بداية العام: الأسود في مواجهة واقع العنف والطغيان

حجم الخط
0

ربما تكون بعض التعليقات الساخرة التي تداولت في مصر مع نهاية عام وبداية آخر هي الأقرب للتعبير عن اللحظة، بما فيها من مخاطر وقلق لا يساعد على مواجهتها غير قدرة على الحياة تستمد من أشياء كثيرة، لعل منها أغوار البحيرة السرية للروح المصرية وبئر الأمل ونبع السخرية النابض دوما. 
ورغم تزايد القمع وغياب الحرية والأزمات الاقتصادية وانعكاساتها الاجتماعية خلال عام 2016 واستمرار أسباب الأزمات، وربما تصاعدها مع بداية العام الجديد، تظل السخرية قادرة على التحليق من عام لعام. ولهذا في حين اعتبر البعض أن البداية لا يوجد فيها ما يستوجب الاحتفاء، اعتبر البعض الآخر أن الإنجاز الأكبر للمواطن المصري يتمثل في القدرة على البقاء خلال العام المنتهي، بما تضمنه من تحديات وأزمات، وفي ظل كل ما يحمله العام الجديد من مشكلات.
في عالمنا العربي وفي ظل ما نشهده من كوارث وأزمات قد تبدو تلك التعليقات نوعا من التضخيم، باعتبار أن ما شهدته مصر، في إطار المقارنة وليس المطلق، أقل وطأة مما لحق بشعوب أخرى. ولكن ونحن نركز على الحالة المصرية في خصوصيتها، ونتلمس ملامح الوضعيه العربية المأزومة في عموميتها، علينا أن نؤكد أن نسبية المعاناة ونسبية درجة الإهانة وإهدار الكرامة الإنسانية، والمعاناة من دولة لأخرى أو من نظام لآخر، لا يمكن أن تمثل وسيلة أو مبررا لقبول الطغيان وإهدار الكرامة في مكان بوصفه أقل منه في مكان آخر، أو في لحظة بوصفها أقل منها في لحظة أخرى، ما دمنا نعترف بأن تلك المنطقة من العالم يسكنها بشر لهم كل ما للبشر في أنحاء المعمورة من حقوق وحريات إنسانية، وأن دولهم – نظم الحكم بالضرورة -عليها أن تمارس دورها في ظل كل ما ينظم علاقة الدولة بالمواطن، في ظل احترام تلك القواعد الإنسانية الأساسية. أما إن كان المتصور أن هناك نوعا من البشر أقل في القيمة عن غيره يسكن تلك المنطقة من العالم، ويرتب تواجده نوعا أقل رشادة من الحكم والحكام، فتلك قضية أخرى تتجاوز حدود النقاش في حاضر يتطلع لمستقبل أكثر إشراقا للإنسان، وربما يمكن تناولها في دعاية للحكام ونشرات من عصور ترى الحاكم هو الأصل والإله الذي لا يحاسب ولا يمس.
دخل العام الجديد ونحن لانزال في خطاب «أهل الشر» الذي يتسع عدد مستخدميه في العالم، ويتنافس فيه النظام الداخلي مع دول أخرى وجماعات وحركات كل منها ترى في المصطلح مدخلا لتمرير سياسات قائمة على العنف والقمع والقتل بدرجة ما. يتناسى الجميع أن العنف والقمع يظل عنفا وقمعا سواء مارسه نظام أو جماعة أو حركة إرهابية، يظل مولدا للعنف وتآكل السلام الاجتماعي والشعور بالأمان الشخصي ما دام يتم بعيدا عن روح القانون والعدالة، وفي المحصلة يهدد الاستقرار نفسه الذي يتحول إلى سطح هش يسهل تحطمه لأنه يفتقد لمعايير البقاء والتماسك الطبيعية التي يفترض أن تقوم على إعلاء القانون والمحاسبة والعدالة الاجتماعية، والتسلح بالحرية والديمقراطية، والتأكيد على مكانة الكرامة الإنسانية.
ندخل العام ومازال لدينا خطاب التبرير السيئ بافتراض غياب الأسوا، وتقديم وعود لا تتحقق على أرض الواقع، بل يتحقق النقيض لها. وفي الخلفية حديث سائق التوك توك عن الفجوة بين مصر التي تقدم في الإعلام، ومصر التي تتواجد في الواقع. فجوة تبرز واضحة في خطاب رئاسي متناقض يتحدث عن مصر بوصفها كيانا عظيما «بكره نشوفه»، و«أشلاء»، عن «إنجازات» غير مسبوقة، وواقع من المعاناة قد يكون غير مسبوق خلال العقود الأخيرة أيضا لدرجة أن ينتهي العام والجنيه – العملة المصرية- أقرب ما يكون للضحية الذي دفع ثمن سياسات حكم وإدارة فاشلة زادت الدين واختارت مشروعات غاب عنها المحاسبة والنقاش، بما زاد التحديات والمعاناة وكثف في الوقت ذاته من قيمة إبقاء الأوضاع خوفا من المجهول، الذي قد يكون أسوأ، وخوفا من غياب البديل، الذي ظهر واضحا في حملة ضرورة استمرار الرئيس لعدم وجود منافس أو بديل، ليس الآن ولكن في المستقبل. كلمات بعضها يعبر عن حقيقة الواقع المأزوم ومخاطر الاعتماد على الفرز القائم على وطني وخائن ضمن شعارات تهتف «تحيا مصر» ثلاث مرات في كل تجمع وحشد لا يعرف المواطن قيمته، أو ما أنفق عليه من أموال، والحاجة له في ظل الأوضاع القائمة، ومخاطر تقييد المجال العام ومحاولات توحيد الخطاب الإعلامي، من أجل أن يدافع فقط عن سياسات النظام. ولكن يظل الرجاء أن ندخل لعام تتم فيه المقارنة بما لدى الدولة من إيجابيات وما يتمتع به الشعب من حقوق وخدمات.  أن ندخل عاما جديدا نعترف فيه بأن للدول على حكامها حقا يتجاوز التخلي عن الأرض والتنازل عن الدور، وتقزيمها لدرجة أن تكون  «أشلاء» ومجرد كيان «لا يبحث عن دور» ولا «ينافس أحدا».
فعليا لا أنكر أن لديّ رغبة في كتابة أشياء سعيدة، أن أجد ما يكفي للحديث عن الوطن بكل الفخر الذي يستحقه، وليس التدهور الذي يتعرض له في أكثر من مجال، وهو وضع يمكن أن يتقاطع بدوره مع مطالب النظام بنشر الإيجابيات والتركيز على الإنجازات ومحاربة التشاؤم، الذي لا تراه لصيقا بالأوضاع بقدر ما تراه نتاجا لقوى الشر. ولكن يظل السؤال كيف يمكن أن تتمسك بالفرح في ظل إصرار النظام على دخول العام الجديد بانتهاك أحكام القضاء والدستور والتنازل عن الأرض؟ وكيف يمكن قراءة قرار مجلس الوزراء في 29 ديسمبر وفي خميس أسود آخر، بما قيل إنه الموافقة على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، التي تتضمن التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وإحالتها للبرلمان، رغم أن القضية مطروحة أمام القضاء بعد أن أصدرت محكمة القضاء الإداري في يونيو 2016 حكما غير نهائي ببطلانها، وهو الحكم الذي طعنت فيه هيئة قضايا الدولة – الجهة الممثلة للحكومة- والذي كان يفترض البت فيه خلال يناير الحالي.
جاءت الخطوة مثيرة للكثير من الانتقادات والجدل بوصفها منافية للدستور، الذي لا يقر بحق مجلس الوزراء في إحالة الاتفاقية للبرلمان، إلى جانب توقيتها، خاصة أن التوقيع تم في أبريل 2016 ولم يكن هناك سبب لإعادة طرحها أمام المجلس، في ظل حكم محكمة القضاء الإداري. يبدو الحدث بمثابة محاولة لإغلاق ملف الجزر عبر إحداث مشكلة تنازع اختصاصات وخلاف بين السلطات تتجه بالقضية للمحكمة الدستورية، مع إدخال البرلمان بوصفه طرفا، وهو أمر قد يقود في النهاية إلى السقوط في فخ الاستفتاء على الوطن من قبل النظام، الذي مارس ولايزال يمارس كل ما يمكن لتثبيت أن الجزر غير مصرية.
وفي خلفية تلك التحركات تبدو محاولة النظام واضحة لدفع أثمان دعائم البقاء وتحسين علاقاته بدول الخليج، مع ترقبه لعلاقات أفضل مع الولايات المتحدة مع تولي الرئيس المنتخب ترامب للسلطة، وتزايد النفوذ الروسي في سوريا وتقارب روسيا بوتين مع أمريكا ترامب، بما يسمح بانسجام خارجي يدعم فرص بقاء النظام مع تخفيف الانتقادات الخارجية لممارساته الداخلية، ويضمن الحصول على دعم في ملفات تؤكد على أهمية الإرهاب على حساب الحقوق والحريات، وعلى بعض الدعم الذي يمكن أن يحافظ على صمت ما للكتلة الصلبة التي تثير مخاوفه، مهما تحدث الرئيس وأكد على عدم اهتمامه بالشعبية لأن تلك الكتلة نفسها، التي ترد في أحاديثه بصور مختلفة، تمثل أساس الاستقرار أو ضخامة الانفجار.
في واحدة من أغانيه المميزة، التي يحاول فيها الرد على سبب ارتداء الملابس السوداء على المسرح دوما، يقول جوني كاش المطرب وكاتب الأغاني الأمريكي المعروف في أغنيته «رجل في الملابس السوداء: «هناك دائماً من يجب أن يكون في المقدمه مرتدياً الأسود»، وهو شخص يتمثل دوره في التذكير بكل المساوئ التي تحيط بنا. ولأن الاشياء السيئة ستكون موجودة دوما فقد أكد على ضرورة لفت النظر إليها، بوصفه الرجل في الملابس السوداء حتى تتحسن الأمور وتكون أكثر اشراقا. ومع الفارق أتفق معه في أهمية أن يكون هناك من يكتب عن الأسود أيضا من أجل لحظة أشراق الشمس أو ميلاد جديد للوطن. وإن كنت أرى أن العتاب دوما دليل حب واهتمام انساني، فالأسود هنا دليل عشق لا يميز بين الوطن وناسه ولا يقبل أن ترفع خطابا صفريا يقر بحق أي نظام في الاختيار، بين ما يسميه حماية الأوطان وكرامة الانسان، فالحماية لا تقوم بدون كرامة والكرامة لا تتحقق بدون وطن حر قادر على الدفاع عن مصالحه وتمسكه بقيمه التي تمثل جزءا أساسيا من تاريخه وحاضره ومستقبله. ولأن الوطن يستحق فإن الكتابة في أحيان كثيرة ما زالت بالأسود وإن كان الوعد أن تظل متمسكة بكل التفاؤل والسخرية التي لابد أن تتواجد في بئر الأمل من أجل الاستمرار.
كاتبة مصرية

بداية العام: الأسود في مواجهة واقع العنف والطغيان

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية