لقد سبق أن عُولجت مسألة تأويل الرواية في المقال السابق الذي عُدّ فيه الفنّ الروائيّ فنًّا مُؤوِّلًا للعالم يسعى إلى فهمه بوصفه خطابًا، وعُدَّ جهد المُؤوِّل فيه ماثلًا في إعادة التجسيم الذي هو وسيلة الحكي في بناء المعنى إلى أصله التجريديّ الضمنيّ غير الظاهر، الذي يكمن خلف كلّ صيرورة سرديّة روائيّة، ولنعُدَّ هذه الأخيرة مُحدَّدة في الحبكة، بوصفها أداة كلّ تجسيم حكائيّ.
ويتّجه السعي اليوم في هذا المقال إلى نقل ما أُثْبِت نظريًّا إلى مجال التطبيق، حتّى يكون القارئ على بيِّنة من الطريقة التي يُمْكِن اتّباعها في مُمارسته التأويل الروائيّ على مستوى التحبيك، وحتّى تُدفع الدعوى التي ترى في التنظير جهدًا غير ذي فائدة في مُقاربة النصوص. وستُعتمد ـ في هذا النطاق ـ روايةُ «الجريمة والعقاب» للروائي دوستويفسكي نموذجًا أساسًا في هذا الصدد، لكونها ـ من جهة ـ نصًّا روائيًّا معروفًا لدى أغلب القرّاء، ولكونها ـ من جهة ثانية ـ حظِيتْ بكثير من الاهتمام من قِبَل عديدٍ من المُنظِّرين. وسيكُون من الأليق ـ قبل الشروع في التطبيق ـ الإشارة إلى أنّ هذا المقال تجريب تصوّر جديد للرواية تُعَدُّ بمُوجبه فنًّا يقوم على تجديل تأويليٍّ؛ أي أنّها فنٌّ يتأسَّس التخييل فيه على تأويلات مُتعارضة فيما بينها؛ وتُعَدُّ هذه التأويلات المُتعارضة صراعا مُنظَّما بين حبكات مُختلفة. وينبغي في هذا النطاق إعادة النظر في كلّ دعوى ترى في الرواية تجسيما لسؤال تجريديّ واحد بوساطة اعتماد حبكة واحدة مُوحَّدة.
ستكُون الانطلاقةُ في التحليل من عَدِّ رواية «الجريمة والعقاب» تجسيما حكائيًّا لسؤال تجريديّ (خلفية تجريديّة كما أشار إليها جورج لوكاتش) هو كالآتي: «عثور الروح على ذاتها بعد إضاعتها». ويُعَدُّ هذا السؤال التجريديّ خلفية للحبكة – القصديّة الأساس. وينبغي تأجيل فهم هذا الأمر الذي يبدو مُلتبسًا إلى مرحلة تالية على بسط التجديل التأويليّ بين الحبكات المُتعارضة المُتعدِّدة في هذه الرواية. فما هي- إذن- هذه الحبكات؟
هناك ثلاث حبكات أُسُس: أ- الحبكة الواقعيّة التي هي مُحدَّدة (سراب النظرية) وفق العالم الموسوعيّ الذي يرسم الكيفيةَ التي نستطيع بها تعاطي الحياة والوسائلَ التي يتحقّق بها العيش (المال) فيها، من طريق مُراعاة الشرعية (السُّنَن). ب- الحبكة التخييليّة التي تخرق الحبكة الواقعيّة، وتَمْثُلُ هذه الحبكة في اعتماد وسائل غير شرعيّة في تحقيق الغاية (العيش) بوساطة القتل (قتل راسكولنيكوف العجوز المُرابية). ج- الحبكة القصديّة الأساس التي تُعَدُّ بمثابة إصلاحٍ أخير للخرق من طريق قبول العقاب، لا بوصفه مُجاوزة للإثم، ولكن بوصفه الاختيار الأصوب، وتتمثَّل هذه الحبكة في قبول السجن بفعل الاقتناع بالمسيحية بوصفها حلًّا؛ حيث ينتهي راسكولنيكوف في السجن مُمْسِكًا بالإنجيل.
