«مكملين»… و«الكعكة في يد اليتيم»!

حجم الخط
20

قالت العرب: «إن الله يضع سره في أضعف خلقه». وقالت الأعراب في تساؤل استنكاري: «هي الكعكة في يد اليتيم عجبة؟»! وما قالته العرب والأعراب يصلح معاً لفهم فوز قناة «مكملين» بأنها من القنوات الأعلى مشاهدة مصرياً، والغضب العارم من قبل إعلام الإنقلاب على هذه النتيجة.
«مكملين» واحدة من قنوات الثورة المصرية، التي تبث من تركيا، وقد تفوقت على قنوات، يقف وراءها رأس مال ضخم، لا نعرف مصدره، ولا توجد جهة رقابية تتدخل للوقوف على هذا المصدر، لأنها تنتمي للقطاع الخاص، والأجهزة الرقابية في مصر تراقب ما تيسر من الأجهزة الحكومية، والأمر هنا لا يضبطه قانون، فالقوة فوق أي قانون، وفي عهد ما قبل «ثورة يناير»، كانت مؤسسات الرئاسة، والمخابرات، والجيش، فضلاً عن وزارة الداخلية خارج الرقابة، بالمخالفة للقانون، فلما قامت الثورة تمكن الجهاز المركزي للمحاسبات، من الإشراف على كل هذه الجهات ما عدا الجيش، ولا توجد معلومات تؤكد أنه قام بالإشراف على أجهزة المخابرات، لكن المقطوع به، أنه أشرف على حسابات وزارة الداخلية ومؤسسة الرئاسة!
ولم تكن هذه الرقابة تحتاج إلى قانون، فالقانون كان يكفل هذه الرقابة، فلما وقعت الثورة المضادة في (3) يوليو/تموز 2013، «عادت ريمة إلى عادتها القديمة»، وظل رئيس جهاز المحاسبات المستشار «هشام جنينة» يعيد ويزيد في أن الجهاز حيل بينه وبين حسابات وزارتي الداخلية والدفاع والرئاسة والمخابرات، إلى أن أطيح به، كما أطيح بكريمته من النيابة الإدارية، بقرار جمهوري من عبد الفتاح السيسي، وفق سياسة «كيد النساء» المعتمدة لديه!
سواء قبل الثورة، أو بعدها، فإن القانون لم يتح لأي جهاز رقابي الإشراف على ميزانية أي وسيلة إعلامية، (قناة تلفزيونية أو صحيفة)، وإن كانت الأجهزة الأمنية مطلعة، ليس بحكم القانون، ولكن استناداً لقوتها، وهذه الفضائيات تعمل في معيتها، وهي التي تأسست في حكم الرئيس محمد مرسي بهدف التمهيد للإطاحة به، وهناك قصص ونوادر عن الأموال التي ضختها دولة معروفة لتمكين الثورة المضادة، وهذه الأموال لم تصل للقاهرة عبر الجان، ولكنها مرت من مطار القاهرة في سلام، فإخواننا في جماعة الإخوان المسلمين، كانوا يرون أن المطار يستخدم في العمرة والحج فقط، وعليه فعدد من الضباط المغضوب عليهم تم نقلهم للعمل في المطار، يقال إن حاشية حبيب العادلي، وزير داخلية مبارك نقلت إلى هناك، على قاعدة ماذا في المطار يمنع وجودهم فيه؟!
ولأن هناك مليارات أنفقت على هذه القنوات، فقد كانت الصدمة الكبرى عندما أعلنت «إيبسوس» بأن الأكثر مشاهدة، هي «أم بي سي» مصر، التي فازت بالمركز الأول، تبعتها قناة «الحياة»، والأولى هي في ما نعلم ليست مصرية، أما الثانية فهي في ما لا نعلم ليست مملوكة للسيد البدوي شحاتة، كما كنا نعتقد، فملكيتها كما نشر لرجال أعمال خليجيين يملكون شركة للأدوية، والمذكور هو «وكيل أعمالهم» في مصر، وشريك بالجنسية، وفي مجال المال والأعمال يوجد شريك بالجنسية وشريك بـ «المجهود»، وتوجد كذلك شراكة نظير الإدارة!
تمنيت أن يرد «البدوي شحاتة» على المنشور، فلا ناقة لي ولا جمل في الموضوع، وما تعنيني هي المعلومة التي هي ضالة الصحافي، لكنه لم يفعل مع أن الكلام لا ينبغي أن يمر مرور الكرام في حال عدم صحته، لأن المنشور مثل تشكيكا في قدرات الرجل في الإدارة، لدرجة أن الملاك الحقيقيين هددوا بعزله!
المفاجأة كانت في فوز قناة «مكملين»، التي قيل في البداية إنها احتلت المركز الثالث، ثم تراجع ترتيبها حتى المركز العاشر، وهناك من قالوا إنها تراجعت لأكثر من هذا بعد الهجوم الكاسح الذي تعرضت له «إيبسوس»، من قبل القائمين على القنوات المصرية، وقد تعرضت لوصلة ردح معتبرة، وأوشك القوم أن يتهموها بأنها شركة إخوانية، وأن يطالبوا بوضعها على قوائم الإرهاب، ووضع العاملين فيها على قوائم ترقب الوصول. لدى خطة بحث عن «ثقافة الردح من الحارة إلى الإعلام.. دراسة أنثربولوجية»، وهناك نماذج كثيرة تؤكد اعتماد إعلام الانقلاب للردح كأداة لقمع الآخر، وهناك قادة دول، عند أول «وصلة» جادوا بـ «الرز»، وتقربوا للسيسي بالنوافل!

أوباما هو الحل

«إيبسوس»، هي شركة فرنسية لأبحاث السوق، ولديها (84) مكتباً في عدد من الدول، ويقال، إنها ثالث أكبر وكالة أبحاث في العالم، لكنها مع هذا يمكن اتهامها بسهولة ويسر بأنها إخوانية، ألم يقل إعلام الخبراء أن «أوباما» من الإخوان، وأن شقيقه هو عضو في التنظيم الدولي للجماعة؟، حتى كاد المرء يعتقد أنه بخروجه من البيت الأبيض سوف تجتمع المكاتب الإدارية للإخوان لتختاره المرشد العام، وتضع حداً للخلاف الدائر في صفوف الجماعة، بعد أن صار لديها إمام غائب، هو نائب المرشد العام للجماعة محمود عزت، يصدر بيانات من خلف السرداب، فتعزز بياناته وتصريحاته من خلفه من نفوذ فريق من المتعاركين على حساب الآخر. الإخواني «بارك أوباما» هو الحل إذن!
مهما يكن الأمر، وسواء كانت «مكملين» هي الثالثة أم العاشرة، فقد تبين أنها من القنوات الأعلى مشاهدة في مصر، وتفوقت على قنوات قديمة كـ «دريم»، و»المحور»، و»النهار»، وفضائيات غنية مثل «صدى البلد» و»سي بي سي». لاحظ أنه لا ذكر للتلفزيون المصري.
ولم تكن إدارة «مكملين» مهتمة بالأمر، فلم تحصل على نسخة من نتائج بحث «إيبسوس»، ولا أعرف إن كان الحصول عليها متاحاً للعامة، أم لا؟ فقد علم القوم في «مكملين» بالنتيجة من الحرب الدائرة بين الفيلة وضد «الشركة الفرنسية»، وهي معركة تم الزج بـ «مكملين» فيها، وليس لها في العير ولا في النفير!
فالحرب على «كعكة الإعلانات» بين القنوات المصرية، وقد دخلت «أم بي سي مصر» على الخط، ولو أن فضائية «مكملين» حصلت على المركز الأول، فلن يفيدها هذا في شيء، فالمعلن لن يغامر بالإعلان في محطة تلفزيونية يعاديها أهل الحكم وتعاديهم، وتتهم السلطة من يعملون فيها بالخيانة الوطنية، لكن هذا الفوز لمكملين بأنها من القنوات الأعلى مشاهدة في مصر، مثل سلاحاً مهماً في «وصلة الردح» ضد «إيبسوس»، فهي تنحاز هنا لقناة «إخوانية»، مما يفقدها الثقة والاعتبار الوطني!
وبالمناسبة ففي دعاية الثورة المضادة، فإن كل من هم مع شرعية الرئيس المنتخب من الإخوان، وكل من يرفضون حكم العسكر من الإخوان، وكل القنوات التي تدين سياسات القوم هي أيضا من الإخوان، وحتى قناة «الشرق» يتبعها دائما لقب «الإخوانية»، مع أن مؤسسها «باسم خفاجي» باعها للدكتور «أيمن نور»، والأول لم يحدث توافق بينه وبين الإخوان أبداً، فلم يكونوا يستريحون له، والثاني ليبرالي، يتجاوز موضوع شرعية الرئيس المنتخب إلى المجهول الثوري!

الملل من إعلام الإنقلاب

لا بأس، فقد تبين أن المشاهد في مصر قد مل من الأذرع الإعلامية لعبد الفتاح السيسي، والدليل أن قناة فقيرة مثل «مكملين» تمكنت من أن تتفوق على قناة بإمكانيات «سي بي سي»، ومعلوم أن القنوات المصرية هي الأعلى رواتب بالنسبة للمذيعين ومقدمي البرامج، حتى بالمقارنة بقناة «الجزيرة»، وراتب لميس الحديدي، هو أكبر حتماً من ميزانية «مكملين» بما فيها إيجار المقر المتواضع في منطقة، وإن كانت الأقرب لمطار «أتاتورك»، فإنها تبدو على أطراف «الحياة» في «اسطنبول». وهي وإن وجدت فيها عناصر إعلامية محترفة، فإن السواد الأعظم فيها، هم شباب صغير السن، حتى تظن وأنت تدلف إلى فناء البناية التي تقع فيها، أنك ضللت طريقك ودخلت إحدى الجامعات!
مشهد يذكرني ببدايات التأسيس لأي صحيفة مصرية، عندما يحضر الشباب الواعد في حماس، يغطي على نقص الخبرة، فيكفي أن قيادات الصحيفة فقط هم من أصحاب الكفاءة المهنية، ليحدث التوازن المطلوب!
«مكملين» تتميز عن قنوات «الثورة» الأخرى، بالاستقرار، فلم تعاني من أزمات ضخمة كقناة الإخوان، التي توقفت أكثر من مرة، وتم تغيير اسمها وسياساتها وإدارتها، وانتقلت ملكيتها من جناح داخل التنظيم إلى الجناح الآخر. كما لم تعان ما عانته «الشرق» من أزمة مالية وأزمة إدارة انتهت بمؤسسها إلى بيعها، ولا تزال إلى الآن تبحث عن هويتها، ولم تحسم خياراتها. ولم تمر «مكملين» بما مرت به قناة «الثورة»، التي حملت في البداية اسم «رابعة»، من أزمة التغيير والتبديل في الإسم وفي الإدارة!
فـ «مكملين» تمارس رسالتها في هدوء، وترسل طواقم العمل فيها للحصول على دورات تدريبية في «مركز الجزيرة للتدريب»، مع وجود أصحاب الكفاءة المهنية ممن نجحوا في أن يصبحوا علامات مميزة لها ومن «حمزة زوبع»، إلى «حسام الشوربجي»، ومن «محمد ناصر» إلى «أحمد سمير»، فضلاً عن تنوع برامجها، فبجانب برنامج «حديث الثورة» هناك برنامج «يستفتونك»، الذي يقدمه الشيخ «عصام تليمة» ويمثل إضافة، تنقص قنوات الثورة، فمنذ يناير/كانون الثاني نسينا أن الناس تريد من يفقهها في الدين، ورجال الدين عندنا صاروا يتكلمون في السياسة وفي الفقه الدستوري، أكثر من حديثهم بقال الله وقال الرسول!

صحافي من مصر

«مكملين»… و«الكعكة في يد اليتيم»!

سليم عزوز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية