الحبكة وتمثيل العالم

يعود ارتباط الحبكة بتمثيل العالم إلى أرسطو، لكن ينبغي عدم حصره فيها؛ فهي آلية من ضمن آليات تمثيل أخرى تخصّ الفنون غير الحكائيّة. وقد عُدَّت ركيزةً أساسًا في تحديد التخييل. وما يُهمّ- هنا- هو فحص تمثيلها العالم.
فما المقصود بهذا الأخير؟ أهو ما يماثل الامتداد الفيزيائيّ للمادّة مُمثّلة في الأشياء والمحسوسات (ديكارت)، أم هو نحن (هايدغر) في تطلّعاتنا بوصفها مشروعًا فردانيًّا أو نزوعًا جماعيًّا (غولدمان)؛ حيث لا ينفصل العالم عن الفعل الإنسانيّ، أم هو اللغة نفسها؛ حيث تكُون حدودها هي حدوده، ويستحيل وجوده من دونها (فتجنشتاين)؟
لا يُعَدُّ العالم ما لا يدخل بعد مجال خبرتنا، أو ما لم نُجرِّبه بعد وحسب، بل هو أيضًا ما اختبرناه في الزمان والمكان وتطلّعنا إليه، وصار يُشكِّل تجربتنا الخاصّة بما فيها من لغة وإدراك. ويسمح لنا هذا الفهم بِعَدِّ العالم مجموعة تجارب، لا تجربة هذا الشخص أو ذاك أو تجربة هذه الجماعة أو تلك؛ الشيء الذي يجعل منه مُتعدِّدًا مُتمايزًا. وما تخييل العالم إلا ما تتضمّنه هذه التجربة من تطلّع، سواء أكان مُتحقِّقًا أم غير مُتحقِّق أم مُنفتحًا على المُستقبل. ولا يتأسّس العالم المُخيَّل إلا إذا صار المُفكَّر فيه (نوايا- رغبات- تطلعات) في طور الاختبار؛ حيث يكتسب صبغة صيرورة حدثيّة مُندرِجة في الزمن. بيد أنّ الغاية من تخييله تمثُل في ترميمَ نقصه. وهذا النقص مُتأتٍّ من مظهريْن: كونه لا يمنحنا كلّ ما نُريد، وكونه لا ينبسط أمامنا كلُّه واضحَ المعالم، بما في ذلك اللغة التي نُعبِّر بها عنه؛ فهي تتّسم بدروها بالنقص لعجزها (دريدا) عن قوله في كلّ مظاهره. وتجعل هذه الخاصّيات العالم تجربة في هيئة شتات (هيغل)؛ الشيء الذي يجعل من التخييل وسيلة تمنحه الانسجام. يتدخّل التخييل- هنا وهنا فقط- ليًمثِّل العالم بوساطة الحبكة التي تسعفه في القبض على كلٍّ ما يُعطيه الانسجام اللازم، وتُوفِّر إمكان فهمه أيضا (بول ريكور)، بما يعنيه هذا من استحضار للزمن بوصفه ديمومة. وينبغي ربط هذا الكلّ الذي يُحقِّق انسجام العالم بالتطلّع (التوق)؛ أي إرادة فعل في علاقتها بالرغبة في موضوع ما (بول ريكور- غريماس).
وتُعَدُّ كلّ حبكة- مهما بلغ تنوّعها درجة من التفرّد- خاضعةً لحبكة مُتعالية تتحكّم في توجيه صياغتها. وتتّصل هذه الحبكة المُتعالية بمعرفي ما يسود في حقبة مُعيَّنة من التخييل. والمقصود بالمعرفي مجموعة من المبادئ التي تُنظِّم الإنتاج الفكريّ أو الفنّيّ أو القواعد المُنظِّمة للسلوك الإنسانيّ؛ ومن ثمّة ينبغي التفكير في بناء الحبكة في علاقتها بتمثيل العالم في هذا الإطار، لا غيره. كما ينبغي عدّ الحبكات المُختلفة الملموسة بمثابة تنويع على حبكة مُتعالية تُترجم صيرورة المعرفي في حقبة زمانيّة مُعيَّنة.
ولكي نُبرهن على ما قيل أعلاه نُفضِّل أن نتحدّث عن نوعيْن من الحبكة المُتعالية تُمثِّلان حقبتيْن مُختلفتين ارتبطتا بالمُجتمع، بوصفه تنظيمًا مُؤسَّساتيًّا، وهما: مرحلة الحكي العريق (التخييل البطوليّ)، ومرحلة الحكي الحديث (التخييل البشريّ)؛ فالأولى ارتبطت- في تمثيل العالم- بمعرفي يقوم على مبادئ، هي كالآتي: تمثيل حقيقة جاهزة سابقة على العالم الذي يُعَدُّ مُجرّد تمظهر زمانيّ لها، وهذه الحقيقة ثابتة مُعطاة منذ الأزل، وهي خالدة، تعكس عالمًا من التكرار (دولوز). وهذا التكرار ناتجٌ عن كون كلّ حدث يعود إلى أصل أخلاقيّ يعكس تراتب النظام الاجتماعيّ وصلاحيته وديمومته. ولا تتأسَّس الحبكة في الحكي العريق (ملحمة- حكاية شعبيّة – مآثر) إلا على تمثيل تعرّض العالم المُكتمل الذي يُصاغ وفق التشخيص البطوليّ إلى فعل قوّة تُهدِّد استقراره (أي تعرّضه للنقص) وغالبًا ما تُجسِّم القوّة المُهدِّدة في هيئة برّانيّة بوصفها غير مُنتمية للمُجتمع (الجنّ- المسوخ- قوى سحريّة- مُجتمعات عدوانيّة)، ولا يُجسَّم الصراع معها من أجل القضاء على تهديدها (إرباك النظام بوصفه حقيقة جاهزة) إلا في مكان يقع خارج المُجتمع. ويُجسَّم البطل- وفق هذه الحبكة المُتعالية- بوصفه مُمثِّلا لإرادة المُجتمع ونظامه، على الرغم من طابعه الفرديّ، لا الفردانيّ. كما يُقدَّم دومًا بوصفه جاهزًا لا يتعلّم القوّة والشجاعة، ولا يُجرِّب نفسه؛ إذ يُولد حاملًا في طبعه كلّ الخاصّيات البطوليّة، ولا يطول الإخفاقُ فعلَه. وتندرج كلّ الأفعال التي يقوم بها في سمت التطوّع، وتكون نتيجةُ ما يُنجزه إعادة التوازن (بريمون) إلى المُجتمع التي تعرّض لإرباك موصوف بكونه طارئًا وعارضًا؛ ومن ثمّة تمثُل مهام البطولي- في الحكي العريق- في تمثيل العالم بوصفه نظامًا أزليًّا يُمثِّل حقيقة جاهزة مُعطاة. ترتبط المرحلة الثانية التي تتمثَّل في الحكي الحديث (التخييل البشريّ) بحبكة مُتعالية تُمثِّل العالم وفق معرفي يقوم على مبادئ مُغايرة، هي كالآتي: تمثيل حقيقة نسبيّة خفيّة مُحايثة للعالم، وغير سابقة عليه، بل تمثيل تعذّر تجلّيها. وهي غير تكراريّة تُعاني من غياب أصل للعالم يُمْكِن إرجاع كلّ ما يحدث إليه. ويعود غياب الأصل إلى انشطار العالم على نفسه: عالم قائم غير مُقنع، وعالم فكرانيّ محلوم به. ولا يُجسَّم الزمان- في هذه الحبكة المتعالية- إلا بوصفه تمظهرًا لتعارضه مع الإرادة الساعية إلى إعادة خلق العالم من جديد (اليوتوبيا). ومن ثمّة يكُون تمثيل العالم المحلوم به قائمًا على الاختلاف، لا التكرار، لأنّ كلّ يوتوبيا هي غير تكراريّة. كما يتّسم الفعل الذي يسعى إلى تمثيل العالم في انشطاره بكونه خُلُقًا فردانيًّا، لا بوصفه تخلُّقًا جماعيًّا. ويرتبط الخلقي بإعادة تأسيس العالم، لا بتمثيل السُّنَن الأخلاقيّة التي تعكس تراتب النظام الاجتماعيّ وصلاحيته وديمومته. ولا تتأسَّس الحبكة في الحكي الحديث (رواية- قصّة قصيرة- حكيا ذاتيّا… الخ) إلا على تمثيل عالم غير مُكتمل يُصاغ وفق التشخيص البشريّ؛ حيث يُوضع النقص فيه في الفرد الذي يُعاني من مُعاندة الواقع لرغبته، ومن كون الوسائل التي يتوفَّر عليها (الفكر خاصّة) لا تتلاءم مع طبيعة هذه الرغبة. وتُجسَّم الشخصية في الحبكة المُتعالية الحديثة بوصفها فردانيّة لا تُمثِّل إلا نفسها، وتُقدَّم في الأغلب بكونها معزولة تُجرِّب نفسها، وتتعرّف إلى ذاتها في فعلها؛ إذ تُولد مُعانية من الأصل، ومن فقدانها ما يجعلها مُطمئنة إلى تاريخها الخاصّ. ويُعَدُّ كلُّ ما تقوم به من فعل غير مضمون النتيجة؛ إذ ينتهي دومًا بعدم الرضا.

٭ أكاديمي وأديب مغربي

الحبكة وتمثيل العالم

عبد الرحيم جيران

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية