ما الذي نقوله في يناير… له أو عنه؟

حجم الخط
1

يوجه البعض السؤال إلى رمز الثورة التونسية محمد البوعزيزي عن جدارة ما قام به، وهل كان الربيع العربي يستحق؟
يتناسى هؤلاء أن طرح السؤال يهمش المعنى الأساسي الذي ميز يناير والثورات العربية في مرحلة الربيع، قبل أن يتحول إلى خريف مبكر للبعض وصقيع قاتل للبعض الآخر. أن يوجه السؤال عن عمدية السلوك أو الموت هو تهميش لواقع الظلم المفروض وتعمق لحظه العدوان التي أنتجته.
في الوقت نفسه يتحدث البعض عن خوف النظام المصري أو رعبه من ذكرى ثورة 25 يناير، بالنظر للأوضاع القائمة. في حين أن ما يراه البعض خوفا قد يكون جزءا من سلوك طبيعي للنظام المصري، باختلاف الحاكم، وهو يشن هجمات استباقية من أجل إثارة الخوف والرعب في نفوس المواطنين، وتأكيد قبضة النظام وسيطرته على الأوضاع.
يتشابه التعامل مع ظروف يناير 2011 التي مثلت عودة النظام إلى إلقاء القبض على بعض الأصوات المعارضة على أمل قمع الأصوات الأخرى. تكتيك لم ينجح في 2011 وزاد من الغضب المحرك للثوره الشعبية، ولكن غياب الديمقراطية يجعله الطريق الأقصر لأنه المعروف سلفا.
لم يكن البوعزيزي أول من مات موجها الصفعة للواقع ومدينا للنظم ولثقل ثمن الظلم، ولم يكن ولن يكون الأخير، لأن الظلم والقمع وإهانة الكرامة أشياء غير عادية ولا تتسق مع عالم الإنسان والكرامة المفترض أنها مصانة بحكم الأديان والدساتير والقوانين.
لم يكن البوعزيزي الأول، ولكن لحظة ثورته أو تمرده كانت فارقة في تماسها مع الواقع واستعداده لإعلاء كلمة الرفض. لم تكن ردة الفعل ثورة مخططة وكانت التحركات عفوية ولهذا كانت قوية وصادمة فهزت عروشا تصورت أن المياه صافية والشاطئ مجرد نعيم ممتد لحكم فاسد ومفسد، قبل أن تستيقظ عليه غاضبا وثائرا.
أراد البوعزيزي الخلاص من الظلم والإهانة الشخصية، الناتجة من ظلم وإهانة مؤسسة ومستقرة. ولكن لحظة الخلاص الفردي بالموت مثلت لحظة الخلاص الجمعي بالثورة، وبالأصح بالرفض وكأنه رفض استباقي لامتداد وتوسع الظلم، ورغبة في ألا يكون تمرد البوعزيزي بالموت هو الخيار الحر الوحيد المتبقي في عالم الظلم المركب المختلط بالفساد والإفساد.
وحد البوعزيزي الكثيرين ربما لأن كل فرد رأى فيه نفسه أو شخصا قريبا أو عزيزا، خاصة أن لحظة الظلم لا تقف عند حدود البوعزيزي واحد، ولكنها معممة دوما ومتوفرة في الأسواق، وللأسف، تمثل أكثر السلع رواجا في نظم تمثل لها الحرية أكثر الكوابيس الممكنة، أما الحديث عنها فهو دوما مهدد للدولة الوطنية ولكل ذات مقدسة في قاموس الحكم السياسي للدولة القائمة على عداء الديمقراطية والحرية.
لحظة الظلم التي تعمم دوما وحدت الألم وحركت الجماهير، فكانت صدمة لماذا وجواب لقد فهمت، ولكنها لم تكن قادرة على الوقوف في وجه الغضب. اكتشفت النظم أن سنوات صمت الشعوب لا تعني ديمومة الصمت، وأن الموج والنسيم لا يعني استبعاد خطر الأعاصير العاتية والتسونامي الكاسح. لكن الشعوب غير النظم، الشعوب مثل البوعزيزي، تطلب الحياة وتستمر من خلالها وبها، وفي تمردها وثورتها تظل باحثة عن الحياة ومدافعة عنها. والنظم تطلب الكراسي وتستمر عبر الموت والدماء. بوصله الشعب الحياة.. وبوصله النظم التي لا تعرف الديمقراطية والمحاسبة السلطة وحمايتها بأي ثمن.
خطاب الحياة الذي عبر عنه البوعزيزي حتى وهو في سعيه للموت، لا يختلف عن رسائل الحياة التي يكتبها كل من يحاول الفرار من أنظمة وجماعات الموت عبر سفن يكتب له فيها الموت. يتوقف البعض عند سؤال، إن كان انتحارا ولا يسألون أحيانا عن القاتل، ولا عن حقيقة أنه موت حدث في رحلة البحث عن حياة.
يتحرك الشعب المصري من أجل الحياة في بحث آخر عن ربيع يرفع الصوت ضد القمع والظلم، يرفع اسم خالد سعيد بوصفه رمزا مصريا للثورة وفي الخلفية، مثل الوضع في تونس وغيرها، قصص أخرى شخصية وعامة ورغبة في عالم يسمح للحياة أن تتنفس وللزهور أن تتفتح بلا خوف.
يبحث البشر في يناير عن الربيع مبكرا عن موعده، يجلسون في برودة الجو مطالبين بالرحيل، مجرد الرحيل كفيل بإعادة إنتاج ربيع مفتقد وحياة لم تعد كالحياة منذ عقود.
