عندما أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في مؤتمر الشباب بشرم الشيخ إلى كبر حجم «ضبط النفس من الدولة تجاه الشعب» كان الطبيعي أن يثير حديثه السؤال عن الحالة البديلة. فإن كان ما شهدته مصر هو نموذج لضبط النفس فما هو الوضع في حالة عدم ضبط الدولة للنفس في علاقتها بالشعب الذي يتحول إلى عبء على السلطة وكأنه مجرد شيء هامشي يمكن للدولة أن توجد وتعيش وتنمو بدونه.
هذا الحديث وما يطرحه من نقد ضروري لرؤية السلطة للشعب ظهر واضحا في تعليق ساخر ومرير قال صاحبه: «كثر خيركم يا فندم أنكم سايبنا لسه عايشين. أنا شعرت بالرعب الشديد من الكلام ده وحاسس أن بقائي على قيد الحياة منة ومنحة من الدولة ومن حضرتك شخصيا، ربنا يديم المودة وما تتغيروش علينا خالص». توقفت أمام هذا التعليق لأنه كاشف عن حالة وصول رسائل السلطة مجردة من مساحيق التجميل وواضحة بدون رتوش. رسائل فوقية ترى الوطن من أعلى والمواطن مجرد نقطة في القاع، له دور لا يختلف عن الجموع في الأفلام التاريخية ومشاهد الحروب أو الانتصارات حيث الجموع تقتل والجموع تهتف.
ظل الحدث بتفاصيله في خلفية التطورات التي صاحبت ما أطلق عليه الخميس الأسود في مصر، الذى يشير إلى ما شهده يوم 3 نوفمبر 2016 من قرارات حكومية شملت تحرير سعر الصرف أو تعويم الجنيه ليخضع لقوانين العرض والطلب، تاركا مسؤولية تحديد السعر للبنوك، والإعلان عن تخفيض الدعم عن الوقود بعد ساعات قليلة من التعويم، ما يؤدي لزيادة أسعار الوقود وما يرتبط به من سلع وخدمات. تلك الوقائع التي جاءت لتضيف الكثير من الأعباء على المواطن مثلت فرصة للبعض – كما هي العادة- لتأكيد شعبية الرئيس واستمرار حالة التفويض والثقة، في الوقت نفسه الذي يتم فيه استحضار الاخوان للمشهد بالتأكيد على فشل مخططهم – المفترض- الساعي لاستغلال الغضب المصاحب لتطبيق مطالب صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على القرض المنتظر لتصعيد الضغوط على السلطة. وشهدنا الكثير من التعليقات التي تضع الأمر كله في إطار علاقة الأسرة – نظريا- وهي تتحدث عن حنية الرئيس وضرورة أن يعطف على الشعب الذي تحمل معه وأيده ووثق فيه، خاصة أن هذا الشعب الذي عانى كثيرا ليس له إلا الرئيس.
وكان من الطبيعي أن تطرح الصورة الكثير من التساؤلات حول ما يحدث، خاصة الاستغلال الإعلامي المصاحب للأعباء المضافة على المواطنين من أجل تأكيد وتكرار لحظة واحدة من عمر الزمن وهي 30 يونيو، وإنجاز النظام أو الرئيس المفترض والمتمثل في غياب حالة سوريا والعراق، وغياب الحرب الأهلية المفترض أنها كانت مخططة وعلى الأبواب، وإنجاز منع بيع الإخوان للوطن والمفترض أنه كان مخططا أيضا وفقا لخطاب النظام.
ولأن خطاب إنجاز الغياب الخاص بلحظة 30 يونيو يتحول إلى حالة تاريخية قديمة في ظل المعاناة المتجددة وتمخض «بكره تشوفو مصر» عن صورة أكثر قتامة وألما مما تصور من وثق بوعود العسل المقبل، وتراجع قيمة «تسلم الأيادي» في مواجهة التحديات المتراكمة والمعاناة المتزايدة، أصبح من الضروري إيجاد وسيلة متجددة لإحياء حالة 30 يونيو وترسيخ فكرة الإنجاز بالغياب لأنها في المحصلة النهائية أسهل من الإنجاز بالفعل ولا تحتاج فعليا إلا إلى حالة السيولة التي تعيشها مصر في ظل الفضاء الإعلامي المؤيد بشكل مباشر عبر الدفاع أو بشكل غير مباشر عبر الهجوم المحسوب والمخطط واصبح من الطبيعي أن تنتشر فكرة إنجاز الغياب من الرئيس لكل مسؤول لدرجة أن الخبر قد ينشر مع نفيه ثم يتراجع لفترة قبل أن يعود مرة أخرى في عملية تدوير تجعل المواطن في انتظار قاتل لإنجاز الغياب عبر نفي الحدث.
ويمكن أن نجد الكثير من الأمثلة لإنجاز الغياب من الحديث عن رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق وكل ما أثير حولها من جدل يصل إلى حد طرح تصور السعر الجديد وموعد تطبيقه، ثم ينتهى إلى نفي قاطع أو تأجيل ووعد بالحفاظ على السعر من أجل محدودي الدخل. يحصل المسؤول على الثناء وتدخل الفرحة بيوت الأسر القلقة من إضافة عبء جديد بمجرد نفي القيام بالفعل أو غياب الفعل.
وبعد أن كرر الرئيس نفسه عدة مرات أن هناك زيادة لا حاجة لها في الجهاز الإداري تصل إلى مليوني موظف وما يمثله هذا من عبء على الميزانية، يأتي خبر وسط أحداث تعويم الجنيه وتخفيض الدعم على الوقود ليؤكد أنه لا نية في إجراء مثل هذا التخفيض، وبهذا يشعر ملايين الموظفين في الجهاز الإداري بتحقق إنجاز ضخم وهو إنجاز عدم الفصل من الوظيفة. وبالطريقة نفسها تدار الكثير من الملفات المرتبطة بحياة المواطن، بداية من الدعم مرورا بصوره المختلفة، خاصة بطاقات التموين وما يحيط بها دوما من جدل الإلغاء أو تخفيف الأعداد. ويتحول التخفيض المتكرر في الدعم بكل ما يحيط به من جدل حول النسب والحجم لإنجاز غياب متكرر لأن التخفيض يحدث ولكنه يحدث بشكل أقل مما يطرح عبر وسائل الإعلام وعبر التصريحات المختلفة.
تتحول مصر إلى هذا البيت الذي ضاق على صاحبه بسبب تواجد الكثير من الأفراد في مسكن مكون من غرفة واحدة يقيم فيه الرجل وأولاده ووالديه، ورغم وجود اختلافات في القصة وتفاصيلها، تظل رسالتها في المحصلة النهائية مهمة في توضيح حالة إنجاز الغياب الذي تعيش فيه مصر مرحلتها الحالية التي يمكن أن تفسر جزءا من حالة الصمت القائمة مقارنة بحالة الغضب المتصورة. في القصة يتوجه الرجل لحكيم القرية شاكيا من وضعه وضيق مسكنه وتأتي نصيحة الحكيم غريبة لكنه يأخذ بها بحكم علاقة السلطة المعنوية كما يأخذ بكل ما يتبعها من نصائح. في البداية يطالبه بأن يضع كلبه في مسكنه فتزيد الشكوى، فيطالبه بوضع الحمار، ثم بوضع القط، ووضع الديك.. وهكذا عبر عدة أيام تتراكم المعاناة وتتنوع أسباب الشكوى من زحام وصوت ورائحة فيطلب منه الحكيم أن يبدأ في تخفيف سكان الغرفة من الحيوانات وتتحول حالة الشكوى إلى رضا وقبول تدريجي ينتهي بسعادة ورضا كامل عندما تعود الغرفة لما كانت عليه قبل نصائح الحكيم. في الأصل تعود الغرفة لما كانت عليه، وتظل كل أسباب الشكوى التي كانت، ولكن إضافة المزيد من المشكلات ثم إزالتها يحولها إلى إنجاز ويحول وضع الشكوى إلى وضع قبول. في مصر تتشابه الصورة مع هذا الوضع، هناك تحديات كثيرة كشفت عنها ثورة 25 يناير، وخلل كان يتم التجاوز عنه في ظل حالة الاستمرار التي صاحبت حكم مبارك. ولكن جهود إفشال ثورة يناير أدت إلى عكس الصورة وإظهار كل المشكلات بوصفها وليدة الثورة، قبل أن يضاف إليها في مرحلة تالية حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي وكل ما أثير حوله من مخططات ومخاطر مفترضة.
تتحول صورة مصر الساكنة التي كانت في عقود مبارك للنموذج المراد العودة إليه من قبل أعداء الثورة وأصحاب السلطة. وتبدأ سلسلة إنجازات الغياب مثل نصائح الحكيم في إعادة الغرفة لما كانت عليه قبل يناير وما بعدها من تداعيات. ويتمثل أول إنجاز للغياب في العودة إلى صورة مصر القريبة من حكم مبارك، حيث الاخوان خارج السلطة والداخلية فوق المواطن والعدالة الاجتماعية مثل الكرامة والحقوق والحريات مجرد رفاهية خارج قاموس الحاكم والسلطة. وبتحقيق هذا الإنجاز الأولي يستمر خط الإنجازات عبر إخراج المزيد من إضافات يناير وإعادة وضع الاسماء التي كانت قبل يناير في مواقعها مرة أخرى، بما فيها مواقع التنظير لمستقبل مصر والتخطيط لما يسمى الإصلاح والإنقاذ. وفي كل هذا يتم استثمار سلبيات الدول الأخرى لتعزيز صورة إنجاز الغياب دون التعمق في مضامينه. وتترسخ المعادلة في مواجهة المواطن فكلما أثير الحديث عن ارتفاع الأسعار يتم تذكيره بمستوى الأسعار في الغرب المتقدم، وعندما يتحدث عن المعاناة يتم تذكيره بمستوى المعاناة في الشرق الذي نعرفه. مقارنات الغياب وإنجاز الغياب تطبق في غير موضعها وبدلا من أن نسأل لماذا تغيب الديمقراطية وتغيب المحاسبة والحقوق والحريات؟ ولماذا تغيب العدالة الاجتماعية ودور الدولة الفاعل في إدارة التنمية؟ يفرض علينا إنجاز غياب الحرب الأهلية وانجاز غياب حكم الأخوان.
قد يخدم إنجاز الغياب السلطة فترة، خاصة وهي تملك كل تلك الآلة الإعلامية وكل الأصوات التي تدافع عنها دفاعا عن مصالحها وعن ترسيخ علاقات السلطة التي كانت قبل يناير والتي تصورنا أن يناير ستعيد ترتيبها لصالح الإنسان، ولكن إدراك المواطن لطبيعة النظام وأسس إدارة الحكم هي مفتاح المواجهة، أو كما قال الفيلسوف الإنكليزى جون لوك: «ليس من طريقة تدافع بها عن نفسك من هذا العالم سوى أن تتعمق في معرفته» وتلك هي الخطوة الأولى لتفكيك الصورة وإدراك طبيعة النظام القائم وصورة مصر التي يسعى لها.
كاتبة مصرية
عبير ياسين