للرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي حضور في نكتة مصرية، يؤكد فيها أن أغنى دولة عربية هي مصر، وعندما يتعجب من سأله عن اختياره، يؤكد أنه رغم السرقات التي تعرضت لها، فإن مصر ما زالت قادرة على العطاء.
نكتة وجدت طريقها للبعض بعد ثورة 25 يناير في أجواء الكشف عن صور مختلفة من الفساد، واستغلال النفوذ الذي ظهر واضحا في امتلاك البعض للكثير من الممتلكات والأموال داخل مصر وخارجها، ناهيك عن فوائد ومكتسبات أخرى لا يمكن حصرها. ولكن رغم كل هذا تراجعت تلك الأخبار كما ظهرت وكأنها مجرد مد وجزر يفترض أن يعود الشاطئ بعده إلى حالة من السكون. وبدلا من خطاب المحاسبة واستعادة الأموال والحقوق، دخلنا في دوامات متلاحقة من تخوين الثورة، وحديث التصالح واللجان واللجان المنبثقة.
لكن المحصلة لم تتوقف عند عدم استعادة الأموال أو الأخبار المتلاحقة عن تخفيضات التصالح مع البعض والوصول لأرقام أقل مما كان معلنا، وفي وقت انخفض فيه الجنيه المصري بدرجة كبيرة، بما يعني أن قيمة التصالح المعلن عنها بالجنيه أقل بكثير مما كان يفترض تحصيله في فترات سابقة.
ولكن أحد الأبعاد الأكثر أهمية وخطورة في انحسار محاسبة فساد ما قبل يناير هو إعادة تفعيل نغمة مصر الفقيرة جدا، التي لا يطلقها النظام فقط، ولكن يدافع عنها البعض من عموم الشعب، وهو أمر يستحق التوقف أمامه كما يستحق حزن البعض المعلن من إقرار مصرية جزيرتي تيران وصنافير وقفة أيضا.
الطبيعي، في ظل أوضاع سياسية معينة ترتبط بغياب الديمقراطية والمحاسبة، أن تفرح السلطة وهي تستقطع أجزاء من الوطن أو موارده، من أجل تمرير بعض المكاسب أو أسس الوجود، وأن يفرح النظام وهو يؤكد على حديث الأزمات والفقر، لأنه يصب في خطاب «مش قادر أديك»، ويؤسس لحالة الشعب والدولة العبء على السلطة والحاكم، ولكن أن يعبر مواطن عادي لا يستفيد من دوائر السلطة عن قناعته بفقر البلد وحزنه لإثبات سيادته على جزء من أراضيها، فهو أمر يحتاج لتفسير مختلف قد يجد جزءا من الإجابة عنه في الإستراتيجيات العشر لخداع الجماهير، التي ارتبطت باسم الفيلسوف الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي.
استراتيجيات جاء الإلهاء في مقدمتها، يليه خلق المشكلة وتقديم الحل، والتدرج لفرض إجراء غير مقبول عبر الوقت، وتقديم السياسات المطلوبة بوصفها أمرا مؤلما، لكنه ضروري للتطبيق في المستقبل، ومخاطبة الشعب مثل الأطفال، واستثارة العاطفة، وإبقاء الشعب في حالة جهل، وإقناعه بأهمية أن يكون جاهلا، والتركيز على اللوم الفردي، وأن الشخص مسؤول عما يحدث له بحكم سماته الخاصة، حتى لا يتمرد على السلطة أو الأوضاع القائمة، ومعرفة السلطة للفرد أكثر من معرفته لنفسه عبر التقنيات الحديثة. ولا يمكن إغفال التشابكات القائمة بين تلك الإستراتيجيات، فكل منها يصب في الآخر ويدعمه، خاصة عندما تمارس عبر فترة زمنية ممتدة. وفي حين يعد الإلهاء الإطار العام، فإن إشغال الناس بكثير من القضايا قليلة القيمة مع استخدام خطاب العاطفة والتجهيل تسهل من خلق المشكلات وحلها.
في مصر نجد تلك الإستراتيجيات حولنا بأشكال متعددة، ويمكن من خلالها تفسير جزء من الخطاب الإعلامي السائد، وأن ندرك لماذا تعامل البعض مع ضحايا مركب رشيد بالإدانة، ولماذا يركز البعض على تمرير خطاب لوم التجار والجشع الفردي، عند الحديث عن المعاناة الاقتصادية وانخفاض قيمة الجنيه، بدلا من الحديث عن السياسة والإدارة الخاطئة التي تدار بها الدولة وتخصص بها مواردها.
يمكن أيضا أن ندرك لماذا تتحول نظرية المؤامرة لآلية وجود، لأن «أهل الشر» جزء أساسي من منظومة تنويع أسباب الفشل، دون الإشارة للمسؤول الرئيسي عما يحدث. كما أنها وسيلة مريحة لتعظيم حالة التجهيل وغياب الشفافية والمحاسبة، ويمكن أن نتذكر حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل انتخابه عن مخاطر الإعلان عن أماكن المشروعات التي ينوي القيام بها حتى لا يستهدفها الأعداء. الطريقة نفسها حولت شعار «تحيا مصر» لجزء من منظومة التخوين القائمة التي يستخدمها الجميع، بعده مثل العديد من الشعارات التي تطلق من أعلى ثم تكرر. مسرح هناك من يصوغ مصطلحات المرحلة خلف الستار ضمن إطار تقنين استراتيجيات خداع الجماهير، وفي القلب الإلهاء وتحويل الاهتمام من قضية لأخرى بالسرعة المطلوبة للأحداث. وفي المنتصف تتخذ الكثير من القرارات المهمة مساء الخميس وقبل الإجازة حتى يفاجأ الناس بواقع ارتفاع الأسعار، كما كان يحدث أيام حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك ومازال، أو خلال حدث كبير كما شهدنا مع القرارات الاقتصادية الخاصة بتعويم الجنيه، وتخفيض دعم الطاقة التي صدرت يوم الخميس 3 نوفمبر 2016، وقرار المحكمة حول تيران وصنافير وإعلان قائمة لشخصيات إرهابية، ضمنها لاعب الكرة الشهير محمد أبو تريكة متزامنا مع الحدث. أما خلاف فني أو كروي ما فيتحول عبر ماكينة الإلهاء إلى الحدث المسيطر، وكأن حياة الشعب لا يمكن أن تستقيم بدونه. وإن كان موقع مثل الفيسبوك تعرض للنقد لعملية اختيار الأخبار التي تظهر على صفحات المشتركين وما فيها من انحيازات، فإن موقعا لا يخضع للمراقبة الشعبية أو يخضع لمراقبة السلطة، التي تمرر ما تريد تمريره – إلى درجة كبيرة- يصعب أن تثق فيه بما يعلن بوصفه استطلاعا للرأي أو اختيارات الجماهير وانحيازاتهم، التي تبدو أحيانا غير منطقية مثل تأييد رفع أسعار سلعة أو خدمة ما مثلا.
في ظل هذا الواقع يصبح من الطبيعي، أن يكون رد رئيس مجلس النواب على سؤال عن إنفاق 18 مليون جنيه لشراء ثلاث سيارات خاصة للمجلس، وما تبعه من اهتمام، خليطا من التخوين والتهديد بقوله: «لن أتردد في اتخاذ كل الإجراءات الجنائية والقانونية ضد المخالفين للحفاظ على المجلس، وتسريب ميزانية المجلس جريمة أمن قومي»، بدلا من مواجهة ما كشفت عنه بنود الميزانية المعلنة من ارتفاع مخصصات الأجور والمكآفات لتصل إلى 81% من الموازنة، وعلاقة هذا بمطالب سابقة لأعضاء في بداية المجلس لزيادة المخصصات المالية المحددة لهم، وتناقضه مع خطاب التقشف المعلن والموافقة على ما يقيد على المواطنين.
واقع يكشف أيضا عن خطورة تعدد الجهات التي لا تُحاسب على نفقاتها وتعيش بوصفها جزرا منعزلة لا يعرف عنها المواطن أي شيء، في الوقت الذي يخصص لها الكثير من الأموال يطالب الشعب بالتقشف ويؤكد الرئيس أن «احنا فقراء قوي» دون أن يحدد من هم الفقراء حقا في المحروسة ولماذا هم فقراء؟ ودون أن يجيب عن السؤال الأوسع عن سبب إفقار المحروسة، أو استمرار العطاء في سيارات وحراسات ومؤتمرات، رغم الفقر الذي يؤكد عليه، أو يجيب عن سبب استمرار غياب المحاسبة والتقشف الرسمى مادام الشعب لا يسمع إلا حديث الأزمات والفقر والصبر. ولماذا يعقد مؤتمر شهري للشباب على مستوى الدولة، ثم مؤتمر للشباب على مستوى محافظة، بحضور الكثير من المسؤولين، وبدلا من أن يتم تخصيص الأموال لمشاريع فعلية، كما يفترض لدولة «فقيرة» ينتهي المؤتمر في كفر الشيخ للمطالبة برفع المصاريف الدراسية؟ لماذا ينتهي الإنفاق غير المحسوب وغير المحاسب عليه للمطالبة بفرض قيود جديدة على المواطن، ولماذا لا نوفر تلك اللقاءات لتنمية حقيقية؟ ومتى نخرج من دوائر الهيبة الاحتفالية التي تجعل قيمة الدولة في سجادة على طريق، أو سيارات جديدة، أو إغلاق باب محافظ أمام الجماهير، لأن مكتبه له هيبة يفترض ألا تنتهك؟ لماذا لا يقول أحد متى يتم إرجاع الحق للمواطن بوصفه أصل السلطة والمستهدف من الحكم وليس الحاكم ومن حوله.
أقف دوما في موقع يرفض السقوط في مستنقع التهميش، الذي يفرض علينا منذ ثورة يناير، خاصة في مرحلة ما بعد الرئيس الأسبق محمد مرسي. وقبل أن تثار أي اتهامات غير حقيقية، فإن السبب الأساسي يرتبط بالأسس التي تعتمد عليها استراتيجيات الخداع، خاصة الإعلام، حيث أن وجود مساحة بين السلطة والإعلام يعني تنوع الآراء وإمكانية الكشف عن الحقيقة، أو صور قريبة منها. في حين أن اقتراب الإعلام من السلطة وتحوله لمتحدث يتبنى خطابها ويدافع عنها وعن سياستها، يعني تقييد المساحة المتاحة أمام المواطن لكشف الحقيقة، أو لفضيلة الشك في ما يعلن من رؤى أحادية.
يبدو خطر استراتيجيات خداع الجماهير واضحا في قدرتها على تهميش قيمة المواطن لنفسه، عبر تعميق خطاب لوم الذات وإبراء السلطة. وفي مصر تطورنا من خطاب مبارك عن كارثية الزيادة السكانية التي تأكل الأخضر واليابس، لخطاب السيسي «إحنا فقراء» ومصر «أشباه دولة». مرحلة طويلة عبر عقود وصلت لترسيخ رؤى سلبية عن الذات وعن الوطن، رؤى تعني لدى البعض أن الوطن هو اتباع السلطة على طول الخط على طريقة الفنان المميز سعيد صالح في مسرحية «هاللو شلبي» وهو يؤكد ساخرا «اللي يتجوز أمى أقوله يا عمي»، وترديد تحيا مصر ثلاث مرات، والموافقة على ترك الجزر والإقرار بفقرنا الذي يتناقض مع إنفاق السلطة، وكأنها تصرف من أموالها الخاصة وليس من أموال دولة وشعب ووطن مفقر أو «فقير» وفقا لخطاب السلطة ذاتها. المشاهدات على هامش حديث الفقر والجزر وغيره، ربما يكون من الضروري الحديث عن استراتيجيات الخداع من وقت لآخر من أجل تفكيكه وكشف الخط الرابط بين الأحداث، بما يسمح بالتركيز على الركائز الأساسية، وهي الوطن والحرية، والإنسان والكرامة الإنسانية، والحياة التي هي حياة وليس مجرد أشباه في وطن يحكمه من يدرك أنه أيضا ليس مجرد أشباه.
كاتبة مصرية
عبير ياسين