عندما أعلنت قناة «الجزيرة» عن توقيت إذاعة الفيلم الوثائقي «العساكر.. حكايات التجنيد الإجباري في مصر» ثار جزء كبير من الإعلام المصري وتعالت الأصوات الرافضة والمنددة، بداية من تلك التي تنطلق من شعارات المكانة والدور والحجم والسكان، لتلك التي ترفع راية التحليل الإستراتيجي، ولا تتوقف حتى تشاهد العمل بقدر ما تتوقف أمام الجهة وترفع راية قدسية الموضوع، وتتسلح بخطاب الأمن القومي والمؤامرة في مواجهة كل ما يخالف السلطة ويهددها بشكل مباشر أو غير مباشر.
وفي حين أثار رد الفعل المصري الرسمي والإعلامي، وما تبعه من الجدل حول العلاقات المصرية – القطرية، وقناة «الجزيرة» ودورها، والجيش والواقع المصري مقارنة مع غيره، فإن تلك التفاصيل تطرح تساؤلا مهما عن تناقض رد الفعل مع الخطاب الإعلامي المصري، فإن كانت قطر هي تلك الدولة الصغيرة حجما وعددا، وإن كانت «الجزيرة» مجرد قناة لا تملك القدرة على التأثير، يصبح من غير الطبيعي أن تثار دولة كاملة بتلك الطريقة للتعامل مع فيلم. وإن كانت مصر بتلك القوة المعلنة في مواجهة العدو القطري يصبح من المتصور أن يكون الرد أكثر اتزانا وأن ينطلق من تفنيد الفيلم أو تجاهله حتى بدلا من أكسابه كل تلك القيمة التي أحدثها رد الفعل، الذي تحول إلى أكبر مسوق للفيلم ودافع لمشاهدته.
وهنا قد يبدو للوهلة الأولى أن التعامل المصري ليس منطقيا ولا مدروسا، ولكن رغم وجود الكثير من الأشياء غير المنطقية في المشهد المصري، فإن التعامل مع الفيلم لم يكن واحدا منها. وعلى العكس كان التعامل معه منطقيا بدرجة كبيرة وضروريا من أجل استباق الفيلم وما يحمله من مخاطر طرح الاسئلة التي لا يمكن إنكار تواجدها بالفعل في الساحة المصرية، بصورة أو أخرى بعيدا عن الفيلم وما جاء فيه. جاء رد الفعل الذي شكك في الفيلم وفي رسالته وتوقيته مؤكدا على خطاب المؤامرة واستهداف الجيش، وساهم استخدام هذا المدخل في تحويل الأمر لقضية كرامة وطنية تمس الكثير من الأسر، وتمس إحساسا عميقا بالامتنان لأن الجيش مازال في الوجدان المصري – بدرجة كبيرة ومقارنة بغيره – عابرا للفوارق ومصدرا للفخر. ومؤسسة تختلف عن غيرها وتمتاز عنها بأنها أقل فسادا وأكثر تماسكا وإنتاجا. استحضار تلك الصورة كان من شأنه تحقيق هدف مهم وهو الحصول على تأييد الكتلة الصلبة أو الجزء الكبير منها في تلك القضية، وهو ما يحقق بدوره الكثير من المكاسب.
بداية يؤدي الحصول على دعم جزء كبير لخطاب رفض الفيلم وما فيه – حتى قبل بثه ومشاهدته – مكسب التجاوز عما يطرحه من قضايا بوصفها في النهاية جزءا من المؤامرة. وبهذا أصبحت قيمة الفيلم الفنية أو تقييمه بوصفه فيلما وثائقيا من عدمه خارج النقاش، بعد أن تم تضخيم جزء المؤامرة والاستهداف بعيدا عن المضمون الذي أصبح جزءا هامشيا يجب تجاهله، لأن القضية تمت محاصرتها في إطار أوسع وهو الوطن والكرامة. إلى جانب أنه يحقق مكسب تثبيت خطاب الدولة عن ضرورة الدعم في مواجهة الإخطار، وعدم النقد في أوقات الخطر، مثل الحرب على الإرهاب والمؤامرات التي يخوضها النظام، وكما تم تأكيد سوء نية صناع الفيلم، بالنظر إلى توقيت إذاعته، وما اعتبر محاولة لزعزعة الروح المعنوية للجيش، يصبح من الطبيعي أن يكون نقد النظام زعزعة للروح المعنوية لمؤسسات الدولة والقائمين عليها. وإن كان يجب تجنب هذا في التعامل مع الجيش، فمن الطبيعي أن تعمم الفكرة وأن يتم تأجيل طرح الاسئلة والاكتفاء بتأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أنه لا يخاف، والشعب يجب ألا يخاف لأنه وحده يعرف المشكلة والحل.
وبالإضافة لتك المكاسب هناك مكسب مهم في كل لحظة يتحقق فيها تكاتف حول فكرة معينة، حتى إن لم ترتبط بالسلطة وسياستها بشكل مباشر، كونها تؤكد – من وجهة نظر السلطة – أن الكتلة الصلبة تدعم النظام، وهو الدعم الذي يتم توسيعه ليشمل التفويض، ويشمل كل القرارات السابقة واللاحقة وكل الأعباء المتزايدة، التي تفرض على المواطنين وتسوق بوصفها جزءا من تفويض وثقة الشعب في الرئيس. ظهر هذا الأمر واضحا في حديث السيسي عن الثلاجة، التي أثارت الكثير من الجدل والسخرية، قبل أن يأتي تعليق رئيس منظمة المؤتمر الإسلامي الساخر عنها ليحولها إلى قضية مكانة وكرامة دولة، وهو ما تمت إعادة إنتاجه في التعامل مع فيلم «العساكر» من أجل تأكيد أن «الشعب مع النظام أيد واحدة».
ولكن هنا تبدأ الإشكالية التي تشير لوجود مشكلات على الأرض، ليس لفيلم الجزيرة علاقة بها، بداية من التعليقات المتكررة على وسائل التواصل الاجتماعي كلما زادت المعاناة على الشعب، أو زادت المميزات المقدمة لبعض الفئات في الجيش أو الشرطة، التي تطالب بأن يكون الجميع أيد واحدة في المميزات. يبدو تعليق أحد العساكر في الفيلم معبرا، وهو يؤكد على الرابط الذي يجمع بين العساكر بقوله: «احنا أبناء القهر المشترك»، تعبير قد يرى عدد متزايد من المصريين أنه يشملهم وفقا للمعاناة التي تجمع بينهم. ولكن بعيدا عن إسقاط خطاب الفيلم على الواقع، يظل من المهم أن نواجه الواقع بدون الشعارات التي يتم تكرارها علينا خارج سياق الأحداث. فإن كان جزء أساسي من نقد الفيلم ارتبط برفض تناوله لفكرة التجنيد الإجباري، فهل يمكن إنكار أن عضوا في البرلمان اعتبر أن الجندية يمكن أن يخضع لها من لا يملك، أما من يملك فيمكن أن يدفع للدولة نظير الإعفاء منها. وإن كان جزء آخر من النقد رفض ما تم تناوله من استخدام المجندين في أمور خارج نطاق خدمتهم العسكرية، فهل يمكن أن ننسى أحاديث كثيرة مشابهة في أعمال فنية لم ير أحد أنها تجاوزت الواقع، أو تجنت عليه أو شوهت الجيش، وهل يمكن أن ننسى العسكرى أشرف عبد الباقى في فيلم «الإرهاب والكباب» وهو يطالب بالعودة لقريته مؤكدا أنه لا يخدم الدولة بتجنيده بقدر ما يخدم «البيه الباشا اللواء» وأفراد أسرة «البيه الباشا اللواء»؟
والأكثر أهمية ألم يطالب السيسي في حديثه في غيط العنب في الإسكندرية، في سبتمبر 2016، الشعب المصري بالتوقف عن الهجوم على الجيش مكررا «ده جيشك، جيشك أنت مش جيشي»، وألم يكن هذا الحديث نفسه مؤشرا على وجود مشكلة، لأن العلاقة بين الشعب والجيش لم تكن في حاجة لدفاع رئاسي. أن يرى الرئيس ضرورة للحديث عنها فهو تعبير عن وجود مشكلة، في حين أن المشكلة واستمرارها قد لا تخص العساكر محل اهتمام وتركيز فيلم «الجزيرة» بقدر ما ترتبط بسياسات أكبر وأموال واستثمارات وتساؤلات تطرح بصورة علنية حول المميزات والأعباء في الواقع المصري.
ومن الممكن القول إن الفيلم استوقفني في علاقته بما سبقه من أحداث وأخبار تشير لوجود مشكلة وتطرح سؤالا حول علاقة الجيش بالشعب، سؤالا يظهر، وبعيدا عن خطاب التخوين من أي طرف، في صيغ السخرية القائمة كما ظهر في خطاب السيسي وأشكالية إحلال الجيش محل الكثير من مؤسسات الدولة، وتحميله مخاطر الفشل من ناحية، ومخاطر ارتباطه بأعمال غير عسكرية بشكل متزايد، بما يثير التساؤلات عن القدرة. وبهذا تتحول تعليقات يقصد منها أن تكون ساخرة في العيد السابق على طريقة «الجيش منزل ترمس والا نشتريه» لشخص مثلي محب وبشدة للجيش، لمشهد مؤلم وبشدة، ولكن الأزمة تبدأ من وضعه في مكان لا يخصه وتوسيع قيامه بمهام لا يفترض أن يقوم بها مع العديد من الأسباب والعوامل الأخرى.
ينتقد البعض الفيلم مؤكدين أن له أجندات، وهو أمر مؤكد وأن اختلفنا في تقييم تلك الأجندات أو أهدافها. ولكن من المهم أن ننظر إلى أساليب التناول في الداخل، قبل أن نبدأ في قذف الآخرين بالطوب، ونحن نتحدث عن خلط السياسة بالإعلام وتوظيف الإعلام من أجل أجندات سياسية، خاصة أن السياسة حاضرة في كل الأشياء في عالمنا، أما الموضوعية فهي مثل الحقيقة لازالت تبحث عن وطن. في الوقت نفسه من منا ليست له أجندات وأهداف يسعى إلى تحقيقها. وكما قال يوما أستاذ جليل، التحيز شيطان الباحث، وتحيزي للجيش وللوطن أساسي، وأن أردت أن تعتبر الفيلم عدوا فمن الجميل أن يهدي إليك عدوك عيوبك، وأن لم يكن فلازال من المهم أن نطرح الأسئلة من أجل الجيش ومن أجل الوطن ومن أجل ألا يكون خطاب المؤامرة تذكرة عبور للمشكلات وترحيلها من فترة لأخرى لأنها تتزايد وتتعمق وتزيد من المخاطر وليس العكس.
كاتبة مصرية
عبير ياسين