هي قناة المخابرات منذ اللحظة الأولى، فقبل الإعلان عن موعد انطلاقها وتفاصيلها، كان حديث المتابعين لأمرها معي لا يكترث كثيراً باسمها «dmc»، أو بصاحبها المعلن «طارق إسماعيل»، ليكون السؤال: هل علمت آخر أخبار قناة المخابرات؟هل تعرف من ذهب للعمل في قناة المخابرات؟ قناة المخابرات ليست مجرد قناة واحدة، وإنما هي حزمة من قنوات ستبدأ في إطلاق القناة الرياضية في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، هكذا قال لي أحد الزملاء، قبل أن يخبرني بأن المناضلة «فلانة» التحقت بالعمل في قناة المخابرات!
فالكل يطلق عليها قناة المخابرات، وربما الجهة الوحيدة التي لا تعلم أن الناس في مصر تنسب القناة إلى المخابرات هي المخابرات نفسها، ليذكرنا هذا بمطار إمبابة السري، الذي سماه الناس باسمه ووصفه «السري»، كما أطلقوا على محطة الأتوبيس القريبة منه الاسم والوصف، فيقول الراكب لمحصل التذاكر: أريد أن أنزل محطة مطار إمبابة السري، فيهتف من مؤخرة الحافلة طالباً من السائق أن يقف في محطة مطار إمبابة السري، ولم تكن السلطة تعرف هذا إلا بعد أن تحول الأمر إلى نكتة فقامت بعد أكثر من ثلاثين عاماً بإلغاء مطار إمبابة السري!
لا ينشغل من يتحدثون عن تلفزيون المخابرات، بأي مخابرات تملك شبكة قنوات «dmc»، ومن يعرف الفارق يؤكد أنها خاصة بالمخابرات الحربية، التي كان السيسي يشغل فيها موقع المدير قبل أن يرقيه الرئيس محمد مرسي، من رتبة اللواء إلى الفريق والفريق أول، ويعينه وزيراً للدفاع. وعلى ذكر هذا فهناك من يردد أن الرئيس محمد مرسي أخطأ بتعيين رجل المخابرات في منصب الوزير، ويقال إن أحد الضباط الكبار أفهمه مبكراً أن هذا خطأ لا يقدم عليه أصحاب الخبرة من الرؤساء العسكريين، وعلى أساس أن أصحاب العقليات المخابراتية يمثلون خطراً، ولا أعرف مدى صحة هذه المعلومة الرائجة، لكن ما لا يعرفه كثيرون أن السيسي لا يمتلك عقلية مخابراتية ولا يحزنون، فهو قادم لمنصب مدير المخابرات الحربية من سلاح المشاة، ضمن مخطط مبارك في الترقية والتسكين، والذي كان يرى أن من الحصافة السياسية ألا يضع الرجل المناسب في المكان المناسب!
خبرة عبود الزمر، أحد قتلة الرئيس السادات في العمل المخابراتي أكبر من خبرة السيسي فيها إن كانت عنده ثمة خبرة، وعبود التحق بجهاز المخابرات الحربية وهو ضابط حديث التخرج، واستمر فيه إلى أن حصل على رتبة «المقدم»، قبل هروبه والقبض عليه بعد واقعة اغتيال السادات، في حين أن السيسي لم يمكث في منصبه سوى سنة فقط بعدها قامت ثورة يناير/كانون الثاني، فجاء ليفشلها ويقود الثورة المضادة يوم معركة الجمل عندما تم غزو ميدان التحرير في أيام الثورة بالخيل، والبغال، والحمير، على أمل أن يستمر مبارك في الحكم ويقوم بترقيته مديراً للمخابرات العامة خلفاً للواء عمر سليمان، الذي تم تعيينه نائباً لرئيس الجمهورية. وسليمان شغل منصب مدير المخابرات الحربية قبل هذه الترقية، لكن نجاح الثورة صب في مصلحة من جاء ليهدمها، فقد أصبح وزيراً للدفاع ثم رئيساً للبلاد بقوة السلاح!
عجين الفلاحة
وقبل أن يعلن السيسي ترشحه للانتخابات الرئاسية والإعلام يدفع به لاتخاذ هذا القرار، فكل الفضائيات معه، والفضائيات التي تمثل خطراً محتملاً أُغلِقت في اللحظة الأولى لإعلان بيان الانقلاب، وعلى قاعدة: «الباب الذي يأتي منه الريح سده وأستريح»!
كل مقدمي برامج «التوك شو» بلا استثناء، صنعوا للسيسي «عجين الفلاحة»، وتسابقوا في خطب وده، سواء من يدعي منه وصلاً بثورة يناير/كانون الثاني مثل «يوسف الحسيني»، أو من هو في عداء مع هذه الثورة مثل «لميس الحديدي»، أو من شارك فعلاً في هذه الثورة مثل «محمد شردي»، وسواء من يمتلك قدرات مهنية هائلة مثل «يسري فودة»، أو من يفتقد إلى المهنية مثل «أحمد موسى»، ومع كل هذا ظل السيسي غير مرتاح للإعلام ويتمنى إعلاماً مختلفاً في الولاء، وأكثر من مرة يظهر في تصريحات معلنة تململه، ويرى أن جمال عبد الناصر كان محظوظاً بإعلامه، مع أنه أعاد الإعلام المصري إلى مرحلة التأميم والرقيب العسكري، كما فعل عبد الناصر!
الناصريون كانوا في البداية يقولون إن السيسي هو عبد الناصر، وأقاموا له زفة لأنه جاء على قدر ليعيد أمجاد الزعيم المفدى، ودبجت مقالات في ذلك، وانتبهت مبكراً إلى أن الرجل على العكس من عبد الناصر فكتبت مقالاً حمل عنوان «الاستدعاء القسري لعبد الناصر»، ولم يكن السيسي قد ذكر عبد الناصر على طرف لسانه، وعندما ترشح رئيساً وحاوره إبراهيم عيسى ولميس الحديدي، بذلا محاولات فاشلة لاستخراج منه ما يفيد أن عبد الناصر يمثل له أي قيمة أو معنى، فتم اللجوء للغة العواطف التي يجيدها وبكلمات مبعثرة، فماذا مثلت له صورة عبد الناصر وهو يراه صغيراً في منزلهم؟.. فلم يقل شيئاً، ولم يؤكد على أن الصورة كان لها وجود أصلاً في منزلهم العامر!
ذكر اسم عبد الناصر على لسان السيسي لم يحدث إلا في حسده على إعلامه، فقد كان ناصر محظوظاً بهذا الإعلام، على نحو كاشف بأن السيسي يفتقد للحظ هنا، وعند استدعاء علاقة عبد الناصر بالإعلام، سوف يستقر في الوجدان أن العسكري قلق من الإعلام بالفطرة!
إعلام ثورة يوليو
عندما قامت حركة ضباط الجيش في سنة 1952، كانت مصر قد عرفت الصحافة الخاصة، ومع ذلك فإن الصحف رحبت بالعهد الجديد، وبعضها كان يتحرك من قاعدة الكيد لحزب الوفد، الذي يملك الأغلبية الجماهيرية، فقد آن الأوان لضمان وقف عودته للحكم بقوة السلاح، ما دامت الجماهير معه، وربما لم تشذ عن هذه القاعدة سوى صحيفة «المصري»!
ورغم هذا الانحياز، فقد حرص الحكم العسكري على السيطرة على هذه الصحف، لدرجة أنه فرض «محمد حسنين هيكل» رئيساً لتحرير «الأهرام» مع أنها كانت لا تزال مملوكة لـ «الأخوين تكلا»، وتم فرض الرقابة. وكانت الثورة في بدايتها قد أصدرت إعلامها الخاص، ومن مجلة «التحرير»، إلى جريدة «الجمهورية»، ومن مجلة «الثورة»، إلى جريدة «الشعب»، ومن جريدة «المساء»، إلى مجلة «بناء الوطن». وقد تطرق لهذه المرحلة بالتفصيل الدكتور كرم شلبي، في أطروحته للدكتوراه «صحافة ثورة يوليو.. موقف صحافة الثورة من قضية الديمقراطية في الفترة 1952 إلى 1960».
ومع هذا الخضوع لثورة العسكر إلا أن عبد الناصر لجأ إلى تأميم الصحافة في سنة 1960، وقبل سنة من تأميمه القطاع الخاص، وفي كتابه «بين الصحافة والسياسة» يقول «هيكل» إنه سأل عبد الناصر عن السبب في تأميم الصحف وأصحابها مؤيدين له؟ فكان جوابه: «لا تثق في من يؤيدك خوفاً». وهذا هو بيت القصيد!
فالسيسي، ليس مستريحاً تماماً لمن يؤيدونه ربما خوفاً، وربما طمعاً في التقرب منه، وربما نكاية في الآخرين، فبعض من يؤيدونه هم في الأساس رعايا لدول أخرى، وبعضهم لديه انحيازات سابقة ولو لنظام مبارك الذي يدين له هو شخصياً بالولاء، وقد رأى منهم من يعمل على القفز من سفينة مبارك عند غرقها فلا يأمن لهم لسابقة القفز ولأن ولاءهم له ليس بالكامل، وليس خافياً على المتابع أن من ينتمون لنظام مبارك بدأوا في الجهر برفض السيسي، فليس كل من يؤيدون حكم العسكر يرونه الشخص المناسب لتمثيل دولة العسكر، وليس كل من ينتمون للدولة العميقة يرونه مؤهلاً لتمثيلها وهو الذي يدور في فلك نفسه!
كما أنه لا يطمئن لكل من أيدوا ثورة يناير/كانون الثاني، وإن سبحوا بحمده قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، فهو يريد أن يصنع بيده «الكورال» الخاص به فكانت قناة «dmc» ، وهذا يتأتى عندما بدأ في استجلاب مجموعة من شباب الإعلاميين لصناعتهم وعقد معهم اجتماعات عدة، انتهت بالاجتماع الأخير الذي طالبوا فيه بالإفراج عن عدد من الشباب المعتقل المنتمي للقوى المدنية التي أيدته بالمشاركة في 30 يونيو/حزيران!
كانوا يهدفون إلى إظهار أنهم يستغلون حالة القرب مع الحاكم في هذه «الوساطة»، وقد اعترف لهم السيسي بأن بعض الشباب سجن ظلماً ثم طالبهم بأن يعدوا قوائم بهم، ويبدو أنه فكر وقدر وعلم أنهم ليسوا من النوعية التي يريد، فهو يريد عساكر تنفذ الأوامر وتسمع للقائد، ولا تطلب منه شيئاً، ولا تناقشه في وجهة نظر، فتم وقف هذه اللقاءات!
المطلوب سيساوياً
عندما يقال إن من بين من ستستعين بهم القناة الوليدة هم «عمرو خليل» القادم من «النيل للأخبار» ومنها إلى «سي بي سي»، وكذلك «دعاء جاد الحق» وهي من تنقلت بين «النيل للأخبار» و»المحور»، عندئذ ستعلم النوعية المطلوبة سيساوياً، فلم يضبط أحد من المختارين للتقديم في هذه البرامج متلبساً بموقف أو برأي. فضلاً عن اختيار «هناء السمري» التي غادرت قناة «المحور» بعد تنحي مبارك، وهي التي تتميز بالجهل النشط، ولم يستطع صاحب «المحور» أن يبقي عليها في المرحلة الثورية وهي كانت مفضوحة بانحيازها، وهو الذي كان قد قرر أن يبحث له عن موقع في عهد الجديد، سواء في حكم المشير أو في حكم مرسي. ولم يبق إلا أن يستدعي السيسي «نيرفانا إدريس»، الجليسة السابقة لعمرو أديب!
وهناك، بطبيعة الحال، اختيارات مؤقتة بطبيعتها، في مرحلة التأسيس لقناة يقولون إنهم سينافسون بها «الجزيرة»، والعسكر ولأنهم يديرون الأمور بالفكاكة، فهم يعتقدون أن كل من مشى على رصيف «الجزيرة» فهم أصول اللعبة، وكل من مر من «دوار التلفزيون» المواجه لمبنى القناة القطرية، أمكنه الوقوف على «أصل الصنعة» ودليل التميز، وأن كل من عمل في «الجزيرة» يمكنه أن يصنع «جزيرة» مثلها، وكل من زار الدوحة صار مؤهلاً لصناعة إعلام منافس لـ «الجزيرة»، وكأنها «شربة خروع» توزع في مطار حمد!.
إنه نمط التفكير العسكري، وليس المخابراتي فقط، ورغم أنهم يقولون إن «dmc»، قناة المخابرات، فظني أنها جهة إدارة واختيار، ودورها كدور رجل الأعمال «طارق إسماعيل» مالكها على الورق فقط، فهذه قناة السيسي وليست قناة المخابرات!
قل تلفزيون السيسي، ولا تقل تلفزيون المخابرات، وسوف يستكمل فشله فيه. فقد فشل في البر والبحر وآن له أن يفشل في الجو، حيث الأطباق اللاقطة.
كاتب وصحافي من مصر
سليم عزوز