ليبيا بلد أفقر نفسه.. عدده قليل وخيره كثير

حجم الخط
5

هناك من يطعن في ماهية ثورة 17 فبراير الليبية، فيتم التشكيك فيها، وفيما قد تحققه من إنجازات على الأرض إذا تحققت لها النزاهة والصمود. حتى أنه تعالت أصوات الآن نتيجة الوضع المتردي، تمدح عهد العقيد القذافي وتعقد المقارنة بين عهده وما بعده لتتعزز فينا تلك الشكوك، ما يحدث لدى الشعب إحباطات وتنتابه حالة من الاكتئاب والفشل فيعجز عن مواجهة ما يمكن أن تتمخض عنه تلك الثورة وممارسات أعدائها.
وهذا لا محالة يطرب أسماع الذين يروجون ويحثّون السعي للإطاحة بالثورة واقتلاعها من جذورها، ويثلج صدورهم. وكأننا نغفل نتاج تراكمات عهد العقيد وما بذره وسهر على رعايته ليتجذر ونجني نحن أشواكه. عدة عوامل أفرزت كل ما أصاب الليبيين من كوارث وأصيبوا في مقتل، منها رؤوس الفساد، التي كان لها الضلع الأكبر في إفساد الحياة السياسية والاقتصادية في ليبيا. البعض دخل عبر الأحزاب، وكان من استحقاقات الثورة أن لا تدخل هذه العناصر في الجسم الليبي فتلوث مناخه، والبعض أراد من وراء العزل السياسي باطلاً ليعمق الجرح الليبي فيجر إلى العزل الاجتماعي، ولتتوافر الفرصة ليضطلع ببعض المناصب هو ومن يوالونه، وكانت لهم الأيادي الطولى في تحريك الفوضى وجني المكاسب على حساب مواطنيهم، والذين بقوا في السلطة حجبوا درجة الكفاءات، فهم في معايير العزل السياسي لم يتبنوا معايير صحيحة وجيدة للنزاهة، إذ لم يقرّوا إبعاد من عليهم ملاحظات أو من ساهموا في الفساد، بل اتبعوا المعيار الزمني منها وتركوا جانباً المعيار النوعي الذي، كان يجب مراعاته أو لنقل بالأحرى تغاضوا عنه، ولم يستهدفوا رؤوس الفساد التي تجذرت من جديد.
كذلك انتهازيو الخارج من بعض معارضي القذافي في عهده، والمزايدون، الذين لبسوا عباءة الثورة وتقيّفوا بها فاحتلوا مناصب في أماكن ذات حيوية وحساسة في الدولة وهم بالأمس كانوا يرسخون لحكم القذافي ونظامه. ثم تـأتي قوارب الموت التي تموج بها شواطئ البحر المتوسط فتحصد أرواح الكثيرين، الذين فروا من الوضع المتدهور في ليبيا، إضافة إلى مستغلي ذلك الوضع الذين أثروا ثراء فاحشاً، فاكتملت الصورة لتقضي على بقية الشعب الليبي الذي لم يسعفه الحظ ليقطف ثمار ثورته ويستمرأها، الثورة التي اندلعت لتمحو نظاماً ابتلع طموحات ذلك الشعب وازدرد خيراته وألقى له بالفتات، ليعلقه بوعود تُسيل لعابه بين الفينة والفينة، كلما شعر ذلك النظام بأن خطراً ما قد يداهمه.
التوترات القبلية الآن، التي طفت على سطح الأحداث بشكل ملحوظ، والتي كان رائدها احنيش القذافي، بإيعاز من العقيد، الذي لعب على وترها وأرسى قواعدها، ورسخها ليجني مكاسب جمة من ورائها لتمزيق نسيج الليبيين، فأي قبيلة ترفع صوتها معترضة، يقوم بمحاباة قبيلة أخرى ويسلطها ضدها، ويخلق أسباب فتنة بينهما حتى يركعها وتستسلم لشروطه. في حين أن القبيلة تكوين أو نظام اجتماعي شرّع للتآلف والمحافظة على أرواح الناس والممتلكات والدفاع عن حقوقهم في حال وقوع أي ظلم أو اعتداء أو للقيام بمصالحة بين بعض الأطراف في حال وجود أي خلاف. ولم تبدأ هذه الحساسيات القبلية في ليبيا إلا مع بداية الصراع على المناصب والمحاصصات المناطقية في عهد المملكة.
ترويج ثقافة الموت والإجهاز على أرواح الليبيين خطفاً وسجناً وتعذيباً وقتلاً، تمارسه ميليشيات، بعضها جهوية صميمة وبعضها تحت أجندة مشروع سياسي ظاهره الإسلام وشعار الله أكبر، أما باطنه فنقمة وابتزاز لثرواتنا ومقدراتنا واستنزافها، وتفقير الشعب على الرغم من كل النعم التي أغدقها الله على هذا البلد وأهمها النفط. والأدهى من هذا كله أن هناك من بين ظهرانينا من أعطى دفعة قوية لتنظيم «داعش» الذي عزز قواته واحتل المزيد من الأراضي لتوسيع خلافته وتعزيز السلطة الدينية والقانونية الخاصة به.. وعلينا أن نتصور ما الحال التي آلت إليها ليبيا عندما تزامن ذلك مع ما يقوم به اللصوص والمجرمون، الذين أطلقهم العقيد من السجون إبان ثورة فبراير وزودهم بالسلاح، والذين بلغ عددهم أكثر من 16 ألفا، كي يناصروه ضد الثوار، فهاجموا مراكز الشرطة ليحرقوا ملفاتهم حتى يتم التعتيم على جرائمهم، فيتعذر العثور عليهم حيث اندسوا بين الناس، ثم عاثوا في أموال الناس وممتلكاتهم، ونشروا الرعب بين المواطنين، الذين خرجوا فقط ليطالبوا بحقوقهم سلمياً. كل ذلك بالتعاون مع أنصار القذافي الفارين خارج ليبيا بجُل ثرواتها. وجهات خارجية قابعة على شواطئ البحر المتوسط وغيرها، سواء أكانت على المستوى الإقليمي أم العالمي، تتبادل الأدوار للعبث بمصير الليبيين وتمد مخالبها بقفازات ناعمة، تخطط وتفبرك وتسرق بشراهة، من دون عناء، من ثروات ليبيا، وتقوم بوظيفتها في إثارة القلاقل والفتن والتشتيت، وتعزز الحرب الأهلية داعمة ذلك بالسلاح، متخذة أراضينا سوقاً لترويجه فنتصارع على السلطة والجاه، ونجهز على بعضنا بعضا، ونترك العدو الحقيقي لنا يصول ويجول ليتفضل علينا بتحريرنا من «داعش» صنيعته وغيرها، طارحين شركاتهم كي تقوم بترميم ما دمرته الحرب التي كان لهم الدور الأكبر فيها، مُمتنين لغبائنا وتكالبنا على المناصب والثروات، فيتم الغدر بليبيا وتسليمها بعد عرضها في المزاد العلني والمساومة عليها. كانت ثورة 17 فبراير ثورة أخلاق عالية، ولم تكن ثورة رعاع، ولا يعيبها أولئك الذين اندسوا فيها والذين كانوا وما زالوا يتأرجحون بين ينَعان الثورة أو ذبولها، حتى تم الالتفاف عليها ممن كانوا يتربصون بنتائجها ليظفروا بما كدوا لأجله.
الثوار الحقيقيون، هم النموذج الحي للرد على الترهات بأن الليبيين ممكن أن ينقسموا في محاولة جديدة لتقسيم ليبيا إلى ثلاث ولايات بإحياء مشروع بيفن سفورزا. لذلك يتحتم علينا والنخب السياسية وكل من تبقى من أحرارنا، الذين ساهموا فيها مساهمة فعالة من دون أجندات أو غايات شخصية ونيات مبيتة، عدا حرصهم على الوطن، يتحتم علينا إذكاء شعلتها والسهر عليها والدفاع عن تلك اللحمة التي بناها الشهداء وعززوها، كذلك سلطة الشارع المنظم وليست الغوغائية، البسطاء الذين تحملوا أعباء الثورة ولم يجنوا ثمارها، إذ تآزرت علينا قوى خارجية وداخلية لمحاولة اجتثاث أصولها والتعتيم على أهدافها ومصداقيتها. نحن في حاجة ماسة إلى حراك شعبي يصحح المسارات المنحرفة، ووقفة عاجلة، جادة وحازمة، واتخاذ قرارات حاسمة تؤثر في الوحدة الوطنية فتمتّنها، وخلق حاضر آمن يقود إلى مستقبل واعد. ويكفينا الغوص في وحل عجزنا وقهرنا. وإن تباطأنا وتقوقعنا مستسلمين بخنوعنا لليأس والإحباط فنكون بهذا قد قمنا بخيانة ثورة فبراير، والدماء التي سالت من أجلها، ونكون بالفعل، قد أعدنا إنتاج الظلم والقمع، فيذهب ريحنا ويتغول علينا أكثر عدونا الظاهر والخفي من كل حدب وصوب.
كاتبة وإعلامية ليبية

ليبيا بلد أفقر نفسه.. عدده قليل وخيره كثير

زينب محمود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية