اتفقت عدة تعليقات على موضوع الفشل في إخراج فيلم مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، على أن تفسير الفشل في التعامل معه جزء من السبب العام، وهو الفشل في كل الأشياء بما فيها الفشل في الكذب.
ومع قراءة التعليقات الواردة، بما فيها التهنئة بالذكرى السنوية لجهاز الكفتة المعجزة، الذي تراجع في ظروف غامضة، ترددت في الخلفية كلمات الرئيس الراحل محمد أنور السادات بصوت الرائع أحمد زكي وهو يؤكد «يجب أن يحاكموا بتهمة الغباء السياسي»، معلقا على الكثير من التصريحات والوعود التي تطلقها السلطة، وهي تدرك أنها بعيدة عن الواقع وعن المنطق بالقدر نفسه الذي تدرك فيه أنها بعيدة عن المحاسبة والمساءلة.
جاءت عبارة السادات تعليقا على قيام عدد من رجال الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر بتقديم استقالات جماعية في محاولة لحسم الصراع لصالحهم، من خلال إحداث فراغ سياسي يقود لمأزق من شأنه الإطاحة بالسادات وفقا لتصورهم. ولكن السادات قبل الاستقالة وعين غيرهم قبل أن يتم اعتقال الشخصيات المناوئة له معلقا بكلماته الشهيرة على الحدث ككل. ويمثل الحديث عن الفشل في الكذب ميزة مهمة للغاية، ليس لمن يمارس الكذب بالطبع، ولكن لمن يتعرض له، خاصة عندما يتعرض وطن كامل لكذب متكرر يساهم في ضياع الموارد والمكانة والحقوق في الحاضر والمستقبل، كما ساهم في ضياعها في الماضي لعقود طويلة. يصبح الفشل في الكذب عنصرا مهما من أجل تفكيك القصص التي تقدم مغلفة في عبوات براقة من أجل التجاوز عن المحتوى وتكرار الأغاني الحماسية قبل أن تخف الأضواء، ثم تظهر في مشهد آخر وتحتفي بإنتاج جديد برعاية مؤسسة أخرى من مؤسسات السلطة.
يمثل الكذب، بعيدا عن حكمه الديني والأخلاقي والألوان التي يوصف بها، جزءا من الحياة وواقع السياسة والحكم. ولكن الاعتراف بالوجود لا يحدد مساحته وضرورته من عدمها، وسط جدل ممتد في العلوم الاجتماعية حول رفض الكذب السياسي في عمومه، لما يمكن أن يقود إليه من كوارث، وضرورة الكذب أحيانا من أجل مصالح الدولة. ولكن حتى مع قبول وجود ما للكذب في السياسة، فإن تحديد ما هو مقبول من عدمه ومن يحدد أسبابه قضايا في جوهر الصراع على الدولة والمجال العام من أجل الديمقراطية والشفافية والمحاسبة وإعمال القانون. فإن كانت السلطة هي الحكم وهي من يحدد ضرورة الكذب من عدمه، فإن المواطن يظل رهنا بتلك الحسابات التي لا يشارك فيها، ولكن عليه أن يدفع ثمنها. كذبة قد تدخل حربا، وقد تشعل صراعا، وقد تجمل هزيمة، وتستنزف الموارد من أجل قص شريط ووضع اسم مسؤول على مشروع جديد.. وفي النهاية تخصم كل تلك الأكاذيب من حساب المصداقية والثقة في الداخل والخارج، ومن حساب الفرص والقيم في اللحظة والمستقبل، ومن حساب الحقوق والحريات والطريق إلى تأسيس وترسيخ دولة القانون المطلوبة.
نفشل في إخراج مقتل ريجيني وندخل في إخراج فيلم كشف أثري مقبل من أجل جذب الانتباه للسياحة، ووضـــــع مصر في الأخبار، مع الفرح بنتائج سريعة تتمثل في متابعــــة الفيديوهات التي تنقل البيانات التي تبدأ وتنتهي بالوعود بالإعلان عن كشف أثري غير مسبوق في القريب العاجل.
ومن وزير يطالب بالحضور لمصر لمساعدة العاملين في السياحة، بعد أن تضررت حياتهم، لرئيس برلمان يرفض انتقاد وزير الصحة معتبرا أنه انتقاد للشخص ومتجاوزا عن أن النقد موجه للقيام بالوظيفة العامة، يتحول الجدل من القضية للشخص حيث الفشل جزء من شخصنة الدولة والكراسى وتغييب المؤسسات والقيم.
نكتشف بمتابعة بسيطة كيف أننا تجاوزنا الأول من أبريل، بوصفه يوما مخصصا للكذب الذي يفترض فيه أن يكون خفيفا وساخرا، لواقع تصلح فيه كل الأيام لتكون الأول من أبريل. واقع يجب أن نعترف فيه بفضيلة الفشل في الكذب، لأنه وعلى الرغم مما يمثله من تعرية جزء من الأزمة – المعالجة بالكذب- يساعدنا على كشف أوجه الكارثة – إثارة الاسئلة والبحث عن إجابات مقنعة-. وبدوره يتحول الغباء السياسي لجزء مهم في معادلة الكذب الفاشل، ولأن الغباء المعلن أفضل، فالكذب الفاشل أجمل. تخيل أن تعيش في واقع تحكم فيه السلطة من أجل مصالح لا تخص الوطن والمواطن بدرجة عالية من النجاح في الكذب الذي يمكنها من تغييب الغباء في الحكم، وكيف يمكنها هذا من تغييب المواطن والاستمتاع بعقود هادئة من الحكم والفساد المنتج داخليا أو المولد بحكم الانفراد بالحكم. تخيل هذا السيناريو المحتمل وكيف نجح فيه الكثير من الأنظمة قبل الربيع العربي، واستطاعت أن تنعم بعقود من الاستقرار في المناصب والتربح على حساب الشعوب التي دفعت ولازالت ثمن الكذب الناجح في تجميل الواقع القبيح.
جاءت الثورات كاشفة للوجه القبيح للحكم، وكيف أن النجاح في الكذب أدى للاستمرار، ولكنه لم يحسن الأوضاع. اكتشف البعض كم تسرق أموالهم لعقود، ولم يصدق البعض أن دولهم لديها كل تلك الأموال من الأساس.
أحدثت الثورات حركة لا يمكن التقليل من قيمتها، كاشفة في كل لحظة عن بقع جديدة في ثوب السلطة وغباء الحكم. غباء محسوبا يعمل على تحقيق مصالح دائرة ضيقة تحكم وتتحكم على حساب الوطن، وما بيع الأراضي وشركات القطاع العام والنفط والغاز لسنوات مقبلة بأسعار أقل من قيمتها والتعامل مع الآثار ومياه النيل إلا أجزاء من قائمة طويلة في كتاب سرقة الوطن واستغلاله. كتاب يخضع لغباء التخلي عن الدور الأساسي من أجل المصلحة الضيقة. فعل الثورة أثبت أن هناك تغيرات فشلت النظم في إدراك قيمتها، ربما لأنها صدقت كذبتها المكررة أن المواطن غير مؤهل ولا يرغب في الديمقراطية، ولا يهتم بقيمة الإنسان وحقوقه، وتصورت أن زيادة ضغوط الحياة وتقنين الجهل ورفع أهل الثقة كافيا من أجل إبقاء الحال على ما هو عليه. تغيرات لا تدركها السلطة القائمة التي تعيد استخدام كتاب مبارك في الحكم متصورة أنها قادرة على التخلص من المشاكل كما كان يحدث سابقا، لتفأجا أن ما يحدث هو العكس، وأن السيناريوهات التي تتبعها تم تجاوزها.
تعودت السلطة تشتيت الانتباه عن كارثة أو أزمة بحدث آخر يشغل الرأي العام، كما تعودت العمل بمبدأ أن العملة الردئية تطرد العملة الجيدة، والإشاعة تصرف الأذهان وتشغل العقول والإعلام. ولكن أدوات الواقع تغيرت، والخطأ الذي يولد يتم نشره وتركيز الأضواء عليه بوتيرة أسرع. كما أن محاولات نقل الإضاءة من حدث لآخر تخضع لاعتبارات أخرى يدخل فيها على خط المواجهة الكثير من ساعات البث والبرامج والكتابة الساخرة، ووسائل التواصل الاجتماعي التي تحولها لكوميديا يتم تداولها وتذكرها والحفاظ عليها بعيدة عن مقابر الذاكرة. وبهذا وجدت التصريحات الخاصة بعدم نية الرئيس عبد الفتاح السيسي – وزير الدفاع وقتها- الترشح للرئاسة لتأكيد، أن ما تم في 30 يونيو ليس انقلابا، طريقها في قائمة كذبة أبريل 2016 رغم الفارق الزمني الذي يجعل إعادتها للواجهة تأكيدا على سوء الواقع واستمرار محاسبة سنوات الثورة ووعود 30 يونيو.
وفي حين لا يغيب علاج الكفتة بوصفه نموذجا للفشل في الإنتاج والمعالجة التي تغيب عنها فكرة الاعتراف بالفشل، ويتم ترحيل المشكلة عبر لجان فحص ولجان منبثقة وعدم النشر من أجل تغييب الاهتمام حتى تمام النسيان. تصطدم وعود قناة السويس الجديدة ببيانات تؤكد تراجع الإيرادات، وضع قد يجد تفسيره في حركة التجارة وغيرها من الاعتبارات، ولكن يظل أن كل ما ألصق بالمشروع من تصورات وإنجازات يحتاج لمحاسبة لا تقلل من أهميتها حقيقة أن الكثير من الموارد تم تخصيصها للمشروع بالفعل، ولكن يزيد منها اعلانات متكررة عن مشاريع جديدة لا تخضع لنقاش واضح ولا تقارن مع ما تحقق ولا مع أولويات المرحلة. أما الحديث عن إخلاء سيناء من الإرهاب قريبا وفقا لتصريحات اللواء أحمد وصفي قائد الجيش الثاني الميداني الأسبق في أكتوبر 2013، وقبل نهاية عام 2015 وفقا لتصريحات اللواء فاروق المقرحي مساعد أول وزير الداخلية الأسبق في شهر أغسطس من العام نفسه، وغيرهم من المسؤولين فيمكن إدراك بعدها عن الحقيقة من الأخبار الواردة بشكل متكرر عن الشهداء ضحايا الإرهاب والمواطنين ضحايا المعاناة من كل الأطراف.
في كل هذا لازال الكثير من الوعود المرسلة طائرة في الهواء على طريقة طائر النهضة الخرافي، الذي ارتبط بفترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، ولسان حال المواطن السخرية من كل فكرة تحلق ولا تنفذ على أرض الواقع، أو تنفذ بطريقة تخالف المفترض منها، وهو يعلن بطريقته أنه ما دام قادرا على السخرية فهو حي.
ولأن كشف الكذب والفشل فيه والغباء السياسي المعلن وقود السخرية، والسخرية وسيلة لتحجيم السلطة وخلق الفرعون فإن الفشل في الكذب رحمة والغباء السياسي ميزة من أجل كشف الأخطاء ومحاولة إنقاذ اللحظة والوطن والمحاسبة من أجل المستقبل.
٭ كاتبة مصرية
عبير ياسين