اصطلاح «جنرالات المقاهي» له أكثر من معنى، ومن ضمن هذه المعاني، هو هؤلاء الجنرالات الذين خرجوا للتقاعد، فشغلوا أوقاتهم بإدارة الحروب من مركز إدارة العمليات الجديد، وهو المقهى!
وعند وقوع الانقلاب العسكري في مصر، كانت الفرصة مواتية لهؤلاء لأن يتحولوا ضيوفاً على القنوات التلفزيونية، ليسدوا العجز في توافر الكوادر، التي يمكن أن تقوم بمهمة الدفاع عن المواقف من متخذي القرار وأدوات تنفيذه، ليصبح عندنا بذلك اصطلاحاً جديداً هو «جنرالات الفضائيات»، الذين تسمع لهم وتشاهد أداءهم على الشاشة الصغيرة، فتأخذك الدهشة لهذه الضحالة الفكرية، وافتقاد القدرات، وهم يقومون بتعويض العجز في الفكرة، بممارسة البلطجة، حتى تبدو الأرض وكأنها بظهورهم قد ألقت ما فيها وتخلت، فلا تعرف ما إذا كنت أمام برنامج تلفزيوني أم في وحدة عسكرية أو في قسم شرطة أمام حضرة «الضابط النابتشي»، وتنطق في الصعيد «النابطشي»، ويقال إنها عامية لكلمة «النابتجي»، من «النوبتجية»، وفي دول الخليج يستبدل «الدوام» بـ «النوبتجية»، والله تعالى أعلى وأعلم.
عندما تشاهد «جنرالات الفضائيات» وهم يقومون بأدوار «الشبيحة» يستقر في وجدانك، أن المرحلة السابقة على الانقلاب كانت «ستراً وغطاءً» على القوم، الذين كشفوا بحضورهم المستوى الفكري الضحل للجنرالات، عندما يقول المثقف فيهم إن «سد النهضة» سينهار من تلقاء نفسه، وهو نفسه الذي رأى في «الرباعية التونسية»، أنها واحدة ست، كما تحدث جنرال آخر عن كراماته عندما أعلن أن زراعة الموز، تسد العجز في نقص المياه، وعلى أساس أن الأمطار تنزل غزيرة، حيث يوجد الموز، وعليه فقد اقترح زراعة الموز بكثافة بعد الانتهاء من «سد النهضة» وابتلاعه لحصة مصر التاريخية من مياه النيل!
أحد الجنرالات تنزل عليه الوحي، فأعلن أن المرأة المصرية تستحق أرقى الجوائز لأنها اخترعت «أكلة المسقعة»، والتي تبين أنها ليست مصرية، فضلا عن أنها ليست اختراعاً عظيماً كالمحشي بورق العنب. كما اخترعت أكلة البيض بالحمص، وهي أكلة من الواضح أنها من اختراع حرم الجنرال، لأن أحداً من العامة أو الخاصة لم يتعرف بعد على هذه الأكلة/ الاختراع!
كان يمكن أن نطلب من القيادة العليا في سلطة الانقلاب العسكري بالحجر على هؤلاء والتوقف عن إشاعة الفضيحة، عبر الفضائيات، والتنبيه على عدم ظهورهم من باب إذا ابتليتم فاستتروا، لكن الواقع يؤكد أن القيادة لا تختلف عن المتقاعدين من حيث المستوى، وقد صار الأداء من تواتره لا يثير دهشة ولا يبعث على إثارة؛ فقد تم حشد القيادات والرتب العليا العاملة، في حضرة اللواء «عبد العاطي» وهو يعلن للبشرية في مؤتمر صحافي عالمي نقلته كل المحطات التلفزيونية المصرية، توصله للقضاء على الإيدز بالكفتة!
وفي اليوم التالي كان اللواء «حمدي بخيت» قد حل ضيفاً على أحد البرامج – وهو من جنرالات المقاهي، الذين ترقوا وصار من جنرالات الفضائيات – وقد أعلن أن العلاج بالكفتة انتهى من مرحلة التجارب، وأنه يتم العلاج به في مستشفيات القوات المسلحة، قبل أن تعلن القوات المسلحة عن تأجيل العلاج به لمدة ست شهور، وبانتهائها تم تأجيله لأجل غير مسمي بعد أن تحول الأمر إلى فضيحة تغنى بها الركبان!
تحدي الملل
وجنرالات المقاهي، المترقون وظيفياً، هم من الشرطة ومن القوات المسلحة، فعدد لا بأس به من الجنرالات المتقاعدين لوزارة الداخلية قرروا أن يتحدوا الملل، وينتقلوا من المقاهي إلى الاستوديوهات، ولهم في ذلك مآرب أخرى!
فضابط الجيش قبل الانقلاب لم يكن سلطة في المجتمع، وعندما يتقاعد فلا يشعر بنقص، ثم أن مكانته في محيطه العسكري تظل قائمة بعد تقاعده، على العكس من ضابط الشرطة الذي هو سلطة طالما في الخدمة ويشعر بخروجه على المعاش كما لو كان قد أصبح ريشة في مهب الريح، فيفقد وظيفته ويفقد قدره لدى الضباط ولو حديثي التخرج منهم، بمن فيهم الملازم أول الذي يعمل في نقطة الشرطة القريبة من منزله، وكلما كان له نفوذ وهو في الخدمة، شعر بأزمة نفسية عندما يغادر موقعه، وأول سؤال عندما يقدم نفسه لضابط صغير في أي مصلحة شرطية: لواء حالي أم على المعاش؟!
وقد تعرفت قبل سنوات على ضابط كبير في الأموال العامة كان قد كلف بالقبض على عدد من علية القوم من بينهم مصطفى السعيد وزير الاقتصاد سابقاً، وكانت حالة الرجل بعد المعاش تشير إلى ضرورة علاج أمثاله نفسياً لتأهيلهم للمرحلة الجديدة بعد الإحالة للتقاعد، لقد اتخذ له مكتباً في وسط القاهرة، ورغم أن القانون يسمح له بالقيد في نقابة المحامين ومن ثم العمل بالمحاماة، إلا أنه لم يفعل، فلم تكن في مكتبه ورقة واحدة تشير إلى أنه يعمل شيئا، أو أن هناك مبرراً لوجوده في هذا المكتب، اللهم إلا مبرر عدم قدرته لتصور وضعه الجديد!
كان يجلس أمام حجرة مكتبه رجل عجوز، قال إنه «الصول» الذي كان يخدمه وهو في الخدمة، يخرج من الحجرة فيقف الرجل، ويدخلها فيهب واقفاً، ويقدم له قهوته ويده ترتعش، فيشعر هو بالشموخ، ولم يكن يدري أنها رعشة تختلف عن الرعشة الأولى، فهذه «رعشة» الشيخوخة لا حركة الخوف!
وهذا اللواء يمثل حالة، في مجتمع يحترم العمل الحكومي، فكانت النصيحة: «إذا فاتك الميري تمرغ في ترابه»، وقد فات جنرالات الفضائيات الميري وها هم يتمرغون في ترابه، ليشعروا بذلك أنهم لا يزالون على قيد الحياة، وتتغاضى السلطة في ضعفها عن قواعد مستقرة، فلا يجوز لمن خرج من الخدمة أن يحتفظ برتبته العسكرية، وكانت القوات المسلحة لديها حساسية من تقديم ضباط برتبتهم العسكرية بعد التقاعد. وفي برلمان سنة 2000 وعندما تمت المناداة على عضو بمجلس الشعب باسمه لحلف اليمين قال إنه لواء بالشرطة، ولا يجوز أن ينادى باسمه مجرداً، وحسم رئيس المجلس الأمر بأن «اللواء» رتبته في العمل، ألا وقد خرج للتقاعد فلا يجوز احتفاظه بها!
الخارجون على القانون
ولأن السلطة الغريقة تتعلق ولو في «قشاية»، فلم يتم التجاوز فقط عن ظهور ضباط سابقين برتبهم، وإنما في ادعاء رتب عسكرية ليست لهم، فهناك من خرج نقيباً من الجيش، لخلل نفسي، ومع ذلك هو يملأ الشاشات دفاعاً عن حكم العسكر وتنظيراً ومنتحلاً لرتبة اللواء، ومن ضباط الشرطة السابقين، يعجب المرء عندما يعلم أن «مجدي الشاهد»، الذي يقدم فضائياً وبناء على طلبه بأنه، «لواء»، وخبير في شؤون الإرهاب، ومساعد سابق لوزير الداخلية، تقاعد برتبة «العقيد»، ولم يكن مساعداً لوزير الداخلية، ولم يسبق له العمل في مجال مكافحة الإرهاب، فقد كان مجال خدمته هو شرطة المرور، يطلع على ترخيص القيادة وترخيص السيارة ويعطي مخالفات للوقوف في الممنوع، وقد تصل إلى أن يضع «الكلابش» في السيارة فيحول دون تحركها، وهو عمل بوليسي خلاق، لكن لا يمنحه قدرة على التنظير في مسائل الإرهاب، وفي تحليل الظواهر الكونية!
وفي المقابل فإن وزارة الداخلية تصمت على هذا الانتحال لثلاث صفات دفعة واحدة: الأولى: انتحال رتبة شرطية لم تعد له. والثانية: في قوله أنه لواء وأعلى رتبة حصل عليها هي العقيد. والثالثة: أنه مساعد سابق لوزير الداخلية، ومساعدو الوزير معروفون على سبيل الحصر. بيد أن هذا الصمت، لأن هذا وأمثاله يدافعون في الفضائيات عن جرائم الوزارة، التي لا يمكن لقياداتها الرسميين الدفاع عنها، فإذا فشلوا في المهمة قيل إنهم لا يعبرون عنها، لأنهم سابقون وليس لهم أن يدعو هذه الرتب وتلك الألقاب!
في الأسبوع الماضي، قامت وزارة الداخلية بتصفية ثلاثة شبان، قالت إن هذا حدث بعد تبادل لإطلاق النار، وقد ناقش الإعلامي محمد ناصر في قناة «مكملين» هذه الجريمة، واستدعى أهالي الضحايا الثلاثة الذين أجمعوا أنهم اختفوا قسرياً قبل شهور عدة، وأنهم تقدموا ببلاغات للنائب العام ضد اختفائهم.
وفي اليوم التالي، كان «مجدي الشاهد» على قناة «الجزيرة مباشر» يبرئ الداخلية بتصرف بوليسي يتسم بالرعونة عندما قال إن البلاغات المقدمة للنائب العام هي أصلاً هي من باب الاحتياط، وأن هؤلاء قتلة!
بيان وزارة الداخلية لم يذكر وقائع لجرائم ارتكبها الشبان الثلاثة، كما أن البلاغات إذا كانت للتضليل فهي إدانة للنائب العام لأنه من المفترض أن يحقق فيها ليثبت أنها للتضليل.
لن أضيف جديداً إذا قلت إن مصر فقدت الخبرة في مجال التلفيق، وصار الأمر يترك لجنرالات الفضائيات لممارسة الفهلوة، مقابل صمت الجهات المختصة عن جريمة انتحال الصفة، وهي مجرمة قانوناً.
إن السلطة الخارجة على القانون، لا تلام إن حمت الخروج عليه، في مرحلة تحولت الاستوديوهات فيها إلى مصحات نفسية لعلاج الضباط المتقاعدين.
صحافي من مصر
سليم عزوز