دولة إعلام للعساكر والحرائر واليهود المغاربة

«الجزيرة» في برنامجها «اليهود المغاربة بين أرض الميعاد وأرض الأجداد « تناولت «القدس» من المنظور المتعارف عليه والموروث تاريخيا منذ الحقبة الذهبية للامبراطورية العثمانية في عهد سليمان القانوني باني حائط المدينة، الذي توافد إليه اليهود، منذ ذاك الحين ليتخذ طابعا دينيا عدوانيا مع الزمن، باركه نداء نابليون «الصهيوني الأول – حسب تعبير وايزمان»، ثم وعد بلفور وليس انتهاء بجنازة بيريس… ولكن بعد قرار اليونسكو حول «أرض الميعاد» وتطور البحوث والدراسات وعلى رأسها «اسرائيل المتخيلة» و»القدس ليست أورشليم» لفاضل الربيعي، نتوقع أن تتغير البرامج التوثيقية من هذا النوع وتحديدا على «الجزيرة»، التي تضم أضخم مركز توثيق إعلامي للقضية الفلسطينية، بحيث تغير وجه التاريخ، مستعينة بما تحتويه هذه الدراسات من أدلة ثبوتية ونصوص دينية ومقاربات لغوية وتاريخية وأحداث سياسية وعلم أثريات وحفريات، لتكشف أن الحرب التي نخوضها مع أعدائنا لا تستند إلى مرجعية حقيقية، إنما إلى صناعة الوهم، الذي ورثناه منهم لنقاتلهم ويقاتلونا قيقتلونا في سبيله، وهذه طامة الطامات – فتفك الارتباط بين رواية العدو والرواية الحقيقية المغيبة» كما عبر الربيعي – لتنطلق من رؤية جديدة توثق ليهود المغرب بين ضرورة الانتماء للنص الديني وتبعات الانسياق وراء اللعبة الصهيونية، وتطلق شرارة البطولة الإعلامية التي تقود التاريخ ولا تنقاد إليه.

المدينة الإعلامية الفاضلة

يتفسخ العالم العربي ويتمزق كخرق بالية، فتتشرذم جثته كقنبلة عنقودية شائطة، ولا يتبقى منه سوى فتافيت إعلامية « ترشرش» هنا وهناك خطابات تحريضية، وشحنا طائفيا يوغر الصدور ويخض سكان القبور، ثم يرقص طربا أو حدادا – لا فرق – على «ليالي الكريستال – للإبادة العرقية» الإيرانية في اليمن والأمريكية في العراق والروسية في حلب والناتوية في ليبيا، فأين المفر؟
إنه عصر البكائيات الفضائية، التي تفتح دكاكين الأصنام الإعلامية بوصاية صينية مقلوبة تعلق الابتسامة على أعناق بلا روؤس، لتستجدي الفرجة بلا عينين، والفرجة وحدها لن تكفيك لتتحرر من هذا الالتباس المشتبك مع سوء الفهم وخطأ التقدير، لأن قيامة «الخلطبيطة»، التي تتوج إعلاميا مثل أحمد موسى ابنا للإله أبولو، أو أفلاطونا في حارة «زعران» فضائية، لا يمكنها أن تنتمي إلا إلى عالم الـ «يوتوبيا» اللا تلفزيونية، بمعنى أن التلفزيون لم يعد مكانا صالحا للفرجة، فأين ستعثر على المشاهد يا ترى؟

وشوشات زياني وخجل منتهى… غواية أم حذر!

قلبي على قلب الرجال! ولكي لا تسيء الظن بهذه اللغة أيها المشاهد، ويذهب فكرك لغوايات محرمة، فإن منبع الشفقة بحال الرجال لا تستدعيه قوة الطبيعة والتكوين الفيزيائي للغة بقدر ما تستوجبه الكتابة بكامل ذكورتي، بعد مشاهدتي لفيروز زياني في برنامجها «للقصة بقية»، ومتابعة منتهى الرمحي في «بانوراما العربية»، ففي «حوار الجحيم»، الذي تعقده فيروز مع ضيوفها وهي تذكي نيران القضية متدرجة من الحسيس إلى الأجيج، ومراوحة بين الوشوشة والجهر، تتبدى ملامح الغواية الإعلامية في الطرح، كضرورة مهنية لتشويق المشاهد واجتذابه بالأرجحة، في حبك ماكر للأداء الديناميكي، الذي يدغدغ الفضول والمتعة… ويمكن لهذا التكنيك أن يؤسس لـ «إيتيكيت إعلامي» لا تحتكره الحرائر، لأن الغواية هنا لا تتعلق بجنس المؤدي بقدر ما هي براعة أدائية تشمل الجنسين.
على الطرف الآخر، هناك خجل لاذع وحار بما أنه يندلع في حقل حواري ساخن هو الأحداث السياسية الملتهبة، التي يطرحها برنامج «بانوراما» على «العربية»، وتديره منتهى الرمحي، التي تحرص على جدية صارمة لا تلين أمام إغراءات الشاشة فلا هي ترق ولا هي تقسو، وهو تحديدا ما يسعفها حين يخرج بعض ضيوفها عن النص، لتستعيد توازنهم ببسمة خجول تندلع كزهرة النار على وجنتيها… كأن حذرها حياؤها لا العكس، فهل الحياء محرم على الرجال!
لو تابعت زميلها محمد الطميحي، وشهدت على توازنه وصرامته، التي لا ترق سوى لخفر ذكوري ينعش الرزانة ولا ينقضها لعرفت أن هذا الحذر كغواية ليس حكرا على حواء… ولكنه أكثر مهنية حين يجيد الرجال تقمصه بعفوية مقصودة لا تخل بخشونة الأداء.

دولة إعلام للعساكر

لم تتهاوَ الجيوش العربية على إيقاع أوبرالي يليق بالملاحم الأسطورية، ولا لفظت أنفاسها فوق سرير العظماء على وقع عزف ناي ناعم لفتاة شقراء يتراءى للميت في صحواته الأخيرة بروتوكولا جنائزيا لملاك موت… بل يبدو سقوطها كمن تعرقل بقدميه وهوى ثم قضى هكذا بعبثية وسخافة مطلقة ربما تؤملك بتأمل إعلامي مهني لهذا السقوط بعيدا عن أية حسابات… علما بأن برنامج «العساكر»، الذي بثته «الجزيرة»، فأثار ما أثار من قيامات في دول إعلامية من ذات الصف الواحد أو الصف المناهض، يمارس تعرقلا إعلاميا رديفا لا يليق بقناة رائدة وكبيرة بهذا القدر للأسباب التالية:
أولا: التركيز البرامجي على الجيش السوري والجيش المصري دون سواهما لا يطمئن المشاهد بقدر ما يثير استهجانه في ظل حالة خراب شاملة وسقوط متوال يعيشها وطن عربي بأكمله.
ثانيا: الحملات الإعلامية التي تتعمد تسليط الضوء على قضايا بعينها ببهرجة دعائية لا تندرج في خانة التوثيق الاستقصائي.
ثالثا: سبقني زميلي الكريم سليم عزوز بتناول الفيلم من الناحية التنفيذية وقد «كفى ووفى»، ولكنني سأضيف إلى ما تفضل به مقارنة سريعة بأفلام هوليوود وبرامجها التي اقتحمت عالم الجيش الأمريكي السري فلم تتوان عن القفز فوق الأسلاك الشائكة والتسلل إلى الغرف الخلفية لفضح الانتهاكات والجرائم المشينة، لكننا لم نر إعلاما يتبنى هذه الفضائحيات بتركيز مكثف ومتواصل ربما مراعاة للشعرة الفاصلة بين الجيش وقياداته، وبين التوعية والشحن، وبين الرسالة المهنية والحسابات السياسية.
يبقى أن نؤكد على حرية الإعلام في تبني قضايا محددة تلبي أهدافه ولا تسقطه – حرفيا – طالما أن الحيادية ليست من متطلبات المهنة، ولكن الرأي الآخر في «الجزيرة» يبيح الاستنكار ولا يستبيحه، وهو قانون عرفي في دولة الإعلام!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

دولة إعلام للعساكر والحرائر واليهود المغاربة

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية