عاد برنامج «من سيربح المليون» باهتاً على قناة «سي بي سي»، بعد عصره الذهبي على قناة «أم بي سي»، وربما وجدت الفضائية التي استعانت به الآن أنها بحاجة إلى أن تجذب إليها المشاهد من جديد، والذي أعطى لها ظهره، فلم تعد «لميس الحديدي» ومن يقدمون البرامج بها أدوات جذب، لكنها كانت في استعانتها بجورج قرداحي كمنهوك على منهوك، فالإعلامي له عمر إفتراضي إن لم يتطور تحول إلى ذكرى!
حرف واحد هو ما يميز بين إسم القناتين، هو الحرف الأول، لكن هذا لم يمنع من أن يفقد البرنامج بريقه، وهو الذي لا يزال يتمسك بخياراته نفسها أمام المتسابق، ولو تخيلت أن عبد الفتاح السيسي قد حل ضيفاً على جورج قرداحي، فعند أول سؤال يفشل في إجابته، سوف يطلب الاستعانة بصديق، وأعتقد أنه سيفقد خياراته مبكراً، حتى لو طلب حذف كل الإجابات ولم تبق سوى إجابة واحدة على السؤال، وسوف يخسر في السؤال التالي بعد استنفاد هذه الخيارات كل حصيلته وسيخرج على الفور، وليس هذا هو الموضوع!
ففي إعتقادي أن السيسي عند إختيار الصديق، سيطلب «إيناس الدغيدي»، والتي ما أن تطل علينا عبر إحدى الشاشات، حتى نقف على أن الإنقلاب العسكري في أزمة، وأنه يريد أن يمارس سياسة الإلهاء للجماهير للتغطية على أزمته، وهو الأسلوب المتبع لأنظمة الإستبداد، ويعد نظام السيسي هو الأكثر استخداما لهذا الأسلوب في تاريخ مصر، والذي يحدث بشكل أسبوعي، في وقت لا نذكر فيه لنظام مبارك أنه استخدم هذه السياسة منذ واقعة «قضية الآداب»، التي جرى تلفيقها لعدد من الفنانات في نهاية التسعينات، وكانت من بينهن «وفاء عامر»، التي هاجمت من قام بتوزيع «الواقي الذكري» لجنود الشرطة مؤخراً، وكانت في دفاعها عن رجال الأمن كما لو كانوا لم يلفقوا لها هذه القضية!
الدكتور كمال الجنزوري، وكان رئيساً للوزراء تحرك سريعاً وأفرج عن الفنانات المتهمات بعد قرار النيابة العامة بحبسهن على ذمة القضية، فلم تعد بهذا التدخل هناك قضية ولا تحقيقات!
«على الحياة»
«إيناس الدغيدي» ظهرت مؤخراً على قناة «الحياة» المملوكة للسيد البدوي شحاتة، رئيس حزب «الوفد»، وهي قناة تلفزيونية خاصة لكنها، وكما ذكرنا هنا من قبل، مثلت منذ تأسيسها الإمتداد الطبيعي للتلفزيون الرسمي، وتجلى دورها بوضوح في ثورة يناير، وإذا كانت القنوات الخاصة الأخرى مثل «دريم» قد أعطت نفسها هامش حركة، فتستضيف برنامج «حمدي قنديل»، قبل تدخل السلطات لوقفه، وبرنامج لهيكل، تم وقفه أيضاً، كما استضافت الدكتور محمد البرادعي عقب عودته لمصر، فإن «الحياة» لم تمنح نفسها هذا الهامش، ولم تمارس المناورة البتة، فصاحبها كان يريد في البداية أن يجعل منها منافساً مصرياً لقناة «الجزيرة»، واستعان في إدارتها بحافظ الميرازي المستقيل من «الجزيرة»، لكن الأمين العام للحزب الحاكم صفوت الشريف، كان قراره أن منافسة «الجزيرة» قرار السلطة وليس مخولاً به للتابعين لها، فتحولت «الحياة» إلى قناة «منوعات»، إدارتها باختيار الرائد متقاعد كشرط للترخيص لها!
ليس لدى «إيناس الدغيدي» ما تقوله، إلا كلاماً معاداً ومكرراً، من أنها ترفض إرتداء الحجاب، وترى أنه ليس زياً إسلامياً، ولا أعرف من أعطاها الحق في الإجتهاد الإسلامي لتقرر ما هو الزي الإسلامي وغير إسلامي؟ والذي يعد إرتداءها له في هذا السن ليس مطلوباً دينياً، فهي من القواعد من النساء اللاتي يئسن من المحيض، والإجماع منعقد على أنه يباح لها شرعاً التخفف والتحلل من الحجاب!
في حوار «الحياة» رددت «إيناس» «الإسطوانة المشروخة» نفسها من أنها تطالب بالترخيص لبيوت الدعارة، ومن الحديث عن أصدقائها من المثليين!
من المفترض أن «الدغيدي» مخرجة سينمائية، لكن لم يحدث ولو مرة أن تطرق الحديث معها عن الفن، وأزمة السينما، وظاهرة أفلام المقاولات التي عادت للمشهد من جديد، وعن انهيار الدراما المصرية، بل لا يعرف المشاهد الأعمال التي أخرجتها والأدوار التي قامت بها، فلم تثبت كرامة في مهنتها، فسعت للشهرة بأفلام الكارتون، وبالإثارة، وإن كانت ليست مجددة في هذا المجال.
إعتناق الإسلام
وللموضوعية، فقد ذكرت «إيناس الدغيدي» جديداً في اللقاء الأخير، تمثل في أنها كانت تنتوي اعتناق المسيحية، ولكنها تراجعت، ربما ظنت بهذا أنها ستثير الرأي العام بما قالت، فاتها أن الرأي العام نضج كثيراً فلم يعد يهتم بمثل هذا الكلام، الذي يعد عقدة لأصحابه، فلا توجد مشاركة تلفزيونية إلا وتعلن فيها «فريدة الشوباشي» مثلاً قصتها، فقد كانت مسيحية ودخلت في الإسلام، وهي لا تتوقف عن ذكر هذا منذ أن أعلنه الشيخ «حازم صلاح أبو إسماعيل» في برنامج تلفزيوني عندما كان مرشحاً للرئاسة، وبدا عفوياً وهو يعلنه، ولم يكن في واقع الأمر كذلك، فقد نجح في أن يصيبها بالارتباك طيلة الحلقة، وقد ضرب وجهها ألواناً.
كنت قد عرفت بقصة إسلام «فريدة الشوباشي» قبل ذلك بشهر، عندما ذكر لي «جمال أسعد عبد الملاك»، أنها إبنة خالته، وقد دخلت في الإسلام وتزوجت الشيوعي «علي الشوباشي». وفي زمن لم يكن هذا يمثل أزمة كبيرة، أو يدفع لقطيعة المتحول مع أسرته، وهناك يساريون كثيرون فعلوها، بغرض الزواج، ولأن الدين عندهم ليس موضوعاً ملحاً، ولم يشغل أحد نفسه، إن كانوا استمروا في دينهم الجديد، أم عادوا لدينهم القديم، بعد انتفاء المبرر لذلك.
فعلها زميلنا «نبيل زكي» الصحافي والقيادي في حزب التجمع الوطني الوحدوي، وفعلها صديقنا الراحل والصحافي المعروف «موسى جندي»، وكان النموذج الأسوأ في عملية التحول الديني، هو «غالي شكري»؛ لأنه أشهر إسلامه أمام القذافي، كشرط لأن يعامله معاملة اليساريين المصريين الذين غادروا مصر واستقروا في بلاد المهجر خوفاً من بطش الرئيس السادات!
في عهد مبارك عاد «غالي شكري» لمصر، واحتل موقعاً مرموقاً في المشهد الثقافي الرسمي، واشتبك مع الأصوليين، لكن أحداً لم يعايره بقضية إسلامه أمام القذافي، ولم يهتم بأن يسأل إن كان عاد لديانته المسيحية أم لا؟ بل لم أهتم انا بالبحث إن كان في وفاته تمت الصلاة عليه في المسجد أم في الكنيسة. وإن كنت أعتبر أن هؤلاء صاروا الآن حالات نفسية بائسة بسبب النفوذ السياسي للكنيسة، فيبالغون في الهجوم على الرموز الإسلامية، لعل هذا يشفع لهم، فيكونوا مطروحين على جدول أعمال البابا عندما تطلب منه الرئاسة ترشيح مسيحيين لمناصب بعينها، وإذا كان البابا الراحل شنودة تبنى الدكتور «فرج فودة»، بحسب تصريح لمدير مكتب مبارك السابق للمعلومات «مصطفى الفقي»، فألا يشفع لهم أنهم يتبنون إتجاهه الفكري؟!
لقد ذكر مصطفى الفقي أنه اتصل بالبابا ليطلب منه ترشيح عدد من المسيحيين ليعينوا بقرار رئاسي في البرلمان، فقال: «خذوا فرج فودة»، وإذ كان «فودة» لم يعين، لأسباب أعرفها بحكم قربي منه في هذه المرحلة، فإن الأسباب تنتفي في حالتهم. فقد كان لدى قيادات في الدولة مثل رئيس مجلس الشعب «رفعت المحجوب»، ووزير الداخلية «زكي بدر» يقين بأن «فودة» لم يتخل عن وفديته حتى بعد أن استقال من حزب «الوفد» احتجاجاً على تحالف الحزب مع جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات سنة 1984، وكانوا يخشون من أن يكون معارضا شرساً لبعض سياسات النظام في البرلمان، كما كان عبر الصحف.
الشيخ إذا حكم
الشيخ حازم في حالة الإدعاء السابقة، كان يقول لفريدة الشوباشي، إن الأمور أبسط في ظل حكمه مما يعتقدون، فلن يتدخل في إعتقاد الناس، فقد تركت دينها ودخلت الإسلام وليس مشغولاً إن كانت لا تزال مسلمة أم لا؟ ومن يومها لم تتوقف عن الحديث عن إسلامها على قاعدة أقول أنا أهون من أن يقولوا هم، وفي الأسبوع الماضي شاهدت برنامجاً، كان يستضيف في مواجهتها آخر شيخين أزهريين بدا أحدهما متمكناً من موضوعه، فكان رصيناً في المناقشة فلم يلجأ للإثارة التي تعد المجال الحيوي لمدعي الثقافة والفكر، فلم تجد «فريدة الشوباشي» ما تقوله إلا أن تثير الشفقة، عن كيف أن هناك من يقولوا إنها دخلت الإسلام للزواج من «علي الشوباشي»، وإذ كنت لم أعثر على إسلامي قال هذا الكلام أو إنشغل به، فيهمنا بهذه المناسبة الطيبة المباركة أن تعلن لنا وقد جعلت من إسلامها مادة للحديث التلفزيوني، سبب دخولها في الإسلام؟ بهدف إثراء الحوار بين الأديان!
ما علينا، فقد فاجأتنا «إيناس الدغيدي»، بحديثها عن أنها فكرت في إعتناق المسيحية بأنها متزوجة، وأن بعلها كان مسيحياً وأسلم، وإسلامه من عدمه ليس هو الموضوع، فالموضوع أنها متزوجة، عندئذ آمنت بقول السلف، الصالح والطالح، على حد سواء، بأن الزواج «قسمة ونصيب»، فإيناس متزوجة بينما «ليلى علوي» مطلقة بعد زواج قصير.. يا سبحان الله!
الجديد هذه المرة، أن الرأي العام لم ينشغل بما قالته إيناس الدغيدي، ولم ير الناس أنه من حسن إسلامهم أن ينددوا بهذا الكلام عبر مواقع التواصل الإجتماعي، فلم تأخذهم هذه الإثارة بعيداً عن أزمات السيسي، في سد النهضة.
وإزاء هذه الأزمات إستعان السيسي بإيناس الدغيدي، للفت الإنتباه إليها، لكن الشعب المصري صار أكثر إدراكاً لخطط الإنقلاب المتآمر على حاضر مصر ومستقبلها!
صحافي من مصر
سليم عزوز