الهجرة من الشعر إلى الرواية

قد تصل القناعة بالفرد والجماعة إلى درجة تصير معها يقينًا لا يقبل تقليب النظر فيه، لكنّ للفكر منطقه الذي لا يتقيّد بالثابت، ويجعل من صيرورته رهانه الأساس خارج الارتهان بحساب حجم الخسارة والربح. وينبغي تبرير هذا المقال وفق هذا المنطلق.
تظهر بين الفينة والأخرى في هذا المنبر أو ذاك مقالات أو تعبيرات عن ظاهرة تتعلّق بالشعر في علاقته بالرواية، وهي ذات وجهين،: وجه يذهب إلى كون الزمان هو زمان الرواية، ووجه يتساءل عن هجرة الشعراء نحو فنّ الرواية. والوجهان يتبادلان معًا- على الرغم من الفرق بينهما- الاشتراك في إشكالِ ارتباطِ الإنتاج الأدبيّ بسياق التداول في تعقّده. وما نرومه في هذا المقال لا يتّصل بِعَدِّ الوجه الثاني نتاجَ الوجه الأوّل، أو كونه امتدادًا لأثره، بقدر ما يتعلّق بالبحث عن تسويغ معقول لهما في نطاق عدِّهما معًا مظهرين لتحوّل جماليّ له أسبابه العميقة التي خفيت عن عديد ممّن تناوله بالفهم والتفسير. وأحبّ أن أُشير في هذه المهمّة إلى سببين رئيسين، ون إقصاء كلّيّ لما يُغايرهما من أسباب. وهما: خفوت سطوة الشفهي وضمور السرديات الكبرى.
ممّا لا شكّ فيه أنّ ما غلب على الشعر العربيّ إلى عهد قريب جدًّا هو إخلاصه التامّ لأصوله الشفهيّة التي تعتمد على الإلقاء؛ فحتّى- وهو يُمرَّر من خلال الإنتاج- ظلّ مُحافظًا في بنية تشكيله على مُراعاة مُتلقٍّ سامع، لا مُراعاة مُتلقٍّ قارئ. ويدخل في هذا الباب التقديس التامّ للعروض الذي هو أحد صيغ الحفظ الذاكرتيّ المُلازم لكلّ إنتاج شفهيّ، وبناء المعنى ذي التكلفة الاقتصاديّة المُنخفضة التي تُقام على إظهار القصد من القول بصيغ تعبيريّة مُنكشفة، بما يعنيه هذا من تحكّم في الالتباس ومراعاة لأقلّ جهد في التقاط المُحتوى. ويحدث هذا نتيجة تأثير خاصّية السماع التي لا تسمح بالتمعّن الطويل، والتأمّل المُتأني. وقد كان محفل السماع الذي يتلقّى الشعر يُكرِّس القصيدة التي هي أقرب إلى الصياغة الشعريّة الشفهيّة التي تُراعي مُواصفات الإلقاء. ولا نُريد أن نُوسِّع التحليل- هنا- لكي نربط الأمر بصورة الشاعر التي تكرَّست داخل التقليد الإنتاجيّ للعبارة الشعريّة، التي تكاد تُماثل صورة الخطيب السياسيّ.
لقد احتاجت الكتابة – بوصفها شرطَ الأدب الحديث في الغرب – لكي تصير لها الغلبة على الشفهي إلى وقت طويل. وهو ما لم يحصل عندنا في العالم العربيّ إلّا في حدود بعض المُحاولات المعدودة التي ظلّت تُعاني من سوء الفهم. لكن يحدث اليوم- ويا لغرابة التاريخ- نوعٌ من التخلّي عن الشعر الإلقائيّ، لا بفعل تطوّر طبيعيّ يُنتقل فيه من مُجتمع نصّيّ يُمجِّد السماع إلى مُجتمع نصّيّ كتابيّ- قرائيّ، وإنّما بفعل ظهور مُجتمع نصّيّ جديد اتّسمت فيه أمكنة الحشد بالضمور، وصار فيه الانفراد بالنصّ المكتوب سمته الغالبة. وربّما كان لظهور النزوع المعلوماتيّ في توصيل الإنتاج التخييليّ دورٌ في تقلص المحفل السماعي أيضًا. وقد صاحب هذا التحوّل تحوّلٌ في الحساسية يُعتمَد فيه على الكتابة، وتمجيدها ضدًّا على الأصول الشفهيّة للقول عامّة، والشعر بصفة خاصّة. وبدأ يسود نتيجة لهذا نوع من الفعل القرائيّ الذي يأخذ وقته في تأمّل الإنتاج المقروء، واستنباط معناه، بما يتضمّنه هذا الأمر من مُراجعة من طريق إعادة القراءة. وكان نتيجة لهذا أن بدأ جمهور الشعر يتقلّص ليصير مُحدَّدًا في نخبة مُعيَّنة تمتلك القدرة على التأويل كما حدث بالنسبة إلى الشعر في الغرب. ولم يكن الشعراء الذين ألفوا كتابة الشعر في إطار تداوليّ سمعيّ أن يقنعوا بالمُتلقّي النوعيّ قليل العدد؛ الشيء الذي دفع بأغلبهم إلى تغيير الوجهة نحو فنّ الرواية بوصفه فنًّا ذا جمهور أوسع.
وقد يعترض البعض على الاستنتاج أعلاه بكون الرواية ليست فنًّا شفهيًّا، بل أنها فن كتابي بامتياز. ويُعَدُّ هذا الاعتراض مقبولًا في إطار المُقارنة التي تقف عند حدود الشكل حسب. وما ينبغي التنبّه إليه- في هذا الصدد – هو كون الرواية تتميّز بقدرتها الفائقة على الجمع في بنيتها بين ما يُلبّي حاجة التلقّي العادي غير المُكلِّف على مُستوى استنباط المعنى وحاجة التلقّي النموذجيّ الذي يتطلّب جهدًا لا بأس به في الفهم. وربّما كانت طبيعة التلقّي هذه في الرواية أحد الأسباب التي جعلت منها فنًّا مُهيمِنًا، ويمتلك من أسباب الحظوة ما يُحوِّله إلى وسيلة لا غنى عنها في تخييل زمان يتّصف بالتسارع. كما أنّ الرواية لا تُقيم صيرورة حياتها على القول المُستند إلى السماع، كما هو الأمر في الحكاية الشعبيّة والشعر ذي الأصل الشفهيّ، وإنّما على اقتضاءات القراءة التي تتمّ في فضاء تلقٍّ فردانيّ مُتّصف بالعزلة؛ فهي فنٌّ غير مُبالٍ بالحشد، وبالصوت ومهارة الأداء في الإلقاء، لكنّها تتّصف- مقابل هذا- بالذيوع، وبالامتداد، وبمُواصلة النشاط القرائيّ في فترات مُتنوِّعة من الزمان، وكأنّها بهذا تلحم ما هو مُتقطِّع زمانًا في الحياة اليوميّة. وربّما كان في خاصّياتها التداولية هده ما يُعوِّض الجمهور المُفتقد في الشعر بالنسبة إلى الشعراء المُتضرِّرين من فقدان سمعتهم بوصفهم مُحرِّكي مُهَج الحشد.
لكن لا يُعَدُّ كلّ ما قيل أعلاه وحده سببًا في تفسير هجرة عديد من الشعراء إلى فنّ الرواية، والعلّة في هذا أن ليس هم وحدهم مَنْ استبدل فنًّا بآخر، فهناك غيرهم ممّن فعل هذا، ويكفي التنبّه إلى عديدٍ من النقاد والفلاسفة ممّن اقتحم مجال الرواية مُجرِّبًا حظّه فيه. وليس منطق الجوائز هو ما كان وراء هذا الانتقال من مجال إلى آخر، بل شيء آخر أكثر تأثيرًا. ويتعلّق الأمر بضمور السرديات الكبرى التي بإمكانها أن تُساعد الناس على عيش عالمهم بطريقة تجعلهم يتحكّمون في تعاطيه، بما تُوفِّره لهم من أسباب التفسير لفهم الحياة. وأمام هذه الخصاصة في الفكر المُساعد على فهم الواقع وجدت الرواية الفرصة السانحة لتتصدّر مشهد الكتابة. والسبب في نيلها هذه الحظوة ماثلٌ في كونها تمتلك في بنيتها التخييليّة ما يسمح لها بأن تُساعد الناس على العيش، وفهم عالمهم؛ فهي فنٌّ يُحاول أن يصوغ كلًّا تُمثِّله الحكاية، وهذا الكلّ يعمل على إعادة إنتاج المُشتَّت في الواقع والمُتفكّك فيه من طريق تخييل حبكة مُنسجمة تضطلع بدور التفسير الذي كانت تتمتّع به السرديات الكبرى.
أديب وأكاديمي مغربي

الهجرة من الشعر إلى الرواية

عبد الرحيم جيران

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية