يقول الكاتب الساخر جلال عامر الذي تعبر سخريته عن فلسفة خاصة في قراءة الواقع المصري، إن «محدود العقل هو من يصدق أن أحدا في مصر، أو أي من دول منطقتنا يهتم بمحدود الدخل».
مقولة لابد أن تكون في خلفية النقاش، في ظل الجدل المستمر حول الاهتمام الدائم بمحدودي الدخل، وهو الاهتمام الذي يؤدي بدوره لزيادة عدد محدودي ومعدومي الدخل، وليس العكس على ما يبدو. والجدل الذي يزيد ويضعف بدون أن يغيب عن ضرورة ترشيد الاستهلاك كإطار عام للمطالبة بترشيد الأساسيات وترشيد الحياة ذاتها، إلى جانب الحديث المستمر عن ضرورة شد الحزام القادر على الصمود كل هذه العقود، بدون أن يودع منازل المصريين، لدرجة تجعله جزءب أساسيا من مكونات الملابس المصرية لعدد غير قليل منهم. ويضاف لكل هذا نغمة متكررة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، تؤكد أن الدولة ليست لديها القدرة، مميزا بشكل مستمر بين الرغبة والقدرة، ومؤكدا على أن المشكلة ليست في عدم رغبته، ولكن في عدم قدرته. أما كيف تتم مواجهة الواقع ومشاكله ومتطلباته، فالأمر مرتبط بدروس مستمرة في الاقتصاد، تبدأ من الفارق بين الرغبة والقـــدرة، وتصل إلى قيمة الأرقام المجردة في الدفاع عن المسؤول، وتأكيد حق الوطن على المواطن، وأن المواطن مجرد قشة ضعيفة عليها مسؤوليات ولديها القليل من الحقوق – إن وجدت.
ومن أجل تفعيل هذا الدرس الاقتصادي، فالمواطن عليه أن يتعلم الأرقام التي تؤكد أن الدولة عليها أن تفكر في نفسها وليس في مواطنيها، وأن المواطن مستقل بذاته، عليه أن يدفع المزيد من أجل الخدمات – بغض النظر عن الجودة- ومن أجل الحقوق الأساسية – مثل التعليم والصحة- بدون أن يطالب بأي شيء لأنه لا يفترض أن يأكل الدولة وفقا لمقولة «انتوا هتكلوا مصر».
أما الأمل الذي يقدم للمواطن، أو «الحلق» القادم الذي يجب أن ينتظره ويثقب أذنه من أجله، فهو خطاب الأجيال القادمة. خطاب يبدو متماشيا مع الصيغة العالمية القائمة على تقديم تنمية مستدامة تضمن حقوق الأجيال القادمة، ولكن على أرض الواقع يظل السؤال الأكثر أهمية هو قدرة المواطن الحالي على الحياة وعلى الاستمرار في حياة كريمة والحصول على حقوقه الأساسية التي يفترض أن تقدمها الدولة من أجل النمو في الحاضر والارتقاء في المستقبل.
يبدو الحديث عن الأجيال القادمة بوصفه جزءا من الوعود المستقبلية مثل، أن تصبح مصر مصدرة للكهرباء، وينعم أهلها بمؤشرات عالية من السعادة بعد سنوات ممتدة لا يحاسب فيها المسؤول الحالي ولا يحصل فيها مواطن اللحظة على حقوقه. أحاديث تبدو جزءا من واقع امتد لعقود طويلة ساهمت في خلق حالة من الطبقية غير المكتوبة، تجعل الحصول على أفضل الفرص حكرا على فئة والمعاناة حكرا على فئات، والخروج من دائرة المعاناة لا يتم إلا في حالات قليلة، وفقا لاعتبارات وأسباب مختلفة، ولكنها لا تضمن لفئات معينة، تمثل معظم المواطنين، الخروج من دوائر الفقر والمعاناة والدخل المحدود وسط الحرمان من مستويات جيدة من التعليم والصحة والإسكان وغيرها من الأساسيات التي ترسم الخط الفاصل بين الحاضر والمستقبل ولا تمنح فرصا متساوية للجميع.
وبهذا يصبح السؤال المنطقي، هل يملك خطاب تبرير المعاناة الحالية والمقبلة من أجل رفاهية الأجيال القادمة، أو الأحفاد كما يقول الرئيس، القدرة على الوصول إلى المواطن العادي؟ وإن كان هذا المواطن لا يملك القدرة على ضمان مستويات مقبولة من التعليم والصحة، كيف يثق في أن وضع الابناء سيكون أفضل؟ وكيف يتصور حدوث التحسن إن كانت هناك دوائر مغلقة من المكتسبات والفرص، نمت وترسخت خلال عقود ولا يوجد ما يشير لتغيرها، وعلى العكس تبدو الدوائر أكثر إغلاقا، والمواطن متهما ومدانا ومطالبا دوما بشد الحزام والصبر، بدون أن يعرف أو يحاسب، في حين ترتفع أصوات وتطرح خطط بتخفيضات مستمرة في الدعم، مع مطالبة البعض بإلغاء مجانية التعليم – أو ما بقي منها. ويظل السؤال، كيف يفترض بالمواطن أن يتعامل مع واقع المعاناة وسط تراجع دور الدولة، في الوقت الذي شهد العديد من الدول التي حققت إنجازات تنموية حقيقية زيادة في دور الدولة، خاصة في تقديم الخدمات الأساسية التي تضمن تحسن المورد الأساسي، لأي دولة ترغب في التنمية الحقيقية وهو العنصر البشري.
بالمقابل، على المواطن المصري أن يتعامل مع نظام يراه تحديا للدولة وليس إضافة، ويرى أن المخرج الأساسي من التحديات هو التخلي عن المزيد من الأدوار. صورة تبدو واضحة في انتقاد الرئيس لرفض البرلمان لقانون الخدمة المدنية، وتأكيده على أن مصر لديها 7 ملايين موظف لا تحتاج منهم سوى مليون أو اثنين مليون فقط.
تصريحات تعرضت لانتقادات بالإرقام أيضا، لما عبرت عنه من غياب المعرفة الحقيقية بالجهاز الإداري للدولة، وتركيبة الملايين السبعة المشار إليها، التي تشمل وزارات مثل وزارة التربية والتعليم، التي يعمل فيها حوالى مليون و800 ألف، منهم حوالى مليون مدرس يعملون في 40 ألف مدرسة حكومية، وما يعنيه تخفيض عددهم من إغلاق المدارس أو الاعتماد بشكل غير مباشر على التعليم الخاص، ضمن الحديث عن إلغاء المجانية، وربما إلغاء وتخفيض التعليم الحكومي. واقع يمتد لوزارات أخرى مثل الداخلية والصحة والأوقاف وغيرها، التي يفترض أن تخفيضها يعني تخفيض الدور الذي تقوم به، وتخفيض وجود الدولة وما تقدمه من خدمات أو أدوار أساسية مثل، الأمن والحماية. تصريحات صاحبتها موجة سخرية تؤكد على أن المقبل هو القول إن الشعب زيادة على الجيش والشرطة ولا حاجة لهم. سخرية توضح بشكل غير مباشر إدراك ما يمثله خطاب النظام من تدشين لغياب أو انسحاب الدولة وزيادة الأعباء على المواطنين. يضاف لكل هذا الجدل المستحدث عن السجادة الحمراء التي صاحبت موكب الرئيس، خلال تسليم شقق لمحدودي ومتوسطي الدخل في مدينة السادس من أكتوبر، في السادس من فبراير الحالي، التي رأى فيها بعض أكثر المدافعين عن السيسي تبذيرا غير مقبول يتنافى مع الواقع العام ومع المناسبة، فكيف يسلم شققا لمحدودي الدخل ويسير موكبه على سجادة حمراء تتسع للعديد من السيارات، وتمتد لعدة كيلومترات، في حين حاول البعض تهميشها رغم ما تؤشر إليه من قيمة يجب عدم التجاوز عنها.
فبعيدا عن محاولات البعض نفي وجود السجادة من الأساس، والتأكيد على أن اللون الأحمر مجرد طلاء، فإن أبرز ما صاحب هذا الجدل ما جاء في التوضيح الذي قدمه نائب رئيس إدارة الشؤون المعنوية العميد إيهاب القهوجي الذي أكد فيه على وجود السجادة، والأكثر أهمية على تكرار استخدامها في أحداث مشابهة في الماضي القريب، وعلى النية في الاستمرار في استخدامها في المستقبل، مؤكدا أنها من «القماش الخفيف»وغير مكلفة، وأنها تستخدم من أجل تحسين الصورة، خاصة أن تلك الأحداث تنقل عبر العالم.
يعبر حديث القهوجي والتعليقات والغضب من المطالبة بالتقشف، في الوقت الذي يتم فيه فرش السجادة في الطريق، على التطورات التي يشهدها الواقع المصري، والفجوة التي تبرز بين خطاب السلطة وإحساس المواطن. يصبح السؤال الأكثر أهمية هو أسباب الغضب في تلك اللحظة رغم استخدام السجادة في العديد من المرات السابقة، ويصبح من المهم للنظام أن يسأل نفسه عن سبب الغضب القائم، وعدم التوقف عند تبرير استخدام السجادة من أجل أن تكون الصورة أجمل، أو ربط الغضب بتصيد البعض، لأن دلالة الجدل والغضب أكثر قيمة وعمقا من هذا. يدرك المواطن الفجوة بين الوعود التي قدمت في البدايات عن مصر المنتظرة بعد حكم محمد مرسي والواقع الذي لا يقدم لهم الا خطاب التقشف وانسحاب الدولة والاهتمام بصورتها لدى الخارج، وكأن الخارج بعيد عن الأوضاع ويعيش في جزر منعزلة ويمكن أن يقتنع أن الأوضاع أفضل لأن هناك سجادة حمراء تحت موكب السلطة.
الداخل والخارج يدرك حجم المعاناة، والسجادة الحمراء مجرد رمز لعدم إدراك مشاعر الجماهير وحسابات التقييم العالمية. ما هي الصورة التي يفترض أن ينقلها النظام للخارج عبر سجادة، في وقت يحاول الحصول على قروض، وتستمر فيه التقارير الدولية عن تراجع المكانة والدور، وفقا لمؤشرات اقتصادية واجتماعية تصب بدورها في مؤشرات السعادة المتراجعة التي لا ترى في السجادة دليل احتفال وبهجة، كما جاء في تصريحات العميد القهوجي، ربما لأنها تعيش الواقع وتستمع لخطاب الرئيس الذي يطالب فيه المسؤولين بتكرار حديث الأرقام لتبرير رفع الأسعار، ويؤكد فيه على إعادة استخدام مياه الصرف في الشرب، بعد أن دخل موضوع سد النهضة وحقوق مصر التاريخية في دوائر ضبابية.
يبدو خطاب السجادة الحمراء بوصفها رمز البهجة وتحسن الأوضاع متسقا مع خطاب الإنجازات السلفي وعام الشباب وسط المعتقلات، وخطاب عدم الحاجة لملايين الموظفين رغم الاهتمام بمحدودي الدخل. يقول محمد الماغوط «عجيب كل هذه القمم ومازلنا في الحضيض»، وفي الواقع يمكن أن نقول عجيب كل هذه العقود من الحديث عن محدودي الدخل والتقشف والحزام والضحك من أجل أن تظل الصورة حلوة، ومازلنا في الحديث نفسه والضحكة لا تنتقل من الصورة للواقع، ولا يتذكر المواطن في مشهد السجادة الحمراء إلا ألم شد الحزام وجراب الدخل المحدود وخطاب التقشف المتوارث من نظام لنظام.
٭ كاتبة مصرية
عبير ياسين