تمتلئ أيام يناير بالحكايات، بقصص الموت من أجل الحياة وفي سبيلها، بقصص المعاناة الحاضرة من أجل غد أفضل، يصبح يناير الثورة هو يناير الأمل والسعادة رغم المعاناة والتضحية.
تتمايل النظم قليلا، تبدو في مرحلة ترنح واستعداد للسقوط، ويرى البعض أن خروج رأس النظام أو ابتعاده عن الكرسي كفيل بإنهاء المعركة الأصعب، وأن المقبل أكثر عدلا. يتصور الثائر أن معركة يناير كافية من أجل الحرية، هكذا تبدو الصورة في لحظة النصر قصيرة الأجل. لحظة كفيلة بانتقال بذور الربيع من مكان لآخر، يلتقطها البعض في محاولة أن تطرح وتعمم في كل أرض تشعر بالظلم، ولكن أعداء الربيع كثر، والبعض لا يستطيع الحياة بدون الموت.
تبدأ جولات متعددة من أجل قتل الربيع في مهده، قتل الثورة بتشويه الفكرة وتجريم الفعل. جهود تستمر لسنوات تربط كل ما هو سلبي بالثورة، وتضخم مشاكل اللحظة من أجل البكاء على الأمس السابق على الثورة. وبدلا من أن يتحول يناير لنقطة فاصلة بين عالم الظلم وعالم الحرية، يحوله البعض لنقطة فاصلة بين عالم الاستقرار وعالم الفوضى وبينهما تضيع صورة الانسان وتفاصيل حياته المهمشة ومعاناته الدائمة. ولكن السؤال يظل حاضرا، هل يحق لنا أن نلوم البوعزيزي أو يناير؟ هل يحق لنا أن نلوم الربيع لأنه أراد أن يخترق طبيعة الأشياء في عالمنا ورغب في أن يقترن اسمه بالعالم العربي؟ هل يحق لنا أن نلوم العالم العربي إن أراد للحظة أن يقترن اسمه بأشياء مبهجة وتبعث عن التفاؤل والأمل والسعادة من باب التغيير؟ هل يحق لنا أن نلوم أنفسنا لأننا أردنا أن نشاهد نشرات الأخبار بدون عداد الموت اليومي؟هل يحق لنا أن نلوم الثائر والثورة، وان استطعنا هل نملك أن نلوم الطائر على محاولته الفرار من قفص الحبس والبحث عن خلاص؟
السؤال يحتاج أحيانا إلى إعادة صياغة لأنه بشكله المطروح لا يخدم فكرة الحرية. الطبيعي أن الشعوب أيضاً لا تبحث عن الفوضى ولكن الطبيعي أكثر أن النظم لا تساوم الشعوب على الحرية والكرامة والعدل، ولا تساومها على البقاء في الحكم وكأنه منحة وعطية تستحق التضحية بكل أسس الحياة. المعادلة تخلط عمدا، وما يفترض أن يكون دور النظم يتم التجاوز عنه، وما يفترض أن يكون طبيعيا يتم تضخيمه، وما يفترض أن يكون حقا للشعب يتم تهميشه.
في فيلم «شارلوك هولمز في واشنطن» يقول دكتور واتسن، إن الديمقراطية هي الأمل الوحيد من أجل المستقبل، ورغم أن الفيلم من إنتاج 1943 لكن رسالته لم تصل بعد لعالمنا المثقل بعدد من قتل واغتيل وسجن وعذب ومات وهو يبحث عن حياة، رغم كل ما كتب وعقد من مؤتمرات وجلسات ونشر من أوراق وكتب. رغم كل هذا لازال البعض يرى أن الزعيم هو الأمل الوحيد من أجل الاستقرار، اما شكل الاستقرار وضحاياه فأشياء مسكوت عنها ما دامت المعاناة حكرا على الشعب.
قد يقول لنا يناير كما قالت والدة أبو عبدالله الصغير آخر ملوك الأندلس بعد سقوط غرناطة في يناير آخر منذ عقود، «إبك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال»، وقد نقول له إن الغيمة قد تصبح مطرا والليل يولد صبحا ومن قلب الظلام ينبعث الضوء فجرا، وقد يضم صوته لنا رغم الحزن أن كل ما أردنا هو حياة كالحياة وتلك الغاية لا تموت ولا تتقادم ولا يملك أحد التضحية بها مهما كان منصبه أو مكانته.
ورغم كل ما يحدث على يناير أن يسعد لأنه كشف الكثير من أسرار الواقع المغلقة، ومثل نقطة فارقة لا يمكن العودة لما كان قبلها. أما شكل المستقبل الذى يمكن أن ينتج عنه فيظل رهنا بالبشر وقدرتهم على التغيير والدفاع عن الحق في الديمقراطية كونها الأمل الوحيد من أجل المستقبل.
ليس علينا أن نودع يناير ولا أن نودع الذكرى ولا أن نستحضرها بوصفها مجرد ذكرى أو بكاء على اطلال ثورة ضائعة، ولكن بوصفها لحظة لعودة الأمل وتأكيد قوة البشر، وكما يقول البطل في فيلم فانديتا الشهير،»علينا أن نتذكر الفكرة وليس الشخص، لأن الشخص قد يفشل أو يتم إلقاء القبض عليه، قد يقتل أو ينسى. ولكن، بعد مئات السنين يمكن للفكرة أن تغير العالم» وبهذا تتغير الاسماء ويظل يناير فكرة والإصلاح ضرورة والحرية حق لا يقبل المساومة.

٭ كاتبة مصرية

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية