هل للرواية ذاكرة إجناسية؟

غالبًا ما يُطرح سؤال الذاكرة كلّما أُثيرت مسألةُ إِجْناسية الرواية نظرا وإجراء. ونُواجه- هنا- مسألتيْن لهما صلةٌ بالموضوع:
أ- معرفة ما إذا كانت الذاكرة مُكوِّنًا من بين المُكوِّنات المركزيّة التي لا مناصّ من استحضارها في تفكّر الجنس الروائيّ.
ب- معرفة ما إذا كانت الرواية تمتلك مثل بقية الأجناس الأدبيّة الأخرى ذاكرة. وتَرِد المسألتان معا عند إيزابيل دوني في مقال لها يتعلّق بـِ»الذاكرة المُتفرِّدة للرواية». وتُثير هذه المسألة الأخيرة أكثر من إشكال لسببين؛ يتمثَّل أوَّلُهما في كون جلّ الأدبيات التي تناولت مسألة الجنس الأدبيّ، وضمنها الرواية، تكاد تَنظر إليه من زاوية عدّه مُمْتلِكًا ذاكرة. لا يتعلّق الأمر- هنا- بتعبير مجازيّ؛ حيث يُشبَّه الجنس الأدبيّ بالذاكرة الفيزيولوجيّة للإنسان، بل بمدى وجود عناصر ذاكريّة في الجنس الأدبيّ تستمرّ في التاريخ مُعانِدةً الزمانَ، ويُستطاع بفضل تكرارها تعرُّفُ الجنس الأدبيّ. وتُطرح في صلب هذا التعرّف مسألة هويته التي تتّصل بهذه المُكوِّنات التي تتكرَّر في الزمان. ويُحبَّذ قبل ملامسة هذه الإشكالات عرض الكيفية التي عالجت بها إيزابيل دوني علاقة الرواية بذاكرتها. ونقترح بعد هذا العرض بعض الخيارات القمينة بتطوير النقاش في هذا الجانب، لا حسمه.
 تنطلق إيزابيل- في هذا النطاق- من ارتباط الذاكرة الإجناسيّة بالهوية التي تُقام بوساطة استمرار عناصر شكليّة مُعيَّنة في الزمان، واستقرارها بغاية ضمان الهوية التي تتأسّس بمُوجبها ذاكرة الجنس الأدبيّ. وتظنّ الباحثة وفق منطلقها هذا أنّ الفنون الأدبيّة- باستثناء الرواية- تتميَّز باستقرار أشكالها؛ ما يجعلها مُتمتِّعة بذاكرة يُمْكِن الرجوع إليها. وتُشكِّل هذه الذاكرة المُكوَّنة من تراكم الشكل المُستقِرّ تاريخَ هذه الفنون. بينما تفتقر الرواية إلى هذا التاريخ نتيجة عدم استقرار شكلها، واضطراب هويتها. ولا تكتفي إيزابيل بمسألة استقرار الشكل، بل تتساءل إلى جانب ذلك عمّا يُمْكِن أن نحتفظ به من قراءة رواية ما، وما الذي يُقاوم فيها النسيان؟ وتُجيب عن هذا بكون القارئ يحتفظ من قراءة الرواية بما هو غير نمطيّ. وحتّى تُثبت هذا الحكم تجعل من التكرار معيارا في الفنون الأخرى لنقل ميراثها، على عكس الرواية التي هي فنٌّ يتّصف بالتفرّد؛ فلا شيء فيها يتكررّ كما الحال في الفنون الأخرى.
تضع إيزابيل مبدأَ التحوّل- في تحديد علاقة الرواية بالشكل- محلَّ التكرار الذي يُميِّز بقية الفنون الأخرى؛ فالرواية تقبض على التحوّلات في العالم من حولها؛ من دون أن يعني هذا عدم تذكّرها ما كان موجودًا ولم يَعُدْ كذلك. ولا يُمْكِن للرواية إلّا أن تمتلك حرية مُوازية تُتيح لها تجاوز الإرغامات التي تحدّ من بحثها عن الشكل الأنسب لاستيعاب هذه التحوّلات. يقود هذا المُعطى إيزابيل إلى التساؤل عمّا هي الذاكرة التي ترسم بها الرواية خطّها المُتواصِل في تاريخ الفنّ؟ ولكي تحلّ المُشكلة تطرح فرضية معكوسة: إذا كانت الرواية تتّصف بالشكل الأكثر تغيُّرا، وبلسان نثر الأيّام، والاتّصال بموضوعات الواقع المُباشر فهي تتطلّب- إذن- نمطًا ذاكريًّا يُخالف النمط المُميِّز للفنون الأخرى والقائم على التكرار. ولكي تُظهر هذا الاختلاف ترى بأنّ هذه الفنون هي نتاج لذاكرتها؛ أي أنّها تتطوّر بفضل ما لهذه الذاكرة من صيغ تسمح باستمرارها عابرةً القرون. وتذكر إيزابيل دوني من ضمن هذه الصيغ على سبيل التمثيل لا الحصر: أ- الإيقاع والقافية بالنسبة إلى الشعر، وتَعُدُّه نتاجًا لهما. ب- الوعي غير الزمنيّ بالنسبة إلى النماذج الكبرى التي عملت على تمثيل النفسي الإنسانيّ، كما هو الحال بالنسبة إلى الحكايات الشعبيّة والمآثر. ولكي تُجيب إيزابيل عن سؤال الذاكرة الروائيّة المُغايرة تلجأ إلى علاقة القارئ بالنصّ الروائيّ، وترى أنّ ما يُشكِّلها هو انطباع الحسرة الذي يشعر به القارئ تُجاه ما لا يُمْكِن مُصادفته مرة أخرى في نصّ آخر؛ فللرواية نسخة وحيدة لا تتكرَّر، ويتمثَّل ما لا يُنسى من قراءة عمل روائيّ في الجانب  المُلْغِز منه.
ما تُقرِّره إيزابيل من إجابة يتّصل بذاكرة القراءة، وهي غير ذاكرة الجنس الأدبيّ؛ فهذه الأخيرة تتّصل بإشكال المعيارية والهوية. وينبغي أن نُفكِّر في حلٍّ آخر أكثر مقبولية؛ فإذا كانت الذاكرة الروائيّة هويةً فلا بدّ من تحديد المُكوِّن المُستمِرّ فيها. وينبغي لضبط موضع هذا الأخير التمييز بين ثلاثة مُستويات: البنية التمثيليّة، والشكل الداخليّ، والشكل الخارجيّ.
تقوم البنية التمثيليّة على عناصر ثلاثة: أـ المُتناهي وموضوعه الحياة الجارية. ب-تمثيل اليوتوبيِّ (بول ريكور: كتاب «الأيديولوجيا واليوتوبيا»). ج- الفردانيّ غير المُتطابق مع الرؤية الكلّيّة التي تمتلكها الجماعة أو المجتمع، واتّصاله بالشرخ الحادث بين الحياة الداخليّة والخارجيّة بما يعنيه من فقدان للمعنى (جورج لوكاتش: «نظرية الرواية»). وقد نُضيف إلى هذا الشكلَ المعماريَّ كما حدَّده ميخائيل باختين في الوقف الفكري والأخلاقي (الموضوع الجماليّ). ويقوم الشكل الداخليّ (كارل فـيوتر) على الحبكة أو منطق الحدوث (تماسكا أو تفكّكا)، بينما يُقام الشكل الخارجيّ على الجانب المادّيّ المُتمثِّل في التشكيل الكتابيٌّ (الشكل التأليفيّ عند باختين). تسمح لنا المستويات السابقة بضبط الطريقة التي تشتغل بوساطتها الثنائية (التكرار/ التفرّد) في تحديد الذاكرة الروائيّة؛ حيث يُمْكِن عدّ البنية التمثيليّة المكوّن المُستمرّ (المُتكرِّر) الذي يضمن تحديد الهوية الإجناسيّة للرواية؛ وهي تاريخيّة؛ إذ تختلف عن بنية التمثيل الملحميّ الذي يستند إلى مبدأ الكلِّية، كما أنّها إجناسيّة فوق نصّيّة، لا نوعيّة نصّيّة. أمّا الشكل الداخليّ فيتّصل بالعناصر التي لها صلة بالنوع؛ حيث تختلف أشكال ترتيب الحدوث وفق الأنواع، وما تحت نوعيّ. وتعمل عناصر الشكل الداخليّ على تحديد الهوية النوعيّة، وتُسهم في تأسيس ذاكرتها. بينما يظلّ الشكل الخارجيّ (النصّيّ) مجال التفرّد الذي يطول الكتابة (التجسيم، والتشخيص اللسانيّ، والترتيب الموضعي للعناصر الشكلية)، ويُمْكِن- هنا، وهنا فقط – الحديث عن الأثر المُتميِّز الذي يُخصّص النصّ الروائيّ دون غيره. ولا بدّ من الإشارة في النهاية إلى تاريخية الرواية التي تتوسّط بين النصّ والنوع؛ حيث يُعَدُّ التراكم التاريخيُّ مُستودعَ أساليب يُؤثِّر في تعرّف الهوية الروائيّة، لكنّ الُمشكلة تظلّ- مع ذلك- واردة في ما يخصّ التمييز بين الذاكرة الإجناسيّة وفعل الذاكرة الفرديّة الفيزيولوجيّة. وهذا ما سنُعالجه في المقال المُقبل.
أديب وأكاديمي مغربي

هل للرواية ذاكرة إجناسية؟

عبد الرحيم جيران

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية