بجولة في المواقع، حتى عثرت على فيديو، خاص بمذيعة قناة «الجزيرة» فيروز زياني، ضمن حملة التعريف بالقناة التي أطلقتها بمناسبة مرور تسعة عشر عاماً على بث إرسالها، تحت عنوان «نحن الجزيرة». علمت بعد الإطلاع على فيديو «فيروز» ، أنه مجرد فقرة من حلقة أشمل استهدفت التعريف بالمذيعة، التي وضع الله فيها قبولاً، على نحو يراها المشاهد أختاً له لم تلدها أمه. «مريم أوباييش»، قالت: «كانت فيروز ولا تزال أختاً لي لم تلدها أمي»، ولم تعرف أن ملايين المشاهدين يشاركونها في هذه الصفة ويزاحمونها فيها.
هناك تطلع مفهوم لدى المشاهدين، لمعرفة مجتمع المذيع بعيداً عن الكاميرا، ولهذا فإن صفحات «الإذاعة والتلفزيون» بالصحف تهتم بهذا الجانب، لا سيما إذا كان المذيع أو المذيعة ارتقى لمرتبة النجومية، فهذا الجانب الإنساني مهم، وربما لهذا اهتمت «الجزيرة» بالكشف عنه، ضمن حملة «نحن الجزيرة».
وقد يوجد في حياة المذيع النجم ما يمثل مفاجأة للمشاهد، فقد يدهش كثيرون أن «جميل عازر» رجل طيب وقمة في التواضع، وهو الذي يبدو وهو يقرأ نشرة الأخبار، كأنه فرغ قبل حضوره للأستوديو، من مهمة ذبح قبيلة بـ «سكينة تلمة»، ومع ذلك فقد أحبه المشاهد بهذا العبوس، ويفتقده إذا غاب.
ومؤكد أن المشاهد سيدهشه، أن «المزلزل جمال ريان»، هو شخص وديع، يألف ويؤلف، وإن كنت أعتقد أن حقيقة شخصيته لا يمكن نقلها للشاشة في فقرة إنسانية، كتلك التي تم تقديم «فيروز زياني» بها، ربما لأنها على الشاشة لا تحمل شخصية مغايرة، لحالها بعيداً عنها، ولن يجد جميل عازر صعوبة في ذلك فيكفي أن يبتسم، وفي بعض اللقطات في الآونة الأخيرة، يظهر مبتسماً، وظني أن المشاهدين تساءلوا هل يملك الرجل القدرة على الابتسام؟ أو متى تعلم أن يبتسم؟
دنت، «فيروز زياني» من المشاهد، في الفقرة التي شاهدتها فيديو، وهي تتحدث عن علاقتها بجدتها، التي ارتبطت بها حد أنها كانت تناديها بـ «ماما» منذ أن كانت طفلة صغيرة، قبل أن أطالع بقية البرنامج مكتوباً، على موقع «الجزيرة نت».
الجدة، كما قالت «فيروز» كانت تحمل ملامح جادة، لكنها مبكراً اكتشفت جانب الحنان فيها. وكثير من أصحاب الملامح الجادة والحادة، هم في الواقع يتميزون بالطيبة، وقد فشلوا في أن يظهر ما في قلوبهم على وجوههم، وربما يحمون أنفسهم بهذه الملامح الصارمة من أن تستغل طيبتهم.
«إحساسها»، أنها لا بد أن تسافر للجزائر لرؤية جدتها، جعلها لا تأبه، بتحذير الطبيب بخطورة هذا على صحتها وعلى حالة الجنين، لتتمكن من أن تفوز بالجلوس معها ساعتين، قبل وفاتها. كانت «فيروز» تغالب دموعها، عندما فوجئت في هذه اللحظات بأن دموعي سبقت دموعها، فقد «قلبت» علي «المواجع»، وذكرتني باتصال هاتفي تلقيته ذات صباح بوفاة والدتي، وكان علي أن أسافر من القاهرة للصعيد، لأشيع جنازتها، وألقي عليها نظرة الوداع والتي لم أتمكن منها فعندما وصلت إلى مسقط رأسي، كان الجثمان في المسجد، وهو ما ترك في النفس جرحاً غائراً لم يندمل، رغم مرور اثني عشر عاماً على ذلك. فهل يمكنني بعد هذا العمر، من تقليد المدرسين، الذين كانوا ينتقلون بسلاسة من حال إلى حال، ويذهبون لاستكمال الشرح وكأن شيئاً لم يكن؟!
«بوتين الدكر الجديد»
لأن «القرعة تتباهى بشعر بنت أختها»، فقد وجدت الأذرع الإعلامية للانقلاب العسكري بمصر، في الرئيس الروسي بوتين، ضالتها، ليعوض خيبة أملها في عبد الفتاح السيسي، فقد اعتبرت في إسقاط تركيا للطائرة الروسية، فرصة للانتقام من الزعيم التركي، المتهم بمساندة الربيع العربي، والمتعالي على السيسي والذي يتعامل معه بازدراء.
أحد الإعلاميين، هتف في برنامجه: «اغضب يا بوتين»، ومن ناحيته، وصف «تامر أمين» الزعيم الروسي بـ «الدكر»، وقد تعامل كثير من مقدمي البرامج في الفضائيات المصرية، كما لو كان «بوتين» يستمع لهم ويشاهدهم، وأنه لا ينام كل ليلة حتى يختم يومه بمشاهدة «لميس الحديدي». وكأنه اتصل بنظيره المصري ليسأله عن أمرين، الأول ما إن كان «الجاكت» الهدية، مفيد له في شتاء القاهرة؟ والثاني عن سر غياب «توفيق عكاشة» في الآونة الأخيرة فلم يعد يظهر على فضائية «الفراعين»، وأن السيسي رد على السؤال الأول بطلب «جاكت» أخر ليتناوب عليهما. ورداً على السؤال الثاني أن السيسي أفاده أن مستر عكاشة مشغول بالانتخابات!
لقد كانت ليلة ليلاء، ظن فيها مقدمو البرامج في فضائيات الانقلاب، أن بوتين سيحرك قواته ليدك تركيا على رأس «رجب طيب أردوغان»، فتم نصب «زفة» له، وتم تحريضه على أن يغضب، وهو طلب قديم لزميلنا «سليمان الحكيم» من السيسي بأن يغضب، وردد السيسي الطلب «بحنان» ، وأعلن أنه لا يجوز له أن يغضب. ولأن وصف «الدكر» الذي أطلقوه على السيسي صار الآن مثاراً للتندر، فقد وجد «تامر» من المناسب إطلاقه على بوتين!
بيد أن «بوتين» قدس الله سره، خذلهم فغضبه عبر عنه في اتجاه منع أتراك من دخول بلاده، وفي استدعاء السائحين الروس من تركيا، لكنه لم يحرك البوارج، ولم يعلن الحرب. وكما خذلهم صاحبهم بعد وصف «الدكر»، فقد خذلهم «بوتين» أيضاً!
لدي اقتراح، يتمثل في وضع نقطة على الدال، فربما لو حدث هذا سيفك النحس، فيصبح «الذكر» السيسي، و»الذكر» بوتين! فمن يدري؟!
«توك شو ماسبيرو»
زفت قيادات التلفزيون المصري، بشرى عظيمة للمشاهدين، بأن تلفزيون الريادة الإعلامية يستعد الآن لإطلاق برنامج «توك شو»، وأنه ما دام الحال قد عاد إلى ما كان عليه، فلا بد من عودة بعض مقدمي البرامج الذين غادروا مبنى «ماسبيرو» بعد ثورة يناير، فانقلاب 3 يوليو، أعاد دولة مبارك في كل مؤسسات الدولة ولا بد من عودة هؤلاء، في برنامج يشبه «البيت بيتك»، لإعادة المشاهد الهارب. فات القوم أن هذا أسوأ توقيت يمكن أن يطلق فيه تلفزيون الريادة، مثل هذا البرنامج، فقد أعطى المشاهد ظهره للصحف، وللقنوات التلفزيونية، بعد أن حصلت له تخمة من الخطاب الإعلامي الموحد، ومن الرأي المكرر، وحصل له فقر أثر على قدرته على المشاهدة من غياب المعلومة الصادقة، والرأي الآخر!
عندما قرأت خبر إطلاق التلفزيون المصري الرسمي برنامج «توك شو» باعتبار أن إطلاقه فتح مبين، قلت «يا ما جاب الغراب لأمه».
الخبير العسكري
لأن القلوب تمل، وإذا ملت عميت، فإنني في كل ليلة أمشي في مناكبها، بحثاً عن خبير عسكري، يخفف علينا نوائب الدهر بفتوحاته العلمية الجبارة!
كنت أقلب في القنوات عندما وجدت «أميرة عبد العظيم»، على شاشة القناة الأولى، تستضيف خبيراً عسكرياً، بلغت المناصب التي تم تقديمها بها وتمكنت من حصرها خمسة مناصب، أقلها أنه مستشار ومحاضر بأكاديمية ناصر العسكرية، كان الرجل يحلل ويفتي بشكل مسل، فلا معلومة ورأي متماسك، ولا تنبؤ قابل للتحقيق في الأزمة الروسية – التركية. ولأنه خبير عسكري فقد تكلم في كل شيء، بروح المحلل العسكري الخبرة، فإذا به من نفس خامة صاحب مقولة إن الرباعية واحدة ست خدمت بلدها فاستحقت جائزة نوبل، وأن سد النهضة سينهار من تلقاء نفسه!
كانت المذيعة تبدو على ضخامة بنيانها ضئيلة في حضرة «بحر العلوم»، وأمسكت أنا بالورقة والقلم لكي أدون ما يقول، فلم أتمكن من الإمساك بعبارة مكتملة، فانشغلت بالمذيعة، التي اكتشفت أنه مرت علي سنوات كثيرة لم أشاهدها فيها، تقريباً منذ أن كانت «دلوعة التلفزيون»، عندما قدمت إليه من عملها السابق كمضيفة في شركة مصر للطيران.
ملامحها تغيرت تماماً، ولم يبق منها سوى ضيق عينيها، كان عندي أمل أن عيني ستتسع عندما يتقدم بي العمر مثلها! يا خسارة.
٭ صحافي من مصر
[email protected]
سليم عزوز