نواصل ما بدأناه، الأسبوع قبل الأخير، عن قيام تركيا باقتحام سوق الدراما التلفزيونية العربية، لنوضح أن الأمر لم يقتصر على المسلسلات فحسب، وإنما شمل حتى القنوات التلفزيونية، حيث وجدت قنوات مصرية حرّة في بلاد «أردوغان» سعة في الرأي والتعبير والممارسة الصحافية المتفاعلة مع وجدان الشعب المصري المغلوب على أمره، بفعل وجود قنوات الصرف الصحي التي تمجّد «السيسي» صباح مساء.
هكذا إذن، أمكن المشاهدين أن يتنفسوا الصعداء مع قناتي «مكملين» و«الشرق» اللتين تحرصان على إبراز الصورة الأخرى الخفية لما يقع في برّ مصر وعلى ضفاف نيلها من شطحات سياسية تُسيء إلى صورة «أم الدنيا» وشعبها العظيم.
في قناة «مكملين»، ثمة فارس اسمه محمد ناصر، لا يخشى أحدا في الجهر بالحقيقة، رغم صدور أمر بإحالته وآخرين على محكمة الجنايات بتهمة إنشاء موقع إلكتروني اسمه «رابعة ستوري». (هكذا ترون أن «رابعة» صارت بمثابة شبح يقض مضجع الحكم العسكري للانقلابيين)!
وفي «مكملين»، هناك أيضا زميلنا القدوة في الكتابة الساخرة/ اللاذعة سليم عزوز الذي يُستضاف من أجل التعليق على مجريات الأحداث؛ وقد وجد هو ومحمد ناصر في الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب الأسبوع الماضي فرصة للنكاية بالانقلابيين وأنصارهم من المنافقين أو الطامعين، حيث وجّها التهنئة إلى المغاربة وباركا لهم خوض «هذه التجربة الناضجة التي تقوم على أساس الاحتكام إلى الصندوق وإلى إرادة الشعب».
يقتضي المقام توجيه الشكر للزميلين المذكورين على شهادتهما التي فاها بها في حقنا ـ نحن المغاربة ـ والتي لم تلق للأسف الشديد الاهتمام المستحق في وسائل الإعلام المحلية، لا لشيء سوى لكون قناة «مكملين» مناهضة للانقلاب العسكري ومنتصرة للشرعية الديمقراطية. وفي بلادنا، كما في بلدان عربية أخرى، هناك مَن يتغنى باستمرار بالديمقراطية، لكنه يصير عدوا لها لمجرد أن تأتي صناديق الاقتراع بحزب يوصف بـ»الإسلامي»، رغم أنه يردد باستمرار أنه حزب سياسي وكفى.
والشكر لمحمد ناصر وسليم عزوز ـ ثانيًا ـ لكونهما أشفيا غليلنا في تكهنات «العراف» الإماراتي، المُـقَـنَّع بلباس عسكري، الفريق ضاحي خلفان، الذي «غرّد» قبل أكثر من عام بفرح المغرورين، قائلا: «سيسقط إخوان المغرب سقوطا مدويا»! فجاءت الانتخابات التشريعية ليوم سابع تشرين الأول/ أكتوبر التي جدد فيها الناخب المغربي ثقته في حزب «العدالة والتنمية» بمثابة صفعة على خدّ خلفان الذي أعطاه الزميل محمد ناصر لقبًا آخر، نستحيي من ذكره احتراما للقرّاء فحسب، وإلاّ فإنه أليق بالفريق المذكور وأجدر، لاسيما بعد شروع بعض وسائل الإعلام في تعقّب الليالي الحمراء المنسوبة إليه. والفضل في البدء والمنتهى للأتراك الذين يهددون، هذه الأيام، بتقديم الأدلة الدامغة حول تلك التهمة.
رشيد غلام.. مغنِّ لا منشد!
ومثلما احتضنت تركيا عددا من الإعلاميين المصريين المنفلتين من قيد الجوقة، فإنها فتحت كذلك فضاءها لصوت فني ممنوع من الغناء في القنوات المغربية، لا لشيء سوى لكونه ينتمي لجماعة «العدل والإحسان» المحظورة من طرف السلطات. يتعلق الأمر بالفنان رشيد غلام الذي يأسر قلوب الكثيرين بصوته القوي والطروب.
واللافت للانتباه أن هذا الفنان نفسه يرفض أن تُلصق به صفة «منشد»، لكونها ـ في رأيه ـ ذات حمولة أيديولوجية، تماما كما هو الأمر بالنسبة لتعبيرات «الفن الإسلامي» أو «الفن الملتزم»، ويقول إننا حينما نستعمل هذه المفردات، فنحن نقيم حدودا بيننا وبين الفن العالمي. كما يوضح أن من يستعملون كلمات الإنشاد أو الفن الإسلامي، فإنهم ينطلقون من اعتبار أن الغناء حرام، وهو ليس صحيحا، بتأكيده.
أكثر من سهرة أحياها رشيد غلام على قناة «مكملين»، وامتدت لأكثر من ساعتين، كما خصصت له «الجزيرة الوثائقية» من قبل برنامجا وثائقيا شاملا عن مسار حياته وتجربته الفنية، وتضمن البرنامج شهادات لعدد من المتخصصين والخبراء، من ضمنهم الباحث والإعلامي نور الدين الأشهب الذي قال إن رشيد غلام تجاوز بغنائه الجماعة التي ينتمي إليها، حيث انتقل من الحركة الإسلامية إلى حركة الإسلام.
ويمكن لمن يشاهد البرامج والسهرات التي يُستضاف فيها رشيد غلام أن يلاحظ كون هذا الأخير لا يقدم غناء دينيا بالمعنى الضيق للكلمة، وإنما يغني للإنسان في مختلف أحواله وللروح وللقضايا النبيلة السامية. فإلى متى تستمر العقلية المتحجرة في المغرب التي تعمل على إقفال الأبواب في وجهه، والحال أن الخاسر في النهاية ليس هذا الفنان، وإنما الجمهور المغربي الذي يُحرَم من الاستمتاع بفنه وصوته؟
فضيحة «ماسبيرو»!
ونعود إلى «أم الدنيا»، وفضيحة «ماسبيرو» التي تسببت أخيرا في إقالة عدد من مسؤولي التلفزيون الرسمي، على خلفية تداعيات بث لقاء قديم لعبد الفتاح السيسي مع قناة ABC الأمريكية، وتقديمه على أنه مباشر. الجديد في المسألة أنها تجاوزت مجرد الإقالة إلى مطالبة أحد المحامين المصريين نيابة أمن الدولة العليا بمعاقبة مسؤولي «ماسبيرو» لتشويه صورة الدولة وشعبها ورئيسها أمام العالم.
والواقع أن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المحامي المتحمس «سكر زيادة» لرئيسه: مَن يعمل حقًّا على تشويه صورة مصر وشعبها أمام أنظار العالم؟ وهل كان بوسع إدارة «ماسبيرو» أن تبثّ اللقاء القديم للرئيس المعلوم دون استشاره حاشيته ودون إذن منه شخصيا؟!
كاتب من المغرب
الطاهر الطويل