مخطط تصفية ماسبيرو… إلى الأمام يا سيسي!

حجم الخط
7

ليس عندي دفاع عن التلفزيون المصري، الذي قمت بحملة هجوم على فشله، على مدى عشرين عاماً متواصلة، سواء هنا في هذه الزاوية «فضائيات وأرضيات»، أو في صحف أخرى!
بيد أن الحملة عليه الآن، من قبل قنوات مصرية خاصة، بدت لي عملية مخططا لها، ليس بهدف الارتقاء به، إنما المستهدف هدمه، لصالح مشروعات إعلامية أخرى يتبناها السيسي، ولهم في الحملة عليه مآرب أخرى، لا تعلمونها الله يعلمها.
لا يوجد أحد من عامة المشاهدين وخاصتهم، لفت انتباهه أن حوار السيسي مع قناة «بي بي أس»، الأمريكية هو حوار العام الماضي، والذي أذاعه التلفزيون المصري على أنه حوار هذا العام؟! واللافت أن مذيع قناة «صدى البلد»، الذي أقام مأتماً وعويلاً بسبب هذا الخطأ، لم يقدم شيئا في الموضوع للمشاهد يميز به بين مقابلة السيسي في العام الماضي، ومقابلته في هذا العام، فلم يقل لمشاهديه ما هي تجليات زعيمه هنا وتجلياته هناك، فقد اكتفى بأن حوار العام الماضي، أجرته «مذيعة أنثى»، وحوار العام الحالي أجراه «مذيع ذكر»!
هناك أربعة احتمالات لعدم اكتشاف أحد من المشاهدين لهذا الخطأ:
الأول: إذاعة المقابلة في وقت متأخر من الليل، لفروق التوقيت بين القاهرة وواشنطن، وبالتالي فلم يهتم المصريون بمتابعة الحوار!
الثاني: أن التلفزيون المصري الرسمي لم يعد له مشاهدون، يتابعونه، فيمكنهم الوقوف على أنها المقابلة المذاعة في العام الماضي.
الثالث: لم يعد هناك مهتمون بما يقوله السيسي ومن ثم فلم يكترث أحد بمتابعة حواره مع القناة الأمريكية.
الرابع: أن السيسي لا يقول كلاما ذا قيمة، يمكن أن يعلق في الأذهان، ومن خلال هذا يمكن للمشاهد أن يكتشف بنفسه أنها مقابلة العام الماضي. وغاية ما هنالك أن الناس تنتظر إلى حين بث بعض الفيديوهات ومقاطع الحوار على الـ»سوشيال ميديا»، والتي تضحك الثكالى باعتبار أن هذا يكفي ويفيض عن الحاجة!

ظهور عضو لجنة السياسات

الحملة التي نصبها أحمد موسى على قناة «صدى البلد» للتلفزيون الرسمي بسبب هذا الخطأ بدت مدفوعة بالغرض، فبعد وصلة الهجوم، استدعى «هتيفة السلطة»، فهاجموا مبنى التلفزيون المصري، ومن فيه، وفشله، وكأن الفشل لم يتبد للناظرين سوى الآن، فأين كانوا طيلة السنوات الماضية؟! ومنهم من هو متخصص في مجال الإعلام وهو سامي عبد العزيز، العميد السابق لكلية الإعلام في جامعة القاهرة، والذي عزله الطلاب، رغم إرادة المجلس العسكري بعد الثورة، فلا يليق بعد ثورة عظيمة أن يظل العميد المعين في مكانه، وهو عضو لجنة السياسات في الحزب الوطني «المنحل»، لكن العسكر الذين فشلوا في الإبقاء عليه في موقعه في أيام الثورة، أعادوه ليتصدر المشهد، مع تولي عبد الفتاح السيسي الحكم، وبداية الحضور كانت في حفل افتتاح «التفريعة»، أو ما سمي بقناة السويس الجديدة، ثم صدر قرار بضمه للجنة الانتخابات، لتوظيف خبرته في مجال التسويق، وباعتبار أن الانتخابات في زمن الانقلابات العسكرية تجارة بائرة، تحتاج من يسوقها. لقد أطاحت الثورة بسامي عبد العزيز، فأعادته الثورة المضادة، وهي تتحسس خطواتها، وقد يصبح وزيراً للإعلام إذا عادت الوزارة الملغاة!
في الهجوم على التلفزيون وتأكيد فشله، بدا من نصبوا حملة إطلاق الصواريخ عليه، وقد «أخذتهم الجلالة»، فاعتبروا أنها مؤامرة ضد السيسي تحاك في المبنى، مع أنه في الأساس جهاز أمن يمتلك شاشة، وفي ليلة 28 يناير/كانون الثاني 2011، وقع تحت قبضة الجيش، وتم تعيين لواء أركان حرب رئيساً لاتحاد الإذاعة والتلفزيون، وهو عضو في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وعندما حدثت السيطرة على كل بقعة فيه عاد للإدارة المدنية التي هي في الشكل!
ومعنى أن تكون هناك مؤامرة تحاك ضد السيسي في المبنى، فهذا يصدق القصص التي ينسجها البعض عن أن هناك غضبا داخل معسكر الحكم ضد السيسي وقد ينتهي بعزله.. لكن هناك مداخلة ضبطت الإيقاع بالقول إن جماعة الإخوان المسلمين تقف وراء ما جرى، ومن ثم كان الطلب بتطهير التلفزيون من الإخوان!
هذا الاستدعاء القسري للإخوان في كل فشل للقوم، تحول إلى عقدة مرضية، جعلت من الإخوان «الرجل الأخضر»، والشبح الذي يسيطر على كل مفاصل الدولة المصرية، ويحركها كما يريد!
لقد ارتفعت الأصوات تطالب بإقالة جميع قيادات التلفزيون، لأنها قيادات فاشلة، فذهب رئيس قطاع الأخبار كبش فداء، ولم يقترب أحد من رئيسة اتحاد الإذاعة والتلفزيون صفاء حجازي، لأنها مسنودة بسلطة العسكر.

مربط الفرس

الحديث عن القيادات الفاشلة، يوحي كما لو كانت هذه القيادات قد ارتقت للمواقع العليا بالأقدمية، أو بالانتخاب، مع أن هذه القيادات هي من الاختيار الحر المباشر لسلطة الحكم، وهي المسؤولة عن تدمير هذا المبنى رغم إمكانياته الهائلة، لأن المتتبع منذ أيام الرائد متقاعد صفوت الشريف، إلى الفريق أول عبد الفتاح السيسي، أن المناصب العليا محجوزة، لمن يطمئنوا إلى فشله، ويبدو أنها سياسة دولة، ولا يجوز أن تستغل هذه الاختيارات الفاشلة ضد العاملين في المبنى لأنهم لم يكونوا أصحاب يد فيها، ليتم توجيه الإهانة لهم، وكمبرر لتدخل السلطة في تطبيق خطتها في تسريحهم.. وهذا هو بيت القصيد ومربط الفرس!
رئيس قطاع الأخبار «المقال»، أرجع الخطأ إلى «تغيير الشيفتات»، فقد انتظروا بث الحوار، ومن انتظر جاء موعد انصرافه، فكلف بالمهمة من استلم منه العمل، ثم قال عذراً أقبح من ذنب، فقد انتظروا إلى حين أن وضعت المحطة الأمريكية رابط المقابلة على صفحتها على «الفيسبوك»، وهو كلام يوحي بأن المتهم هو هذه المحطة التي وضعت رابط مقابلة العام الماضي.
وهو دفاع يكشف عن بؤس، وعن إدارة تمثل عنوان الفشل، ومرة أخرى فإن قيادات المبنى لم يجر اختيارهم بالانتخاب، أو وفق مواصفات مهنية خاصة، فالترشيح أمني، والاختيار سيساوي. ولا أعرف كيف لا يكون اتحاد الإذاعة والتلفزيون على اتصال بالمحطات الأمريكية التي أجرت مقابلات مع السيسي فتنقلها في الوقت نفسه، أو بعده وبنسخة خاصة من الحوار تسلم من القنوات الأمريكية إلى التلفزيون الرسمي؟ لكننا لسنا أمام تصرف بائس وحسب، فهذا التصرف أنتجته عقلية أكثر بؤساً، هي من الاختيار الحر المباشر للنظام الحاكم!
هل يعقل أن ينتظر التلفزيون المصري على صفحة «الفيسبوك» الخاصة بمحطة «بي بي أس»، وعلى جمر النار، في انتظار بث مقابلة أجرتها المحطة مع من يطلقون عليه رئيساً لجمهورية مصر العربية؟ وإذا كانت القيادات الجديدة للمبنى عقيمة على هذا النحو، فأين الطاقم الرئاسي من هذه الأمور؟ إنه البؤس الذي صار يحكم مصر، وتجلى في أداء التلفزيون الرسمي مع مقابلة عبد الفتاح السيسي!
وإذا كان مذيع «صدى البلد» قد بنى هجومه، على أن مقابلة العام الماضي أجرتها «واحدة ست»، ومقابلة هذا العام أجراها ذكر، فقد راعني، أن من تولى عملية البث لم يلفت انتباهه، هذا العرقوب الذي يذبح الحمامة، كما يقول أهلنا في الصعيد، للمذيعة الأمريكية، ولو أنه شاهد مقابلة العام الماضي، فمؤكد أنه أن يكون قد رعاه هذا العرقوب، وهو من النوع منقطع النظير، على العكس من مذيعة «سي أن أن»، التي جلست في مواجهة السيسي، وقد تعرت سيقانها، فأعطت مثالاً حياً على معنى السيقان الملفوفة، وقد أضاف أحد الصحافيين من أنصار السيسي خصلة جديدة إلى الخصال الحميدة، التي يتمتع بها الزعيم المفدى، وهي قدرته على غض البصر، واعتبر أن هذا سلوك رجال القوات المسلحة، ألا وهو غض البصر!
مرة أخرى نتساءل عن طاقم الرئاسة، ولماذا لم يتم التنبيه على المذيعة أنها ينبغي في حضرة حاكم شرقي أن تكون أكثر احتشاما، بدلاً من وضعه في إطار التجربة، فينجح بغض البصر؟!

المسؤول الحقيقي

ما علينا، فقد كنت أتمنى أن يجري تحقيق لمعرفة من المسؤول الحقيقي وراء بث المقابلة القديمة للسيسي، ولماذا لم يكن هو جزء من المخطط ضد ماسبيرو؟! فلست مقتنعاً أن إذاعة هذه المقابلة لفتت انتباه «موسى» أو أي في فريق عمله، أو أحد من مصادره، وكلها جهات أمنية، ثقافتها فرانكفواني وليست «أمريكاني»، ولو كان الأمر مرتبطا بالمصادر لاتخذت الحكومة قرارها قبل الإعلان عن الفضيحة في برنامج تلفزيوني!
في الحملة التي ظهرت منظمة تم الحديث عن ضرورة أن يرفض البرلمان الموافقة على صرف ميزانية اتحاد الإذاعة والتلفزيون للعام المقبل، وهي حملة تستهدف تصفية التلفزيون المصري لصالح الشبكة الجديدة التي يصنعها السيسي على عينه «دي أم سي»، أو قناة المخابرات، والتخلص من أكثر من أربعين ألف موظف في مبنى ماسبيرو، ضمن خطة السيسي في تخفيض أعداد موظفي الدولة، وأيضاً لأن المبنى يقع في منطقة مثلث ماسبيرو، والمخطط له هو بيع هذه المنطقة بعد طرد سكانها!
فمثلي لا يقتنع بأنها الحمية المهنية، فمن قاد الحملة هو من سبق له بث لعبة «بلاي شيتشن»، على أنها القصف الروسي على مواقع «داعش»، وظل ربع ساعة يعرض اللقطات ويمجد في القوة الروسية الجبارة.
إنها خطة تصفية التلفزيون المصري، وإخلاء مبنى ماسبيرو، وبيعه بعد هذا خردة، وقد ظهر جليا بالإضافة إلى هذا وفي مناقشات اليوم التالي على البرنامج ذاته أنه يجري التمهيد لعودة وزارة الإعلام وبرز كثيرون في المشهد منهم مجدي أبو عميرة، الذي تحدث عن تاريخه ضد الإخوان مع أن وزير الإعلام الإخواني هو من اصطفاه واجتباه، كما ظهر الشقيق الأكبر لتامر أمين، وسامي عبد العزيز، وهناك من يختبئ للجميع في حقول الذرة وهو وزير الإعلام السابق في مرحلة حكم المجلس العسكري أسامة هيكل!
إلى الأمام يا سيسي فقد تم تمهيد الطريق لك.

صحافي من مصر

مخطط تصفية ماسبيرو… إلى الأمام يا سيسي!

سليم عزوز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية