حديث السيسي وفضيلة الخوف الغائبة

حجم الخط
2

بعد أن كرر الرئيس عبد الفتاح السيسي في كلمته التي ألقاها بمناسبة بدء حصاد القمح، 5 مايو 2016، عبارة «ما بخافش» عشر مرات بالإضافة لتنويعات أخرى، تحولت العبارة، وتأكيده أن مصر ليست «دولة حقيقية» ولكنها «أشباه دولة» – كما قال وليس شبه دولة – إلى أكثر العبارات التي حازت الاهتمام والتعليق، في ظل التناقض الواضح في الخطاب، والتناقض بينه وبين الواقع.
ففي الخطاب وصف الرئيس ما حدث خلال حكمه بإنه إنجاز «غير مسبوق»، مشيرا لتأكيد مسؤول غربي كبير أن أسلوب الإدارة المصري «مثير للاهتمام»، في الوقت الذي أكد فيه أن مصر ليست «دولة حقيقية» ولكنها شبه دولة أو أشباه دولة، وفقا لتعبيره، إن كان يقصده ويهدف منه إلى تعظيم فكرة التهشم الداخلي وتعظيم المشكلات من أجل تضخيم التحديات المصاحبة للإنجازات غير المسبوقة التي أشار إليها. وضعية شبه الدولة وتحقق إنجازات غير مسبوقة في فترة قصيرة من الزمن تعبر عن حالة تناقض واضحة لا طريقة لفهمها بدون التركيز على الشخص- الرئيس الذي يتابع بنفسه كل جنيه دخل في مشروع خلال تلك الفترة، ويتخذ 2000 قرار في عامين، بدون أن يخاف.
أما في الواقع فلا يتوقف النظام عن اعتقال المزيد من المعترضين على التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، والمؤكدين على الحق في الحرية مثل، القبض على أحد أعضاء فرقة «أطفال شوارع» التي تقدم فيديوهات ساخرة في 7 مايو مع إصدار قرار بالقبض على أعضاء الفرقة بتهمة التحريض ضد مؤسسات الدولة، واستمرار الضغط على نقابة الصحافيين وحشد «المواطنون الشرفاء» والإعلام «الوطني» ضد من يعترض على تمسك النقابة بمطالب اجتماع جمعيتها العمومية، خاصة اعتذار الرئيس عن اقتحامها وإقالة وزير الداخلية. ولسان حال النظام تأكيد ما قاله غسان كنفاني من أن «ضرب السجين هو تعبير مغرور عن الخوف»، خوف يظهر في القبض على أطفال من أجل مسطرة وبالونة وأغنية، ومحام من أجل الدفاع عن حق الوطن في الاعتراض على التفرد في اتخاذ قرار التنازل عن السيادة، وصحافي ومهنة من أجل الخوف من الكلمة ومن أن يعرف المواطن أن خلف الأسوار حقائق أخرى لا تصل إليه.
وبشكل عام يمكن القول إن خطاب السيسي وما أحيط به من رسائل، بما فيها عبارة «ما بخافش» واصطحاب وزير الداخلية، يمثل جزءا أساسيا من ميراث الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، هو العند والإصرار – لدرجة كبيرة- على عدم الرضوخ للضغوط المطالبة بالتغيير، بوصفها دليل ضعف أو دليل خوف وفقا لخطاب السيسي. كما عبر الخطاب عن الاستمرار في تقزيم مصر من أجل تعظيم المسؤول، وتعظيم خطاب التخويف والتحديات من أجل احتكار النظام للمزيد من المساحات العامة وتقييد الحقوق والحريات. فالخطاب جاء بعد فترة قصيرة من إشارة السيسي لمصر بوصفها دولة حديثة، وليتقاطع مع حديث وزير الخارجية، سامح شكري، خلال لقائه مع عدد من النواب عن أن مصر ليست رائدة، ولا تهدف لان تكون رائدة وأن ما تملكه لا يتجاوز «قدرات بحكم موقعها الذي لا ينافسها فيه أحد»، ليؤكد على رسوخ فكرة التمثيل المشرف، التي صاحبت فترة مبارك، ولكنها تجاوزت التمثيل في المباريات وغيرها من الأنشطة لتصل لدور الدولة وسيادتها ومكانتها.
أراد الرئيس، على ما يبدو، توصيل تلك الرسالة للعديد من الأطراف، أو من يسميهم قوى الشر، ووجد المدخل لهذا في قصة أتوبيس في محافظة الإسكندرية، حين قام ركاب الأتوبيس بتوجيه التحية له قبل أن يهتف أحدهم «ما تخافش أحنا معاك». العبارة التي كررها الرئيس عدة مرات، مثلت المدخل الذي دار في إطاره الخطاب، سواء وهو يعدد التحديات التي واجهته في مرحلة ما قبل تولي الرئاسة، لتحديات إقامة دولة حقيقية من حالة «شبه الدولة»، مرورا بالإنجازات التي وعد بتقديم كشف حساب أكثر اكتمالا لها في القريب.
ومن الضروري أن تثير عبارة «ما بخافش» الكثير من التساؤلات عن الخوف وما يمثله بالنسبة للسلطة وإدارة الدولة وفضيلة الخوف الغائبة عن المشهد. يتحدث الرئيس عن عدم الخوف بوصفه ميزة، في حين أن المسؤولية ترتب الخوف، والخوف يختلف عن الشجاعة التي لا تقوم على استبعاد الخـــوف بالمطلق بقدر ما تقوم على الـــتوازن بين المعايير المختلـــفة عند اتخـــاذ القرارات والتفكير في انعكاساتها وتأثيراتها. وإن كان الرئيس يكرر في خطاباته أنه مسؤول عن 90 مليونا ومحاسب عليهم فيجب أن يخاف.
أما الحديث عن أن القرارات يجب أن يتم أخذها بدون خوف فهو تعبير لا يتسق مع تأثيرها على الدولة والمواطنين. فمن الطبيعي أن يرتب الإحساس بالمسؤولية حالة من الخوف، وأن ترتب مكانة الشخص في سلم اتخاذ القرار حالة من الخوف. والخوف المقصود هنا هو البوصلة التي تشير للجوانب التي تحتاج إلى تطوير أو السلبيات التي تحتاج لتغيير، أو القضايا التي تحتاج للمزيد من الوقت للنقاش. وكلها أمور تتناقض مع ان يكون تقييم القرار بسرعة اتخاذه والمشروعات بسرعة البدء في تنفيذها في ظل غياب شفافية المنافسة، وتلقي العروض التي تحدث عنها الرئيس بوصفها إضاعة للوقت، وكأننا نعيد اكتشاف العجلة ونخترع نظم إدارة وإقامة مشروعات تتجاوز الدول الديمقراطية، أو أنها أساليب طبيعية في «شبه دولة» ترى أن القرار يحتكم لشخص وليس لمؤسسات، وأن العبرة بكم المشروعات وليس بضرورتها وتوقيتها.
يجب أن يخاف وهو يؤكد في خطاب أساسه عدم الخوف، على أن الناس تصدق إنكار خسائر قناة السويس، في وقت تؤكد فيه البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة انخفاض الإيرادات. ويجب أن يخاف وهو يطالب الناس أن تسمعه وتتوقف عن الكلام في أمور تخص صميم الدولة ومكانتها وسيادتها، وتخص أسلوب ومستوى الحياة، والحق والحرية. ويجب أن يخاف من أن إعلاما مطلوبا منه يدافع عن السلطة ويتبنى خطابها، ويرفض أن يسمع الأصوات المختلفة. ويجب ان يخاف من الخطاب القائم على المزيد من التقسيم على طريقة «المواطنون الشرفاء» و»الكتلة الصلبة» مقابل «قوى الشر». ويخاف من توسيع قوى الشر لتشمل كل صوت معارض وكل من يقدم حقائق تناقض خطاب السلطة، كما يحدث في التعامل مع تيران وصنافير، وتمسك الموقف الرسمي بإنكار مصرية الجزيرتين، ورفض كل ما ومن يقول العكس ويقدم حقائق ومستندات تثبت العكس، على الرغم من أن دور النظام المفترض هو الدفاع عن وحدة وسلامة أراضي الدولة المصرية التي يراها ويتعامل معها بوصفها شبه دولة. يجب ان يخاف وهو يتعامل مع دولة لها حضارة وعراقة وتاريخ في كافة الميادين بوصفها مجرد دولة حديثة وشبه دولة، ومن مدخل شبه الدول يتنازل عن الأرض ويرفض الأصوات المعارضة.
فى الوقت نفسه من الضرورى أن يخاف المسؤول من الناس والمحاسبة، وعلى الناس والدولة، ويجب ان يخاف من الإهمال والتجاوز والظلم وغياب العدل المصاحب أو الناتج لكل قرار.
والمواطن بدوره يجب أن يخاف، لأن مبررات الخوف موجودة ولا يحد منها توجيه رئاسي بالتوقف عن الخوف، في وقت تصاحبه المطالبة بالتوقف عن الكلام والنقاش في قضايا مصيرية، وتقيد فيه الحرية وتستمر الدولة في تسهيل أسباب عقاب المواطن، كلما فكر أن يتحدث أو يجادل أو يرسم أو يكتب أو يغني.
ويجب أن يخاف وهو يرى تراجع مؤشرات الدولة وإحساسه بالأمان وحديث ان مصر شبه دولة، وأنها ليست رائدة ولا تسعى للريادة. ويجب أن يخاف وهو يرى أن جزءا من القصة هو منافسة عبد الناصر وتقديم مشروعات قومية تتجاوز السد وتستحق ترديد الأغاني الحماسية وغفران الأخطاء في تجاوز لحقيقة اختلاف الزمن والبشر والأدوات، وحتى مفاهيم الحقوق والحريات ودور المسؤول والمحاسبة.
أما في حديث الإنجازات غير المسبوقة فيجب ألا تخلو من عدد السجون والمساجين، وحديث الحالات الفردية المتكرر في كل تجاوز لرجال الشرطة، والفقر والمهــــانة، والتـــخلي عن الأرض (تيران وصنافـــير) ووضع غيرها في السياق نفسه (حلايب وشلاتين) باعتبار أن ما ينطبق على الأولى في القياس الرسمي ينطبق على الثانية، وأن المواطن عليه ان يقبل بخسارة جزء للحفاظ على الجزء الآخر، وبالتالي عليه القبول بصمت.
المأساة ان يعمم عدم الخوف بوصفه إيجابية في حين أنه كارثة تستحق التأكيد على ضرورة الخوف من أشياء كثيرة في الحاضر وعلى أشياء كثيرة في الحاضر والمستقبل.

٭ كاتبة مصرية

حديث السيسي وفضيلة الخوف الغائبة

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية