بن جدو والقاسم في مصارعة «سومو يابانية» … و«حلق حوش» بين جنوب لبنان و«رعد الشمال»

إْلحَقْ أيها المشاهد، لقد علقت بين «أم بي سي» و«الميادين»، بالتزامن مع احتفالات الكائنات المجهرية بأول جيش عرفته الخليقة: جيش النمل، منذ العهد الطباشيري قبل مئة وثلاثين مليون سنة، والحق يقال إن التراشق بين الطرفين لم يتعد حتى كتابة هذه السطور الطخطخة في الهواء، على طريقة الأعراس وحفلات الطهور، ولكن الحدث جلل، ويجب التوقف عنده لأنه لم يحصل في تاريخ هذه الأمة أن رأينا العرب تتقاتل في ما بينها، وتستبسل باستعراضاتها العسكرية وذخيرتها الحربية، على أنغام: «تعلا وتتعمر يا دار» إحياء لذكرى طلب زواج تقدم به كيسنجر للراقصة نجوى فؤاد و(ما حصلش نصيب) لأن الرفيقة المذكورة (ما بتفهمش بالسياسة) ولا تعرف من الرقص سوى هز الوسط، فهل تحتاج السياسة إلى أكثر من هذا يا ترى؟
بناء عليه اكتفى جمهور «برنامج ليلة سمر» على «أم بي سي مصر»، بالتصفيق الحار للطبال دون المساس بسمعة الطبلة أو تعكير مزاج العدو في أوقات استعماره السياحي، فما هو شعورك وأنت تتابع العرض البطيء لمباراة «حلق حوش» بين مقاومي حزب الله الشجعان وجيوش «رعد الشمال» الأبطال، في توقيت كيسنجر نفسه؟!
يا إله السلاح، أنت لم تعد طرفا في هذه (الطوشة)، خاصة أن الشمال والجنوب توحدا في قمر فضائي متحزم بالخصور الناسفة، التي تتقدم إلى الجبهة، وهي ترفع أعلام الأولمبياد، وشعلة (ريكا) الكرتونية، ويا (فرحتك) يا فلسطين بفرسان العروبة، الذين يمعطون شنبات وحواجب بعضهم فداء للمحتل، فمن كان منهم يُعاير أشقاءه بالاستعانة بأمريكا لإسقاط الصنم، نراه اليوم يعيد الكرة بجرعة مضاعفة، فيستعين بمحتل آخر للإبقاء على صنم آيل للسقوط، وإن كان بوتن وبوش نجحا بمهمتهما في الحالتين إلا أن نتائج الاحتلال أسفرت عن تدمير العراق وتقسيم سوريا، وكشف النوايا الحقيقية للاحتلال، الذي عاد بختم اللعنة في الإصبع الوسطى لبوتن ليبصم على نسخة جديدة لـ»سايكس بيكو» كعراب للفتفتة، وها هم صحافيو الصنم الدمشقي بعد ممارستهم لرياضة الزغردة يتهربون من إدانتنا لهم فيسقطون في مطب أشد بلوى ليدينوا أنفسهم، محاولين التملص من ألسنتهم التي تتدلى فوق ياقاتهم لتفضح مشاركتهم بمراسم افتتاح متحف جديد للخوازيق وتدشين لعبة الأواني المستطرقة في غسالة الصحون، وهذه شماتة !

تَيْسَنَة إعلامية

الفضائية السورية لم تأل جهدا بامتصاص الصدمة بعد انسحاب الإصبع الوسطى، حيث أسعفها ارتباكها بمواد إعلامية من العالم الافتراضي لشكل مدينة دمشق في المستقبل، وتعال تفرج على رسوم تخطيطية للمصانع والمدارس والمدن السكنية والمشاريع الورقية والنسب الخيالية لاستيعاب الأيدي العاملة، كأن الدخول إلى الفردوس لا يحتاج إلى أكثر من «سوفت وير» تحظى به بجنة ديجتال في شبكة العناكب الألكترونية، يا للمهزلة، لم يزل إعلامهم يوزع مصابيح علاء الدين على الفقراء والمساطيل ولاعقي الأحذية، ولا يزالوا يمارسون لعبة الاستغباء والتخويث و«الهشك بشك» الإعلامي، دون أي أدنى خجل، فأي ورقة توت بعد كل هذا التعري الفاضح ستستر لحية التيس، وقد شلح عورته؟!

مناكفة الغيب

حلقة «الاتجاه المعاكس» هذا الثلاثاء كانت سباقة للاعتراف بانتصار النظام بعد خمس سنوات من ممارسته لطقطقة شرش الحياء، فالقاسم وضع على طاولته خريطة التقسيم التي تقتطع لحزب الله وللأكراد أرض الميعاد، التي وعدهم بها الرئيس في خطابه الشهير حين قال: «سوريا لمن يدافع عنها»، معترفا أن دمشق والممالك العلوية تركة بعثية، ورثها الأسد الإبن من الأسد الأب، مقارنا بين شخصيتيهما ومتحيزا لمنطق الديكتاتورية المشفوعة بالقوة على حساب الطغيان الملطخ بعار الضعف والذل، غير أن المعلومات التي استعان بها فيصل القاسم في حلقته كانت أقرب إلى الكيدية والتشويه العشوائي والانتقام الفرقعاتي من شخص الرئيس بأسلوب المباكسة الفضائية، التي تبرع فيها الفضائية السورية، خاصة لما اتهم الرئيس بالقِوادة، لأنه كان يرفه عن الجيش الروسي ويمتعه بما لذ وطاب من جميلات الشام، وهو ما رفضه ضيفه ماهر شرف الدين، الذي كذب هذه الأخبار الملفقة بعد أن لاحق مصادرها وتأكد من زيفها، ولكن القاسم دعا إلى التريث، معولا على الزمن الذي سيثبت صحة ما نظنه فُتيشا إعلاميا لا أكثر !
الأمر لا يتعلق طبعا (بذكريات الزمن القادم)، ولا مناكفة الغيب ولعب الغميضة مع جنود لم تروها، فـ «الاتجاه المعاكس» يعتمد على الالتصاق بالخصم بعد رش ملح الآلهة في اصطبل مصارعة السومو اليابانية، وهذا يتطلب تكنيكا لا يجنح إلى الرشاقة بقدر ما يستبسل باشتباك عضلي وشد أجزاء، على طريقة محمد رمضان في ملاهي السبكي، ولكن لن يعني هذا التقاط الأخبار من قارعة الـ «فيسبوك» واعتمادها كوثائق إعلامية أو حرب معلوماتية الهدف منها، ليس الحقيقة بل تصديق الأكاذيب، وهو ما يخرج عن قواعد النزاهة في لعبة الرشرشة هذه!

سحابة صيف ومانعة صواعق

السيد حسن نصر الله في (لقاء العام) مع بن جدو، تجاوز خطابه الانفعالي الطائفي، الذي انتقدناه فيه، وعاد إلى سابق عهده، مسلحا بالهدوء، والوتيرة الصوتية المنخفضة من حكمة وتأمل وثقة، والتوازن المعلوماتي البعيد عن البهرجة والشحن السياسي والفتن الإقليمية، دون أن يتخلى عن معركة التهم الرخيصة، التي يجند لها «ببغاءاته التويترية»، فكل من تخلى عنه أو اختلف معه مرتش باع مبادئه، لأنه قبض على بياض من السعودية وأمراء المال، فإن استثنينا هذه المعركة الواطئة، التي تتخلى عن جبهة القلوب لتنحشر في الجيوب، فإننا نجزم بأن الشيخ يعيد ترتيب جهته الجغرافية في الجنوب، بما لا يعفيه من انتماءاته الإقليمية التي لا تسمح له بالاعتراف بأن إيران دولة محتلة لجزر عربية، في الوقت ذاته الذي قالها وبصراحة مطلقة أن تحرير فلسطين لا يرتبط بتدخله في سوريا، لأن الهدف كان التصدي للمتطرفين والإرهابيين وحماية لبنان من خطر امتدادهم، مؤكدا أن لا علاقة له بالبحرين، وأنه لن يتوانى عن المجاهرة بأي تدخل لو حصل، لأنه يؤمن بمبادئه ولا يخجل منها أو يكتمها .
وبين فن المعلوماتية في حلقة القاسم وحلقة بن جدو، يكمن الفرق الأخطر: أسلوب التسريب، الذي يجعل من الكذب حبلا يلتف حول عنق المايكروفون ككاتم صوت أخرس، أو يجعل منه طوق نجاة ينتشل «الميادين» من مستنقع آسن كقشة الخلاص، فسبحان من خلق الحلفاء لنستدل بهم على جهازنا الهضمي لا على الطعم والمصائد وذئاب الموائد، وسبحانه سبحانه وقد خلق الأعداء، لنتعرف بفضلهم على مواطن ضعفنا لا مكامن قوتهم، خاصة وأن «رعود الشمال» تتصدى لـ»مانعة الصواعق» في جنوب لبنان وهي تبشر بمواسم الخصب من سحابة صيف !

إرث الشتيمة كأمانة

لا أحد يستنسخ أحدا، ومن المستحيل في العملية الإبداعية – أن يكون أحدهم خليفة أو وريثا لمبدع آخر، لأن أساس الإبداع هو الابتكار لا النسخ، مهما تشابهت المعطيات واقتضت الظروف، فهل هناك استثناء؟
في حالة واحدة فقط، حينما تكون المحاكاة هي النقيض، الذي يُخرج صاحبه من لعبة الظلال، وتقمص وجع الآخرين لاكتشاف الوجع الاحتياطي للخديعة الإبداعية.
قصيدة فادي عزام الصوتية على موقع «اليوتيوب»، كان لها نفسها الخاص، رغم استنادها الماكر إلى شتيمة «مظفر» الأشهر في تاريخ الشعر العربي، وهو ما أوقعها بالتباس تاريخي بين أسدين لم تستثن القصيدة منهما أحدا، مع احتفاظها بذاكرة الشتيمة ليس كإرث بل كأمانة.
إنه فادي عزام، الكاتب السوري المعارض، يصل إلى بريدي الألكتروني محملا بأنفاس مظفر النواب وبحة الماغوط الشعرية في سيجارة موقوتة، تتصاعد زفراتها الحارقة من عود ثقاب نيء بين كومة قش شائطة.
(تخرج سيجارة حمراء لتشعلها بخمسة أعواد من كبريت الفرس لتقول في جملة واحدة للجميع:
إنها دمشق يا أولاد الـ……). وبس!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

لينا أبو بكر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية