أكيد أنّ التفكير في ميلاد الجنس الأدبيّ، في هذا المقال، لن يكُون إلا من طبيعة تأمليّة، وما يُمْكِن جعله موضوعًا لهذا التأمّل هو تاريخية الجنس الأدبيّ، بما يعنيه هذا الأمر من تفكُّر سياق نشأته، والشروط التي حتَّمت الحاجة إليه، والتحوّلات الزمانيّة التي جعلت منه ضرورة تفكّريّة.
وفي مُقدِّمة هذا ظهورُ الألسن القوميّة، والانفصالُ عن اللسان اللاتينيّ الذي كان رسميُّا مُعتمَدًا في الكتابة العالمة، وفي الرسائل والمكتوبات الإداريّة، والشؤون الكنسيَّة، والفكر الدينيّ، والإنتاج التخييليّ المُكرَّس. ومن ثمّة ظهرت مسألة الجنس الأدبيّ بِعَدِّها حاجة نظريّة وإجرائيّة لحلّ مُشكلات أدبيّة ناجمة عن هذا الانفصال اللسانيّ. ومن المفروغ منه أنّ الكتابة من داخل اللسان اللاتينيّ بوصفه لسانًا رسميًّا يرقى فوق الألسن القوميّة كانت تستند- في جانب من حاجاتها- إلى التركة اليونانيّة؛ فقد كانت وريثتها التاريخيّة، بما يعينه هذا الإرث من تكريس لفنون التخييل التي كانت سائدة عند اليونان، حتّى لا نقول النموذج الثلاثيّ (الدراما والملحمة والشعر الغنائي)، لأنّ هذا الأخير كان من صنع فكر النهضة الأدبيّ بالدرجة الأولى. وكان كلّ إنتاج قوليّ فنّيّ يحدث خارج هذا التكريس يُعَدُّ غيرَ فنّيٍّ، لا يعتدُّ به في نطاق الثقافة الرسميَّة السائدة، ولا يُعترف بقيمته، خاصّة في مجال التعلّم، سواءٌ أكان تعلُّمًا كنسيًّا أم مدنيًّا. لقد كان مجال الإنتاج التخييليّ التامّ بالألسن القوميّة نشيطًا في نطاق الفلكلور، ويحمل سمات الثقافة الشعبيّة، وكان مُتنوِّعًا، وغيرَ خاضع للتقنين الرسميّ، أو لِمَا يُعمَّم من قِبَل النخبة المُرتبطة بالنظام الإقطاعيّ من حقائق جاهزة (باخيتن: فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية). وقد كانت هذه الثقافة على درجة من التنوّع- على مُستوى الأساليب، والبنيات، والرؤى- إلى الدرجة التي كانت تتّسم فيها بحرّية بالغة في إبداع أشكالها الخاصّة الحيويّة التي تتعارض مع الثبات الذي يُميِّز أشكال الثقافة المُكرَّسة والمُعمَّمة في الدوائر الرسميّة، وفي ما يُحيط بها من محافل مسؤولة عن الفكر والمعرفة. ومن الأكيد أنّ من طبيعة الثقافة الشعبيّة- القائمة في جوهرها على الحرية والحيوية- أن تكُون مجالًا لإبداع غير محدود لأشكال قوليّة تخييليّة مُتحرِّرة، ولأجناس من الخطاب تضع نظائرها السائدة على مسافة منها، بمُعارضتها، وهدم طقوسها ورؤاها. إنّ التذكير بهذه الثقافة له أهمّيته البالغة في فهم ما جرى في مجال التخييل، وفهم نشأة مسألة الجنس الأدبيّ نظريًّا على الأقلّ. وحكاية ما جرى قد تكُون هكذا. حين استقلّت الألسن القوميّة بنفسها عن اللسان اللاتينيّ وتأثيرها (إيفا كوشنير )، وصارت الأداة الرئيسة في التواصل والتعلّم، حملت معها تراثها الفنيّ الشفهيّ المُتنوِّع لأنّها تُعَدّ الخزّان الذي يتضمّن أساليبها وصيغها المُختلفة. هذا إلى جانب دورها الفعّال في بناء هذه الألسن لنفسها، ومدّها بالنصوص التي هي شواهد أسس لتقعيد ذاتها، وضمان هيمنتها. وكان من المنطقيّ والطبيعيّ أن تُطرح- في هذا السياق التاريخيّ- أهمية مسألة شرعية فنون التراث هذه من حيث قبولها التداولَ، لا على صعيد المُجتمع، فهي مُنغرسة فيه، وإنّما من حيث اتّخاذها نماذج للتعلّم والاستخدام المعرفيّ. ولا بدّ لمنطق الضرورة من أن يفرض نفسه، فلكي يُعلّم لسانٌ ما، ويُقعَّد، لا مناصّ له في هذا من نصوص مُمثلِّة، وكان من المفروض في تعلّم الألسن القوميّة من اتّخاذ نصوصها الشفهيّة المُتوارثة نماذجَ في التدريس. ولم يكن واردًا تقبّل النصوص على علّاتها، كما كان من المنطقيّ غربلتها لهذا الغرض؛ والعمل على جعل ما اُنتقي منها مُتلائما مع الرسمي في فاعليته، لكن هذا لم يمنع أن تحمل النصوص المُنتقاة معها الأشكال الجديدة الحيويّة التي تُميِّز التراث الشفهيّ.
لا بدّ- إذن- من مُطارحة أمريْن في هذا النطاق حتّى يحصل الفهم: أ- كان من المنطقيّ أن يُواجَه هذا التحوّل التاريخيّ بمُقاومة من قِبَل المُؤسَّسة نظرًا لحيويته التي تُهدِّد الرؤى الأيديولوجيّة التي تقوم عليها. وينبغي التمييز – هنا- بين عمل الثقافتيْن: الشعبيّة والرسميّة؛ فالأولى حيويّة دائمة التجدّد، ولا مركز لها، ولا تُعني بتنظيم نتاجها وتصنيفه وترتيبه وتنظيمه؛ فالإنتاجات المُتنوِّعة تتجاور جنبا إلى جنب، بدون هيمنة، أو تراتب، وتكاد تكُون مُتساوية في القيمة. بينما تعمل الثانية على العكس من ذلك؛ فهي ذات مركز صُلب، وتجعل من أولوياتها تصنيفُ المُنتجات وترتيبها وتنظيمها وإخضاعها لحكم القيمة بما يعنيه هذا من تراتب وشرعية. ويظهر الهاجس التصنيفي والتنظيمي أكثر في النظام التعليميّ، لأنّ من خاصّيات المعرفة فيه أن تكُون منهجيّة. ب- علاقة الإنتاجات الجديدة الآتية من التراث الشفهيّ بالفنون القوليّة التخييليّة الموروثة عن اليونان والمُكرَّسة من قِبَل تقاليد اللسان اللاتينيّ وأساليبه. وقد تولَّد عن هذه العلاقة طرحُ سؤال الموضع الذي ينبغي أن تشغله الإنتاجات الشفهيّة المُعتمَدة في التدريس قياسًا إلى التقاليد الفنيّة الرسميّة الموروثة عن اليونان. فكانت عملية الكبح في اتّجاهين: في اتّجاه الموروث اليونانيّ من طريق نمذجته في هيكل تصنيفيّ ثلاثيّ (الدراما والملحمة والشعر الغنائيّ)، وإقصاء تنوُّعه. وفي اتّجاه جعل هذا النموذج الثلاثيّ المُختلق معيارًا من غاياته أن يضغط على النماذج التخييليّة الموروثة عن اللسان القوميّ حتّى تتكيّف معه، وتستجيب لرؤى الرسمي. وكان أن حدثت- نتيجة هذا التحوّل اللسانيّ التاريخيّ- تحوُّلات حاسمة في إنتاج القول التخييليّ من داخل الألسن القوميّة، ومن ضمنها ظهور الأدب بعد حقبة من التحويرات والتقلّبات إلى أن استقرّ في بداية القرن التاسع عشر، وظهورُ أنواع أدبيّة من ضمنها الرواية. ومن المُسلّم به أنّ تسمية هذه الأخيرة قد جاءت من لفظةroman التي كانت تعني الترجمة من اللسان اللاتينيّ إلى الألسن القوميّة، والانتقالَ من لسان إلى آخر، والحرصَ على إدامة المُنتقَل منه من طريق نقله إلى المُنتقَل إليه. ولم يكن هذا الحرص على اللسان اللاتينيّ ذاته، وإنّما على ميراث الأشكال الفنّيّة التي كان يزخر بها، وتُعَدُّ خادمة للرؤية الرسميّة. وظهرت إلى جانب أشكال الرواية الأولى، وعلى نحو مُحايث لها، قصص تتأبّى على ما يبيحه النموذج الثلاثيّ من تصنيف، من قبيل الديكاميرون التي ظهرت في القرن الرابع عشر، وكُتبت باللسان الإيطاليّ، لا اللسان اللاتينيّ ضدّا على العادة، وقصص فرانسوا رابلي، و»مغامرات تيليماك» لفيلينون في القرن السابع عشر.
٭ أكاديمي وأديب مغربي
عبد الرحيم جيران