تُعَدُّ هذه الحبكات تأويلات للعالم؛ حيث ترسم جميعُها مسارات لفهم الحياة وكيفية تعاطيها. لكن كيف نستخلص الحبكة التي تُمثِّل الاقتناع الأخير بالنسبة إلى راسكولنيكوف، التي تقوم على الحبكة القصديّة الأساس («عثور الروح على ذاتها بعد إضاعتها»)؟ لا بدّ من التذكير بكون التأويل الروائيّ ينبغي أن يتمّ في حضن الأدب أو المكتبة أو قراءة الرواية وتأويلها بوساطة الرواية نفسها أو بوساطة النصوص الثقافيّة المُؤسِّسة (المُؤثِّرة في الفكر والمعرفة)؛ فما يُنير الحبكة القصديّة في رواية «الجريمة والعقاب» هو ربطها بكتاب مُؤسِّس في الثقافة الدينيّة المسيحيّة، ألَا وهو «الاعترافات» للقديس أوغسطين، خاصّة ما يرد فيه من أسئلة في صدد الذاكرة والنسيان، ومن ربطٍ لها باللاهوت. ولا بدّ من اعتماد مثال من هذا الكتاب من شأنه أن يُضيء الحبكة القصديّة في رواية دوستويفسكي. يُورد القديس أوغسطين في كتابه المذكور مثال امرأة تبحث عن عقد نسيتْ أين وضعته في بيتها، وتُحاول جاهدة للعثور عليه استذكار المكان الذي أودعته فيه. والغاية من هذا المثال سؤال مهمّ: هل يُمْكِن أن نتحدَّث عن النسيان إذا كانت المرأة تستذكر العقد، وتستذكر أنّها وضعته في مكان ما؟ فالعقد موجود في الذاكرة على الرغم من نسيان المكان الذي وضعته فيه. هذا المثال ليس هو الأساس، وإنّما يترتَّب عليه من نتائج في مجال آخر غير الذاكرة المحض؛ فهو مُجرَّد خادم لغاية أخرى مُفارقة له. ويتّضح هذا في إحلال الله محلّ العقد؛ فقد يحدث نسيانه أو إنكار وجوده، لكنّه مع ذلك موجود داخلنا. هذه هي الخلفية البعيدة التي تكمن خلف الحبكة القصديّة في رواية «الجريمة والعقاب»؛ فالروحي بوصفه الحل الأمثل للأزمة التي تعيشها الذات (راسكولنيكوف) موجود في أعماقها، لكن النسيان طاله، وحلّت محله الحبكة التخييليّة الخارقة (القتل) التي تترجم الدنيويّ وهيمنته، وما يترتب عليها من أزمة نفسيّة – روحيّة. وتكُون الحبكة القصديّة تجلية للجهد الذي يقود إلى العثور على الروحي بعد إضاعته. وحتّى تكتمل صورة التجديل التأويليّ لا بدّ من التذكير بأمر مهمّ يُساعد على فهم الكيفية التي يتمّ بها تأويلُ الروايةِ العالمَ في هذه الرواية. والمقصود بهذا أنّ العقد الضائع قد يُعثر عليه بفعل علامة أو شيء يساعدان الذاكرة على الاستذكار والاهتداء إلى موضوعها المنسي أو الضائع. وليس هذه العلامة أو الشيء- في الرواية- سوى الداعرة سونيا التي تُمثِّل التأويل المسيحيّ للعالم والعيش فيه؛ فهي التي تساعد راسكولنيكوف على العثور على الروحي الضائع. ومن ثمّة يُعَدُّ اعترافه بالجريمة التي ارتكبها في حقّ العجوز (القتل) مُقدِّمةً لتفسّخ الحبكة التخييليّة الخارقة التي هي تمثيلٌ تأويليٌّ للعالم مُستمدٌّ من رؤية باكونين الفوضويّة، وبدايةً لاشتغال التأويل الروحيّ الذي تُمثِّله الحبكة القصديّة الأساس، مع ما يقتضيه هذا من إثبات لكلّ الأشكال الروحيّة التي تُمثِّل حقيقة العالم، وكيفية العيش فيه؛ ومن ثمَّة يُعَدُّ قبول العقاب (السجن) جزءًا من حبكة الروحي الذي عُثِرَ عليه، إذ تكمن خلفه خلفية التطهّر المُفضي إلى الخلاص.
نستخلص من التحليل أعلاه أنّ الرواية فنٌّ يقوم على التجديل بين تأويلات مُختلفة، وتُترجَم هذه التأويلات بوساطة حبكات مُتعارضة داخل نسيج الحكي. وليس من الضروري أن تكُون هذه الحبكات ظاهرة في النص الروائيّ، إذ من المُمْكِن أن تكُون ضمنيّة متروكة للاستنتاج. لكن ما لا يُمْكِن نفيه- في هذا الصدد- هو وجود حبكتيْن على الأقلّ بالضرورة في كلّ نصّ روائيّ: حبكة الواقع (كيف نفعل في الواقع وفق الثقافة والقانون) والحبكة التخييليّة التي تخرق الحبكة الواقعيّة، وقد تكُون الحبكة التخييليّة أحيانًا هي نفسها الحبكة القصديّة الأساس.
٭ أديب وأكاديمي مغربي
عبد الرحيم جيران