ربما بحكم الخلفية والطبيعة لا أميل لتضخيم الأشياء، ولكن في الوقت نفسه لا أوافق على تهميش المهم على حساب الأقل أهمية. والمهم لا يعنى عبارات فضفاضه عن الوطن بدون ناسه، ولا عن البشر بدون الوطن.
وعلى الرغم من هذا، ورغم محاولة البعض تهميش حديث «خريج التوك توك» الذي تناقل الفيديو الشهير له عبر وسائل التواصل الاجتماعى مع العديد من الاخبار عن سعى عدة أجهزة في الدولة للوصول إليه، وحديث لعدة أيام عن هروبه وخوف أقاربه، قبل الإعلان عن أنه بخير ولا يواجه أي مخاطر، وتأكيده أن الفيديو قديم، في محاولة لربط الحديث عن الانتخابات الرئاسية برئيس آخر على ما يبدو، فإن دراما ما بين نشر الفيديو واختفاء أو ظهور بطله تبقى جزءا من المشهد، لكن قيمة المشهد الحقيقية في ما قيل وكيفية التعامل معه وما كشف عنه.
ويجدر بنا التذكير بموضوع شريط سائق التوك توك وأبرز ما جاء فيه وتلامسه مع الواقع الذي عبر عنه بصورة طبيعية أكثر قدرة على الوصول للمواطنين، وربما لهذا السبب تزيد خطورته بالنسبة للسلطة، ويمكن تفهم حالة القلق ومحاولة التقليل من قيمته، فلأنه أقرب للشعب في لغته ورسالته تم وصفه بأنه هز عرش مصر أو السلطة.
وإن كان هذا الوصف مبالغا فيه، لكن يمكن تفهمه في ظل طبيعة النظام والخوف من قدرة سائق «التوك توك» على أن يثير كل هذه الأمواج في بحيرة لا تقبل بحالة السكون منذ تحركت في 25 يناير من أعوام قريبة رغم البعد، مع ما تثيره من مخاوف أن تكون تلك النوعية من الأحجار هي الأكثر خطورة على مياه البحيرة.
تم بث الحديث الذي يفترض أنه تم بدون تنسيق مسبق من خلال حوارات عادية في الشارع من خلال برنامج على قناة فضائية. بدوره عرف السائق الشاب نفسه بأنه «خريج توك توك» في رد ساخر ربما أراد منه التركيز على تعريفه للمشكلة بدلا من التركيز على نفسه. وبهذا ركز على انتقاد الأوضاع ومقارنة حال مصر ما قبل وبعد، ما يفهم من السياق ومن التوقيت المفترض أنها فترة حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل أن يعود الشاب ويتراجع عن توقيت التسجيل وتقوم القناة المعنية بحذف الفيديو من موقعها. ولكن بعيدا عن هذا التشويش عبر التسجيل عن الكثير مما يمكن أن يردده كل محب لمصر وكل من يطرح تساؤلات منطقية عن مصر التي يفترض أن نراها مقابل مصر التي يتحدث عنها السيسي وهو يؤكد «بكره تشوفوا مصر».
يثير الشاب العديد من التناقضات التي لا يمكن نفيها، وفي الوقت الذي قال فيه: «اتفرج على التلفزيون تلاقي مصر فيينا، تنزل في الشارع تلاقيها بنت عم الصومال». كان السيسي في لقاء مع وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية يؤكد على أهمية مواصلة العمل «بدأب في تنفيذ العاصمة الإدارية الجديدة والمدن الجديدة»، في الوقت الذي تم الحديث عن إدخال خدمات الصرف الصحي في القرى المصرية. ومع تأكيد الوزير أن خدمة الصرف الصحي لم تصل حتى عام 2013 إلا إلى 10% من إجمالي القرى لتزيد بين 2014-2016 إلى 15% فقد أكد على نية تغطية ٥٠% من القرى بعد عامين ونصف العام.
التناقض المشار إليه مجسد على أرض الواقع بين صور المشاريع القومية العملاقة التي يسارع السيسي في قص شريط الجديد منها قبل الانتهاء مما سبقه وبدون نشر دراسات جدوى للمشاريع نفسها، وبين ملايين المصريين في القرى، وربما غيرها من الإحياء الأكثر فقرا، لا تصل لهم خدمة الصرف الصحي ولا تسعى الدولة بشكل جاد للتخلص من تلك المشكلة وتضع غاية المراد علنا الوصول إلى ٥٠% لأن قص شريط خدمات صرف صحي لا يمكن – من وجهة نظر السلطة- أن يقارن بالأهرامات والسد العالي. وبسهولة تدرك أن ما قاله السائق ليس إلا قراءة لواقع يعيشه يوميا ويراه مثل تلك القرى وسكانها. فإن كان لديهم خدمة الكهرباء، فمؤكد أن لديهم الكثير من الكوميديا المريرة في التعليق على المشاريع «القومية» إن كان يمكن أن تكون «قومية» عبر تسمية السلطة لها بأنها كذلك، وليس عبر إيمان الجماهير وحاجة الوطن لها، وعلى ضرورة العاصمة المغلفة وقيمة توسيع قناة السويس على حياتهم التي يمكن تخيل نوعيتها في ظل غياب خدمة بتلك القيمة وما يمكن أن يرتبط بها وما تعكسه من صور الحياة.
أن تصل لتصور أن كل الأشياء التي حولك بوصفها معطاة هي رفاهية لا يتمتع بها ملايين في الوطن، لأن السلطة تراهم درجة أقل من مواطن، لا صوت لهم ويسهل تجميعهم في الانتخابات وغيرها عبر وعود عن خدمات مقبلة، لا تختلف عن قطار وجثث مئة عام من العزلة الذي لا وجود له الا في أحاديث إعلام السلطة، وضع يمكن أدراكه بسهولة في العديد من التناقضات التي ظهرت مثلا في محاولة مذيع ما تقليل قيمة حديث التوك توك، من خلال تقليل قيمة المتحدث وتعجبه من اهتمام الدولة ووسائل التواصل الاجتماعي بحديثه، في الوقت الذي ينشر حديث مع رجل أعمال يمثل رمزا من رموز نظام مبارك وهو يتحدث عن معاناته المالية، وتنشر جريدة أخرى أخبار عن مذكرات سوزان مبارك ومعاناتها وبيعها مجموعة من مجوهراتها أثناء وجود أفراد الاسرة في السجن. تكتشف كيف يريد لنا البعض أن نجعل لمن سرق أو شارك في سرقة الوطن صوتا أكثر قيمة من المواطن العادي، وأن نتعاطف مع السارق ولا نتعاطف مع ضحايا رشيد الذين ماتوا في محاولة البحث عن حياة. تجد أن حديث التوك توك كاشف لمحاولات تأكيد حالة طبقية معينة في التعاطف تجعل التعاطف مع من يملك أكثر أهمية عن التعاطف مع من لا يملك، وصوت الأول ورأيه أكثر قيمة للوطن حتى إن كانت معاناة الوطن من أفعال المتحدث.
بدروه يستمر خريج التوك توك في تأكيد حالة التناقض بين ما يعلن والواقع، قائلا: «طالعين في التلفزيون مصر بتنهض، مصر بتروح وبتيجي وعمالي تلم الفلوس في مشاريع قومية مالهاش لازمة.. مشاريع قومية زي ده هيدخلني بيها في الحيطة». ووقوف ضروري ليس على فكرة المشاريع التي بلا معنى ولا على تخصيص الموارد بشكل غير واضح وغير معلن ولا يحاسب عليه أحد، ولكن على أن ما قيل هنا يؤكد توقيت الفيديو، لأن من سبق السيسي من رؤساء كان لهم أخطاء بالضرورة ولكن لم يرفع أحد منهم حديث المشاريع القومية، كما يحدث في ظل النظام القائم. وضع يظهر في مقارنة الوهم بالحقيقة وحديثه عن وعود العسل المقبل: «قبل ما كان يحصل انتخابات لرئيس الجمهورية كان عندنا سكر يكفينا وكان عندنا رز وكنا بنصدره أيه اللي حصل راح فين وجه منين عايزين نفهم؟». ويبدو أن الأشكالية الأكبر في الحديث هو السؤال عن المنطق والمطالبة بالحق في الفهم لأن المعرفة قوة والجهل والتجهيل أسلحة مهمة في يد السلطة من أجل التسلط. ففي ظل غياب المنطق وعدم الفهم يمكن أن تتحدث عن أهمية تراجع كل الأولويات من أجل الأمن ومحاربة الإرهاب، في الوقت الذي تستمر فيه العمليات الإرهابية وضحاياها بدرجة تشكك في القدرة الأمنية القائمة، أو في كفاءة المبرر الذي تقدم نفسك من خلاله ليس للداخل فقط ولكن للخارج أيضا وأنت ترى أنك الأقدر على مواجهة الإرهاب، وتجعل من يؤيدك يتحدث عن ضرورة تراجع كل القيم تحت شعارات تسقط الحرية ويسقط الغرب ومفاهيمه عن الديمقراطية وحقوق الانسان من أجل الأمن. ولكن عندما يضرب الأمن تخرج من أصل القضية وهي قدرتك على القيام بالفعل لتؤكد على قوة الإرهاب، رغم أن التأكيد على قوته يعني التأكيد بشكل غير مباشر على ضعفك أو عدم كفاءتك، أو أن الإرهاب مجرد فزاعة لها دور يتم تضخيمه أو تقزيمه حسب اللحظة وضرورتها والشعبية وحساباتها.
محاولة الفهم تلك بدورها ليست الأولى، وإن كان النظام قد أصيب بالغضب أو الارتباك حقا وسعى لتقليل أثر الفيديو، فإن تعامله أقل حدة من الوزير الذي تم قتله في مسرحية «الزعيم» عندما أراد التفكير بدلا من الالتزام بحالة تفكير الزعيم للجميع. عملية قتل الوزير كانت رسالة كرر الجميع بعدها «أنت الشعب والشعب أنت» حالة لا يقبل أي زعيم بأقل منها، ولا يقبل الوطن بها. وربما كانت تساؤلات الفيديو عن حال مصر ومكانتها جزءا من سؤال أساله دوما عن كل القبح الذي أنتجناه وما فعلناه بها؟ والقدرة على استعادة روح الوطن المفتقد؟ ويظل العزاء دوما أن تلك ليست أبدا النهاية، وأن الأثر الذي تحدثه الكلمة ليس عابرا للسجن والسجان فقط، ولكنه عابر أيضا للشخص الذي قد يتغير وتتغير ظروفه ولكن تظل الكلمة التي قيلت من أجل الوطن حرة ملكا للجميع وللوطن. ولنتذكر ارتباط التوك توك بمقولة مثل هز عرش السلطة وواقع مثل كشف تناقضات اللحظة وندرك قيمة الكلمة.
كاتبة مصرية
عبير ياسين