بيروت ـ «القدس العربي»: في السجل السينمائي للمخرج اللبناني فيليب عرقتنجي محطات مشوقة ومضيئة. المراقب لأفلامه الطويلة والقصيرة معاً يشعر بمدى انشغاله بتفاصيل مرئية وأخرى حسية. المخرج الذي أسرع في العودة إلى بيروت تزامناً مع انتهاء عدوان تموز/يونيو 2006 ليدخل الجنوب مع أهله، مسكون بموضوع وطني. كانت له أولا «البوسطة» الفلكلوري الغنائي، ومن ثم تحفة «تحت القصف»، وثالث أفلامه الروائية «ميراث» وفيه بحث عن الهوية والانتماء. «اسمعي» جديده الذي انطلق في الصالات اللبنانية قبل أيام أبحر في الحب، اللاوعي والعامل النفسي. وهكذا نسج عرقتنجي مع كاتبة السيناريو منى كريم حكاية حب نبضها الأساسي السمع، ومعها كانت حياة عاطفية حرّة لفئة من الشباب اللبناني قبل الزواج.
عندما التقينا عرقتنجي كان مع مساعدته يسابقان الزمن لإنجاز شريط من 22 دقيقة من أصل 100 هي زمن «اسمعي» الكلي. والهدف «أن يعرض على شاشة التلفزيون كوثائقي، وأن يكون على DVD، ما يساعد في الترويج للفيلم. الترويج ليس الهدف الأوحد، بل تضمين الوثائقي ما يعطي قيمة للعمل. أن يستغرق الفيلم سنتين من الجهود فهذا يستدعي الشرح، في رأي المخرج. والوثائقي يقدم الشرح. إذ يضم مشاهد تُعرض الآن في الصالات وأخرى من الـ«Making O». هكذا كانت البداية مع عرقتنجي الذي يجيد انجاز عدة مهمات معاً، إذ تابع المراحل النهائية من الوثائقي والحوار معاً، فصار الوثائقي جزءاً منه خاصة حين حكى مع كاتبة السيناريو منى كريم في المسار الأساسي للفيلم.
«اسمعي» في الصالات ومجتمعنا تعامل معه بواقعية وتسامح. لم تقم القيامة على العلاقة العاطفية قبل الزواج، إنما مشهد عادي لرجل دين من طائفة الموحدين الدروز كان مستحيلاً مروره. في رأي عرقتنجي: وجود المشاهد الحميمة ضرورة، فالفيلم يحكي قصة حب. في الواقع يتعانق جزء من العشّاق قبل الزواج. وجزء آخر يعيش الحياة الحميمة كاملة. اعتقدنا أن مشاهدة مماثلة ستواجه اعتراضاً؟ حيث كمن الخوف لم يحصل أي مكروه، فقط تصنيف الفيلم لمن هم فوق الـ18 من قبل الرقابة. لهذا قلت في دردشة مع زوجتي بأنني فتحت باباً مفتوحاً أصلاً. ولم نقدم جديداً. لم تستفز المشاهد الحميمة أحداً، والسبب أنها فنية وشاعرية كلياً. ليس هذا وحسب بل كبار السن يرددون بعد حضور الفيلم: «يا ريت كان هيك ع جيلنا». لكن المشكل أتى من حيث لم ننتظر. المعترضون لم يشاهدوا الفيلم. فقط كان الشاب الذي رافق حبيبته إلى مسقط رأسه يسير معها بالتزامن مع شيخين يسيران على الطريق، وبعد ثوان يقول شيخ آخر للشاب: «ما عرفتناش ع الصبية»؟ ينهي عرقتنجي الرد على السؤال الأول. الاعتراض الديني الذي دفع الحديث عن «اسمعي» إلى الواجهة شكل دعاية مجانية للفيلم في رأينا. إنما لمخرجه رأي آخر: لست مسروراً بالأسود يتخلل عملي السينمائي. لست مسروراً بالأسود نعم، لكنني مرتاح لأنني أسير وفق مبادئي السلمية، ورغبتي بعدم التسبب بالإزعاج لأحد ما.
«اسمعي» قصة حب شفافة، وفي داخلها عناوين عدة خاصة بالنساء. نسأل المخرج إن كان فيلماً عن المرأة؟ جوابه مختصر مفيد: هو فيلم عن مكانة ومكان الرجل في مجتمع نسائي. وإلى حدود ما «اسمعي» فيه قضايا نسائية إنما من خلال أذن رجل. هي وجهة نظر سمعية.
ولأن الفيلم يتضمن إلى جانب مساره العاطفي ريبورتاجاً تلفزيونياً يطرح السؤال: «ماذا تريد المرأة من الرجل؟» فالأجوبة وصلت من شهيرات لينا أبيض وخوري، اللتين عالجتا قضايا النساء في المسرح بجرأة. في حيثيات الاختيار يقرأ عرقتنجي: الجواب على السؤال جاء من فئات عمرية مختلفة منهن نساء تخطين السبعين وشابات. ومنهن من قالت بوجود ثماني نساء مقابل كل رجل في لبنان. وخلال الريبورتاج حاول العديد من الشابات جذب هادي بو عياش «مهندس الصوت جود». «جود» حاول الوفاء لحبيبته رغم كثرة المعجبات من حوله. في ردود النساء على السؤال هناك تفاوت بين من يريد الرجل سوبرمان، ومن يطلب منه الرواق. وفي هذا تناسق مع صيرورة الفيلم والحبيبة التي غابت. الوثائقي داخل الفيلم يشكل جزءاً من الاوركسترا المساعدة.
يعود عرقتنجي إلى وضعية «جود» في «اسمعي» وما تعرض له من تحرشات مباشرة ويقول ضاحكاً: في الشارع اللبناني نلحظ تفوق عدد النساء. أصبح الرجال أقلية. وكل أقلية لديها عوامل خوف.
الجواب الضاحك استدعى سؤالاً: لماذا تتظاهر النساء تنديداً بالذكورية إذاً؟ فالذكور رحلوا؟ يقول عرقتنجي: توافقنا أن الفيلم في جانب منه عن النساء لكن من وجهة نظر رجل. نعم، رحل أكثر الرجال للعمل خارجاً، لكننا لا نزال في مجتمع ذكوري. وفي مجتمع يضرب الأزواج زوجاتهم. في اللاوعي الفيلم يترك للصوت والموسيقى الحضور الأهم قبل أي موضوع آخر.
القراءة في الرسائل اللطيفة عن الحياة الحميمية في شرقنا والتي وردت في محاضرة جامعية استدعت السؤال هل هي دعوة للتصالح مع الماضي ونسف المُحرّم؟ نعم، علينا التصالح مع أدبنا. ويضيف فيليب عرقتنجي: يكفي خجلاً من الماضي، ويكفي تناسلاً من ضمن عائلة المحرمات.
يرى عرقتنجي في شخصية «جود» المهووس بعمله جزءا منه. وكذلك فيه بعض من شخصية «رنا» التي تصدت لبورجوازية والديها في اختيار حبيبها. وخلص للقول: وأجاري «مروى» في مرارتها من نظرة الغرب إلى مجتمعاتنا الشرقية. في النهاية كل فيلم يتضمن أفكاراً لمخرجه.
«اسمعي» الفيلم الرومانسي بامتياز كان له أن يمتع المشاهد بمناظر جميلة من لبنان. في حيثيات وجودها يقول عرقتنجي: هي مشاهد داعمة لرومانسية وشاعرية الفيلم. «اسمعي» رحلة في عالم الصوت. حبكة الفيلم الأساسية هي الصوت، أن يرقص الحبيبان، وأن نصور حضورهما في الطبيعة في رأيي أمر مضاف يدعم الرحلة الشاعرية والرومانسية في عوالم الصوت.
درجت المسلسلات والأفلام اللبنانية التجارية على اختيار ممثلات فائقات الجمال ومن يقال عنهن «واو» بالمفهوم المسطح للجمال. الصبيتان في فيلم «اسمعي» جمالهما عادي ومن دون اضافات مصطنعة. الرد: أرفض الجمال المصطنع. بحثت عن الجمال الطبيعي لدى الممثلات. أي فتاة أو ممثلة ألحظ وجهها قد خضع لـ»فيلينيغ وبوتوكس» اعتذر عن الكاستينغ. أنا مع الممثلة التي تحافظ على طبيعتها من دون تعديل. في بحثي عن الممثلة اتجه لخيار صحيح، حقيقي وقريب من الواقع. هو الوجه المتمكن من إيصال المشاعر الحقيقية دون تجميل. إنه الوجه المعبر. باختصار ممثلات «اسمعي» جميلات بكافة المقاييس.
بالسؤال عن كواليس اختيار فريق الممثلين يرى فيليب عرقتنجي دخولاً إلى بعض أسرار المهنة لكنه يحكي تفصيلاً: حين كنت مع منى كريم في مرحلة كتابة السيناريو كان واضحاً لنا أن دور «جود» سيؤديه هادي بوعياش. وفي مرحلة الكتابة كان الكاستينغ يأخذ دوره. وخلال الكتابة كان القرار بأنه من سيمثل دور مهندس الصوت. وهكذا كُتب النص لأجله، أشياء محددة من حياة هادي موجودة في الفيلم والباقي من الخيال. «جود» ليس هادي، وفي الوقت نفسه ليس بعيداً عنه. وخلال الكتابة كان اللقاء مع يارا بو نصار. وجدت لغة تخاطبها دسمة ومقنعة، وكان القرار أن تكون استاذة جامعية في الأدب العربي فلديها كافة مقومات الدور. اللقاء مع ربى تمّ خلال الكاستينغ، لكنها تعيش في الولايات المتحدة. كنت في بحث عن فتاة تؤدي الدور بشخصية «خفيفة». مع البدء بالتصوير قررت أن تكون هي «رنا»، استدعيتها بعد كاستنيغ عبر سكايب «شاهدنا خلال الحوار بعضاً منه». الهدف الأساسي من دعوتها للحضور تمثل بمعرفة مدى الكيمياء بينها وبين هادي بو عياش. فمن المفروض أنهما سيعيشان قصة حب.
نطمع بالمزيد من الكواليس خاصة عن كيفية اختبار الكيمياء بين حبيبين مفترضين في شريط سينمائي؟ الجواب: رافقتهما إلى ملهى يرقص فيه الشباب برفقة مدرب رقص. رقصا ونحن نراقبهما بدقة. الكيمياء تبدأ من حركة الجسد وليس بغيرها. أجواء الموسيقى والرقص أثمرت بأنهما قادران على التفاعل معاً، وضحكهما المشترك بدا مقنعاً للغاية. هو درس مجاني من أسرار المهنة لك ولقراء «القدس العربي».
في رحلة الفيلم المقبلة أنه سيعرض في أوروبا في مواعيد لم تحدد بعد. وفي آذار/مارس المقبل سيكون في دبي. وثمة ردود منتظرة لعروض في المهرجانات العالمية.
زهرة مرعي