يقول محمود درويش إن الوطن هو «حياتك وقضيتك معا»، ولكن هذا التعريف البسيط العميق لم يصل لعضو البرلمان عاطف عبد الجواد، الذي اعتبر أن مظاهرات جمعة الأرض، 15 أبريل، «حاجة تكسف» وأن من يعارضون قرار الرئيس والحكومة بالتخلي عن جزيرتي تيران وصنافير هم «خونة ومأجورون».
تعبيرات حزينة يضاف لها تبرير موقفه بناء على القيمة الاقتصادية للجزر، التي يرى أنها لا تستحق الجدل حولها، وعلى تصور أن وجود السعودية، بوصفها الطرف الثاني، كاف للموافقة بعدما قدمته من أموال لمصر خلال السنوات الماضية، وكأن تسديد المعونات والمساعدات يمكن أن يتم من خلال التنازل عن السيادة والأرض. مضيفا وكأنه يتحدث عن أملاك خاصة، وفي استهانة واضحة بقيمة الدولة «لو السعودية عاوزة جزيرتين كمان أهلا بها، لأنهما ستذهبان إلى دولة عربية إسلامية». ولا نعرف لماذا يتهم الإخوان بالتفريط، استنادا لفكرة دعمهم للدولة الإسلامية وعدم احترامهم للدولة القومية! إذا كان النائب المنتمي لائتلاف «دعم مصر» يرى وجود طرف عربي مسلم ومعونات أو دعم اقتصادي أمورا كافية للتخلى والتنازل عن تلك الجزر وغيرها، وربما للسعودية وغيرها أيضا.
حالة تتم الإشارة لها لأنها كاشفة عن مشكلة كبرى في الواقع السياسي وما يمكن أن تصل له الأمور في ظل الوضع القائم، حيث الشخصنة والتفويض وتقييد المساحات العامة والحقوق والحريات، التي يرى الرئيس أنها تصلح في أوروبا ولا تصلح في مصر لأنها – وفقا له- دولة حديثة. وضعية تكشف لماذا يفشل السيسي مرات، ولماذا وصل الفشل للسيادة وتاريخ مصر وحضارتها، ولماذا تحتاج قضية الجزر لاهتمام خاص، لأنها كاشفة عن مخاطر ممتدة من التعامل مع مياه النيل إلى السيادة على الأرض والموارد ومؤهلة للاستمرار، إن استمرت العقلية والظروف التي أنتجتها. وبشكل عام تمر مصر بوضع شديد الأهمية للحظة والمستقبل، منذ الإعلان عن توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، الذي لم يعلن كاملا، ولا نعرف من تفاصيله إلا تنازل النظام الحاكم عن جزيرتي تيران وصنافير، في تجاوز لكل القيم والحقوق والأدوار التي يفترض أن يقوم بها وفقا للدستور والتاريخ وقيمة الوطن والإنسان.
وضع كاشف للكثير من الإشكاليات بداية من خلق المشكلة والاتفاق في سرية كاملة، للتعامل مع ردود الفعل والمطالبة بالتوقف عن مناقشة الموضوع، وكأنه ملكية خاصة للمسؤول، للسقوط الإعلامي، للتدليس الذي يمارس على المواطن بداية من تخوين المعارضين إلى بذل جهود غير طبيعة من مؤسسات الدولة وجهات وشخصيات تدعمها في نشر ما ترى أنه وثائق تؤكد ملكية السعودية للجزر وتنفى ملكية مصر، رغم التناقض وأحادية القراءة والانتقائية الواضحة. وثائق تطرح تساؤلات مهمة عمن أخرجها، رغم أن بعضها مراسلات دبلوماسية غير معلنة أو سرية، ومن قدمها للجهات التي نشرتها لدرجة تحولها لمصادر للصحف والإعلام السعودي لينفى مصرية الجزر نقلا – ويا للعجب – عن مصادر مصرية.
يتبرع النظام بخلق مشكلة ويقودنا لمعركة محاولة الدفاع عن مصرية الجزر، بعد أن تفرغ لتقديم ما يثبت العكس. مشكلة رتبت كل ما تلاها من غضب مشروع، ليقدم البعض الاستفتاء الشعبي بوصفه الحل الأمثل، ولنجد أن علينا أن نخرج من فخ الاتفاق السري المعلن بشكل مفاجئ لفخ الاستفتاء ولنسقط بأنفسنا في فخ السلطة وسيطرتها على الكثير من وسائل الإعلام والمساحات العامة، وعلى ما تعتبره وثائق نفي ملكية، لعملية الاستفتاء وسؤال الثقة في الجهة المعنية، في وقت لا يداري فيه النظام عدم وجود نية للدفاع عن مصرية الجزر، ويؤكد الكثير من التصريحات، بما فيها أحاديث الرئيس، أنه هو من قرر «إرجاع» الجزر – وفقا له – والتنازل عنها وفقا للأصل.
أما البرلمان الذي يطالب الرئيس الشعب بترك الأمر له والتوقف عن مناقشة الموضوع وكأنه يصدر قرارا عسكريا غير قابل للنقاش متسقا مع ما قاله من أن كل أحاديثه تتسم «بالفهم، الفهم» الذي يعلن احتكاره له دوما، فلدينا تصريحات للعديد من الأصوات التي ترى أن الثقة في الرئيس في ظل خلفيته العسكرية كافية للموافقة على كل ما يقدمه. وكما هو الوضع منذ ثورة 25 يناير، كلما حدثت كارثة وارتفعت التساؤلات أو النقد والغضب الشعبي يتم تهميش القضية والتعامل مع الحدث بوصفه استهدافا للجيش. وضع ظهر واضحا في التناول الإعلامي والموافقة غير المشروطة للبعض، مع حديث الرئيس عن خلفيته العسكرية الكفيلة بأن تؤكد أنه لا يبيع ولا يفرط. قضية من المهم حسمها لأن الثقة في الجيش كمؤسسة في الوجدان المصري لا تعمم للأشخاص والقضايا ولا تؤمم الحق في النقاش، وأن الأصل في الحكم هو الشعب. ويكفي أن نتذكر أن مبارك له خلفية عسكرية، وأن النقد الموجه للفساد والإفساد الذي حدث في عهده لا ينسحب على المؤسسة التي انتمى لها، كما أن الانتماء للمؤسسة لم يمنعه من استغلال منصبه والسماح باستغلال من حوله لمناصبهم على حساب الوطن والشعب.
يبدو الخلط واضحا والرئيس يركز في لقاء الأسرة المصرية، 13 أبريل، على التعريف بنفسه للوصول لعدة نقاط منها أنه مفوض تم استدعاؤه للكرسي والشعب مطالب بدعم غير مشروط، وأنه ليس إخوانا ولا سلفيا بافتراض أن الإخوان فقط هم من يتنازلون عن الأرض، وأنه شريـــف لا يطــمع في ما في أيدى الغـــير بالنظر لتعاليم الوالدة رحمها الله. تظهر الوالدة في المشهد ويتم التنازل المنفرد، وكأن كلمات الوالدة يمكن أن تجب الدستور، وحكم الدولة يعني تماهي الملكية والسلوك بين الحاكم والوطن والشخصي والعام. يبدو الفشل طبيعيا في إدارة المشهد وهو يتعامل من مبدأ الشخص ويرى أن تبرير قرار سياسي بتلك القيمة يمكن أن يتم بالتعرف على شخصيته والقيم التي تحكمه.
ويبدو الفشل مستمرا إن امتد التفويض وتهميش المواطن والمعارضة بالصوت المرتفع، وتصور أن وسائل التواصل الاجتماعي وردود الفعل هي المشكلة وليس تصرفات السلطة ومؤسساتها. ويبدو الفشل طبيعــــيا ما دام النظام لا يتوقـــف للبحث في أســـباب تراكم المشكلات وارتفاع الغضب حتى وسط مؤيديه، ولا يحاســب مؤسساته، في حين يسقط الكثير من الاخطاء على المواطن بما فيها قضية ريجيني وقضية تيران وصنافير، وكأنه لم يخلق المشكلة ولم يعمقها بطريقة التعامل معها.
يبدو الفشل طبيعيا وسط الآليات والعقلية الحاكمة التي ترى أن المواطن مستمتع بالأمن والاستقرار ولا يدرك الصعوبات وهو ما يعني أن الحاكم يتجاوز حقيقة الصعوبات اليومية التي يعيشها المواطن والمخاطر التي لا تغيب عن حياته. في الوقت الذي يعتب فيه على تجاهل الإنجازات في الإشارة لعدد المشاريع التي يعلن عنها بكثرة من شأنها أن تثير التساؤل حول المصداقية في وضع مأزوم يفترض أن يتم فيه وضع استراتيجيات وأولويات وتحديد خطط للمشاريع المهمة، وأن تكون العبرة بالتحقق وليس بقص الشريط.
بدورها تؤكد المادة (151) على قيام رئيس الجمهورية بتمثيل الدولة في علاقاتها الخارجية وإبرام المعاهدات والتصديق عليها بعد موافقة مجلس النواب، مع وجوب دعوة الناخبين للاستفتاء على «معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة» وجاءت صريحة في ما يخص السيادة وحدود الدولة بتأكيدها انه «في جميع الأحوال لا يجوز إبرام أي معاهدة تخالف أحكام الدستور أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من أقليم الدولة». ولأن النص واضح فإن ما فعله النظام هو إلقاء حجر في بركة الدستور والتشكيك في ملكية مصر حتى يخرج من فكرة السيادة بالتشكيك فيها ويتجه للبرلمان أو الاستفتاء بعد شق الصف وتقديم ما يلزم – من وجهة نظره- لإسقاط حق مصر. وإن كانت السيادة لا مجال لنقاشها، فلا مجال للاستفتاء أو مناقشة البرلمان، لأن من وقع قرار الترسيم تجاوز حدود دوره الدستوري وتجاوز شرعيته والقسم الذي يتعهد فيه بالحفاظ «على استقلال الوطن ووحدة وسلامة أراضيه».
أنتج النظام مشكلة الجزر عبر اتفاق ترسيم الحدود البحرية، بدون أن نعرف ما تم التنازل عنه من حقوق أخرى تخص الموارد والملاحة، وأنتج حالة من الجدل تقود لفخ الاستفتاء ليقدم سابقة في كيف يتنازل نظام عن سيادة الدولة وجزء من أراضيها بكل تلك السهولة، ويحصل ضمن البيعة على صك قبول برلمانى أو شعبى باستفتاء يساهم في رسمه عبر الإعلام والانتقاء في التعامل مع الوثائق التي تملكها الدولة صاحبة الســـيادة، من أجل تسديد ثمن وجوده على الكرسى وتمرير حصوله على السلطة، وليؤكد ما قاله غاندى «كثيرون حول السلطة وقليلون حول الوطن». ولكن مصر وكما عبرت مظاهرات جمعة الأرض وحالة الغضب القائمة ترى أن الأرض عرض ودم الشهداء دائما صادق، وأن من حارب ودافع وحرر وحده يملك السيادة المختومة بدماء الشهداء على أرض الجزر كما في غيرها.
٭ كاتبة مصرية
عبير ياسين