كأنهم «استكثروا» على «هشام جنينة» رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، حلقة في برنامج «ما وراء الخبر»، فكان فيلم الكارتون، وعنوانه: «اخطفني شكراً»!
عبد الفتاح السيسي انتظر حتى جن الليل، وأرخى سدوله، وانتهى الدوام الرسمي ليصدر قراره بعزل المستشار هشام جنينة من منصبه، بالمخالفة للقوانين بل وللدستور ذاته الذي يحظر عزل رؤساء الهيئات المستقلة، على نحو يجعلنا أمام قرار لا تقوم به سلطة في دولة، وإنما تقدم عليه عصابة اختطفت الوطن، فلم تكثر بالنصوص القانونية والدستورية!
صدور القرار ليلاً، وفي فترة الراحة التي تعقبها ممارسة السيسي لهواية ركوب الدراجات، روعي أن يكون في فترة الخمول الإعلامي، فالبرامج قد حددت موضوعاتها، والمراسلون عادوا لمنازلهم، ليتم الاكتفاء بمجرد الخبر، وعلى أساس أن «الصباح رباح»، وأنه في الغد يمكن مناقشة ما جرى في اليوم التالي، باعتباره الحدث الأبرز الذي حدث في المحروسة، لأن من أصدر القرار يعلم أن الإثم هو ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، لا سيما وأنه حاول من قبل الإقدام على عزل الرجل، ففوجئ برفض عارم لم تؤثر فيه حملة الإبادة الإعلامية التي قامت بها الأذرع الإعلامية للانقلاب العسكري في مصر، والتي اتهمت جنينة بكل قائمة الاتهامات المعروفة، من أول اتهامه بأنه من الإخوان، إلى اتهامه بالخيانة العظمي وأنه يعمل على الإساءة لسمعة مصر خارجياً، وسمعتها كسمعة «البنت البنوت»، حيث ورد أن سمعة البنت، كعود الكبريت، لا يشتعل إلا مرة واحدة!
فضائيات تركيا
كان متوقعاً أن يكون هذه الخبر هو القضية الأبرز في الفضائيات في اليوم التالي، ومن المتوقع أن تفرد له «الجزيرة» مساحة تليق به، فضلاً عن قنوات الثورة في تركيا، وهي وإن كانت فقيرة، إلا أن برامج «التوك شو» فيها مثل برامج «مع زوبع»، و«مصر النهاردة» لمحمد ناصر، و«مع معتز»، هي برامج واسعة المشاهدة في مصر، وأعداد من يشاهدونها أكثر من الذين يشاهدون التلفزيون المصري في وقت الذروة، حتى بت أتعجب ممن يسهرون مع «ناصر»، لفترة كان يقال عليها «وجه الفجر» عندما كنا نعيش في الصعيد، يقولون إن الصعيدي الجديد الآن صار يسهر الليل على عكس أجداده، وأن آخر جيل للنوم المبكر كان جيلنا.
ربما جلب برنامج محمد ناصر الذين كانوا يسهرون حتى يشاهدون برنامج «المشهد المصري» على قناة «الجزيرة»، وهو البرنامج الذي شعر مشاهدوه بالفراغ بعد إلغائه!
ما علينا، ففي الصباح كنا أمام حدث جديد تمثل في اختطاف الطائرة المصرية من مطار «برج العرب»، عندما أعلن أحد الركاب أنه يمتلك حزاماً ناسفاً، لنعيش يوما كاملاً في «دوامة» الأخبار المتناقضة، والتي بدأت بإعلان اسم طبيب بيطري هو من اختطف الطائرة، وقالت جامعة الإسكندرية أنه يعمل أستاذاً لديها، قبل أن يتم الإعلان في وقت لاحق أنه الخاطف شخص آخر، وأن سلطات الأمن قامت باعتقال مجموعة من جيرانه، ولا نعرف السر الدفين وراء وذلك؟!
ما تم الإعلان عنه، أن الفتى كان له مطلب شخصي يتمثل في أنه يريد أن يلتقي بمطلقته، ولم يستطع مثلي أن يتعامل بحسن نية وسلامة طوية مع ما يأتي من أخبار عبر الجانب القبرصي، الذي بدا لي أنه متورط في عملية الإخراج، من خلال الإعلان عن أن «العاشق الولهان» ألقى بياناً لمطلقته على درج الطائرة في المطار القبرصي، وإعلان الرئيس القبرصي «رأساً» أن الدوافع وراء عملية الاختطاف شخصية، قبل أن تعلن الإذاعة القبرصية أن مطلب الخاطف سياسية وأنه يطالب بالإفراج عن المعتقلات في سجون السلطة في مصر!
باروكة وزير الطيران
عقب هذا الإعلان مباشرة كان وزير الطيران الجديد يعقد مؤتمرا صحافياً، تقريباً لم يقل فيه معلومة، وكأنه جاء ليستغل الحدث ليظهر على الناس بتسريحة شعره، لا سيما وأنه تم تعيينه في منصبه قبل أيام، وبدا واضحاً أن الصحافيين شعروا بخيبة أمل، كشفتها الجلبة التي حدثت في القاعة، والأسئلة التي لم يرد عليها الوزير الجديد!
في الأغلب الأعم فإن وزير الطيران هو ضابط جيش خرج للتقاعد بعد رتبة عليا، كما كان «الفريق» أحمد شفيق وزيرا للطيران، لكن الإعلام الرئاسي لجأ لحيلة في هذا التشكيل الأخير، هي عدم ذكر العمل الوظيفي السابق للوزراء، ففوت علينا أن نعرف عدد العسكريين في التشكيل الوزاري الأخير، لكن مظهر الرجل لم يبد عليه أنه عسكري، إنه أقرب ما يكون إلى الفنان، وهو الشكل المعتمد رسمياً لدى من يختارون لشغل الوظائف الكبرى في الآونة الأخيرة، فتسريحة شعره هي تسريحة شعر محافظ الإسكندرية السابق نفسها كأنها «الباروكة» نفسها. ومعلوم أن الإعلام تطرق لوسامة المحافظ السابق على نحو دفع زوجته للغيرة عليه، فأقامت له في مقر عمله!
العسكريون، وإن أحيلوا للتقاعد الوظيفي، فإنهم يستمرون في الحرص على ما اعتادوا عليه في حياتهم العسكرية من تقصير الشعر، والاستيقاظ مبكراً، وكان الفريق محمد عبد الغني الجمسي أحد أبطال حرب أكتوبر يشكو مر الشكوى، من أنه يستيقظ مبكرا ولا يجد ما يفعله، وقد صب جام غصبه على السادات، الذي أقاله بعد أن كان قد أعلن «إن الجمسي هو زير الحربية مدى الحياة»، لكن صاحبنا هو من قاد الجيش في إحباط ثورة الخبز، وتقاليد الحكم في عالمنا العربي، تمنع أن يحتفظ الحاكم بمن كان له الفضل في الحفاظ على حكمه.
أيضاً فإن الفريق أحمد شفيق، وهو يتحدث ذات مرة عن انجازاته قال إنه طيلة حياته يستيقظ من «النجمة» أي مبكراً من أجل خدمة بلده، وليس كزعمائهم الذين يستيقظون العصر، ولم يكن الأمر بحاجة لتفكير عميق لأقف على من يقصد، غير أن المعلومة التي وصلته لم تكن دقيقة، فحمدين صباحي يستيقظ المغرب وليس العصر!
وزير الطيران في مؤتمره الصحافي لم يقل شيئاً، وإن كان عندما سأله أحد الصحافيين عن المعلومات الجديدة غير ما قيل فأعلن أنه قال جديداً يتمثل في ذكره لأعداد ركاب الطائرة!
بيد أن ما لم يقله وأوحى به كان خطراً، عندما أعلن أنه لديه معلومات لاحترازات أمنية لا يستطيع قولها الآن، فألقى الرعب في قلوب من استوعبوا الرسالة والتي ذكرها أكثر من مرة، فهناك معلومات لديه لا يستطيع البوح بها وليس هذا توقيت إعلانها، قبل أن ينصرف لغرفة العمليات، غير أنه لم يقلها إلى الآن، ويبدو أن المستهدف بها هو إضفاء حالة من الجدية على فيلم «الكارتون»!
الوزير الناضج!
الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه السلطات القبرصية تمثل في عملية البث المباشر، فشاهدنا الركاب ينزلون من الطائرة في هدوء، ويمشون الهوينا، ومضيفة أقام لها الإعلام السيساوي زفة لشجاعتها كانت تدخل الطائرة وتغادرها ثم تعود لتدخلها ثم سرعان ما تغادرها، بينما القرصان يحتجز عدداً من ضحاياه، ولسان حالها يقول «اخطفني شكراً»، قبل أن نتأكد من الصور المسربة أن الخاطف لم يكن في قمرة الطائرة وإنما كان في مؤخرتها جالساً في هدوء تحيط به المضيفات، وتذهب له مضيفة تعرض عليه طلب أحد المختطفين بأن يتصور معه «سيلفي»، فيوافق الرجل بتواضع، والذي تبين أنه يمثل سماحة الخاطفين!
وقد تبخر الحديث عن مطلب الخاطف بإخلاء سبيل المعتقلات، ليعود من جديد الحديث عن مطلقته، التي قالت في مقابلات صحافية إن الطلاق وقع قبل ربع قرن من الزمان، «أصيل» هذا الخاطف، فالعشرة لا تهن إلا على ابن الحرام!
على برنامج « 90 دقيقة» على قناة «المحور»، قال سامي عبد العزيز عميد كلية الإعلام السابق، وعضو لجنة السياسات برئاسة جمال مبارك، والمقرب من عبد الفتاح السيسي، إن الله أرسل خاطف الطائرة ليصلح الصورة الذهنية الخاطئة عن مصر، لأن الجهات الرسمية كانت على مستوى المسؤولية، كما كشف الحادث عن نضج وزير الطيران المصري!
كثيرون هم من أرسلتهم السماء في السنوات الثلاث لمصر، بحسب تصريحات مشابهة؛ فمن قبل قيل إن الله أرسل السيسي ووزير داخليته محمد ابراهيم كما أرسل موسى وهارون.
وأيتها السماء، توقفي عن إرسال رسلك لمصر فقد هرمنا، ولم نعد نحتمل المزيد من الرسل.
صحافي من مصر
سليم عزوز