على الرغم من تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في مرحلة ما قبل الرئاسة، على ما لديه من «فلاتر» تقوم بتصفية ما يقال ومتى يقال وكيف يقال، وعلى الرغم من الصورة الذهنية التي تنعكس بشكل تلقائي على ما يمت للمؤسسة العسكرية بشكل عام وللمخابرات بشكل خاص في السياق المصري، إلا أن السيسي لا يتوقف عن إثارة الجدل في أحاديثه وخطاباته.
ورغم عمق وخطورة الأفكار التي يطرحها في الكثير من الأحيان، إلا أن نقطة واحدة بما لها من طبيعة ساخرة قد تحصل على القدر الأكبر من الاهتمام، ورغم أهميتها، قد تؤدي إلى تهميش قضايا محورية في توضيح أفكاره، وما يعبر عنه من رؤى حول دوره، وحول الدولة والسلطة والمواطن.
جدل أثير في التعامل مع أحاديثه وتعليقاته التي جاءت على هامش مشاركته في الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، الذى أقيم في 8 ديسمبر 2016، والمؤتمر الدوري الأول للشباب الذي عقد في شرم الشيخ في 10 ديسمبر. ورغم العديد من النقاط التي ركزت عليها التعليقات، استوقفني ما أثير عن حديثه عن التعليم في الجلسة الحوارية الأولى لمؤتمر الشباب. وبشكل عام ركزت معظم التعليقات على مقولته: «ينفع التعليم في أيه مع وطن ضايع»، واعتبر الكثير من التعليقات أن السيسي بهذا انتقل من مرحلة وصف مصر بأنها «أشباه دولة» إلى وصفها بأنها «وطن ضايع»، مع التأكيد – وفقا لتلك القراءة- على هامشية التعليم في تفكيره. بالمقابل تبنت الأصوات التي تدافع عن النظام والرئيس بشكل مستمر قراءة أخرى تؤكد على وجود رؤية شمولية للرئيس تستند إلى الثقة المطلقة فيه، وفي رؤيته التي جنبت مصر مصير دول الجوار، التي أكد أن مستويات التعليم المتقدمة فيها قبل ما سماه «الفوضى اللي احنا بنشوفها» لم تستطع أن تحقق لها الحماية في مواجهة الخراب والدمار.
ولكن التعامل مع ما قاله السيسي في سياقه، بالإضافة للأفكار التي يطرحها ويدافع عنها عادة يقدم جزءا آخر من رؤيته للمواطن المثالي. أما التعليم فهو مهم للغاية في تلك الرؤية لأنه الآلية أو الوسيلة التي يمكن من خلالها الوصول للإنسان المستهدف أو «المنتج» المراد الوصول إليه، وهي الكلمة الأكثر دقة في التعبير عن جوهر خطابه وتصوره، على الرغم من أنه تراجع عنها فور النطق بها، واعتبر أنها لا تتلاءم مع البشر، في حين أن الإنسان المثالي الذي يهدف للوصول إليه هو جزء من «برنامج» و»عملية صياغة» للشخصية وبشكل أدق «صياغة الشخصية المصرية».
يعيد الحديث للذهن ما سبق الإعلان عنه في نوفمبر 2015 من الحاجة لتشكيل لجنة للأخلاق، باعتبار أن المشكلة الأساسية التي تواجه مصر، وتواجه من يتولى مسؤوليتها هي الحاجة للتعامل مع عيوب الأخلاق المصرية، وضرورة تنميطها وفقا لرؤية السلطة. جزء من حديث يعمد لتأكيد فكرة مسؤولية الشعب عن المشاكل ونفي المسؤولية عن الحاكم. وبدون إخراج الموضوع عن إطاره وهو حديث السيسي في تلك الجزئية تحديدا، وما عمد إليه من إشارة إلى أوضاع دول الجوار التي لا يسميها، والدولة المتقدمة التي لم يعلن عن اسمها، يمكن القول إن الحديث، رغم ما حصل عليه من تصفيق متكرر، يفتقد المعايير الأساسية للموضوعية أو الاستشهاد بتلك الثقة التي جاءت في حديثه.
بداية أكد السيسي على الحاجة لنوع معين من التعليم، رافضا أن يكون المقصود منه هو كلام من تحدث قبله من خبراء أو متخصصين، أخذ إعداد ما قدموه الكثير من الوقت مقابل الخواطر التي أراد أن يعبر عنها، والتي تجاوزت حديث الرأي إلى حديث الثقة والتوجيه الذي لا يقبل النقاش، ويحصل على تأييد فوري. واستند في رفض التركيز إلى فكرة إعطاء المواطن «معرفة أو تعليما أو تعلما» وضرورة عدم اختزال «الموضوع في العلم والمعرفة فقط» وضرورة التركيز على «صياغة الشخصية المصرية» إلى أن التعليم الأكثر تقدما في الجوار المحيط بمصر لم يستطع حماية تلك الدول من «الخراب والدمار»، لأنها لم تستطع صياغة «الشخصية اللي تحمى بلادهم أن يبقى فيها قتل وتدمير وتخريب بالحجم اللي بنشوفه ده» ولأن التعليم لم يستطع إنقاذ تلك الدول فقد فشل وفقا لرؤية السيسي.
وهنا يمكن أن نرد على السيسي من خطابه ونقول، إن عدم وصول الأحداث في مصر إلى تلك الدرجة من «الخراب والدمار» يفترض أنه يشير لتطور الشخصية المصرية – وفقا لرؤيته- وقدرتها على إدراك ما في صالح الوطن من عدمه، وأن الوقوف احتراما للشعب الذي تحمل ويتحمل الكثير، يحمل تأكيدا ضمنيا على أن المشكلة ليست في الشخصية المصرية، ولكن في السياسات والقرارات التي يتم اتخاذها، بعيدا عن الشعب وعلى حسابه، بما فيها إهمال التعليم القائم على الوعي والمعرفة لأنه ليس في صالح السلطة.
ولكن تلك القراءة لن تفيد خطاب السيسي ومن يدعمه، لأنها تعيد إلقاء الكرة في ملعب الحكم وتسمح بمحاسبة السياسات بدلا من إدانة الشعب، كما تسمح بفرصة للمطالبه بالتغيير وهو ما يتنافى مع رؤية السلطة للمواطن المثالي.
وفي الوقت نفسه لابد أن نطرح تساؤلا مهما عن العلاقة التي يؤسس عليها السيسي حديثه عن التعليم وفكرة ضياع الأوطان، ودور التعليم مقابل دور غيره من الآليات والمؤسسات التي يفترض أن تتكون منها الدولة. وهو أمر يرتبط بتعريف التعليم السليم والمفيد – إن جاز القول- من وجهة نظره. وعبر حكاية لا يفترض أن تعمم أو تستخرج أحكام منها بالطريقة التي تناولها، يؤكد السيسي من خبرة زيارة لمدرسة ابتدائية لمدة 4 ساعات في دولة متقدمة لم يذكر اسمها، وإن كان السياق يشير إلى أنها اليابان، إلى أن التعليم الذي يتم وفقا لما سماه البرنامج «صاغ شخصية تتسم بالتوافق مع زمايلها والانصياع للقيادة والتعاون وروح الفريق والانضباط الشديد»، وهنا نكتشف أن جوهر الشخصية المثالية عسكرية الطابع – في إطار محدد لمعنى العسكرية – يلتزم فيها الجميع بهراركية السلطة والخضوع للأوامر والتحرك مثل «المكن» والمفترض في المحصلة النهائية أن لا أحد يثور على الواقع.
يتحول واقع الدولة في رؤية السيسي لنموذج لتلك الأحكام العامة، التي يصل إليها من تلك الزيارة القصيرة، التي لم ير فيها إلا جزءا صغيرا من الصورة، ولكنه يريد لمصر أن تكون نموذجا لهذا الجزء الصغير. وينقل لنا بإعجاب كيف أن كل طفل يحصل على ما يقدم له من طعام، دون أن يعلق أو يعترض أو يطالب بالمزيد، أو يطالب بتغيير ما قدم له. تتحول الدولة إلى حاكم ونظام يقدم ما يشاء من «طعام» أو سياسات وقرارات، ويتوقع بالمقابل أن يحصل كل فرد على «طبقه» المخصص له دون نقاش. يتجاوز السيسي عن الصورة الكبيرة التي تتواجد فيها تلك المدرسة والخدمات التي تقدم لهذا الطفل خارج سياق الفصل، والحقوق التي تتوفر له دون أن يكافح في كل لحظة لتأكيد أنه إنسان ويستحق أن يتمتع بتلك الحقوق، دون أن يعذب أو تنتهك كرامته. كما يتجاوز عن حقيقة أن هذا الفصل لا يتلاءم مع نوعية الحكم التي لدينا، وأنه في الوقت الذي أشار فـيــه إلى عدم اهتمام الاطفال بالزائرين وعدم الاهتــمام بأخذ صور «سيلفي» معه كان تقرير الإنجازات الصادر بعد عام من توليه السلطة يؤكد أن صور السيلفي التي أخذها مع الشباب في ختام المؤتمر الاقتصادي مؤشر على حرصه على الشباب واهتمامه بهم.
في النهاية نجد أننا أمام نوع خاص من التعليم قائم على صياغة الإنسان وفقا لمكانه في هيكل السلطة أو تروس العجلة. هو جزء من برنامج مثل أفلام الخيال العلمي التي تقوم على إنتاج الإنسان وفقا لمواصفات خاصة تتحدد وفقا للمرحلة، وهي في الحالة المصرية الايمان بالهيراركية والانصياع للأوامر وإعادة كتابة قواميس لا تعرف كلمات مثل الحرية أو الديمقراطية، وتؤكد على أن المواطن الصالح يقبل بما تضعه له السلطه في طبقه مع تقديم فروض الشكر اليومية مثل الصلاة قبل الأكل وبعده.
٭ كاتبة مصرية
عبير ياسين