التأويل والجنس الأدبي

أيُمْكِن تأويل الأجناس الحكائيّة وفق إجراءات مُوحَّدة؟ أم لكلٍّ منها إجراءات خاصّة به؟ يطرح هذا السؤال مُشكلة تقييد التأويل بجعله مُرتهنا بشروط يفرضها عليه الجنس الأدبيّ؛ ممّا يحدّ من حريته، ويضع التوجّه الذي يُؤمن بعدم محدوديته بفعل الحرية المُعطاة للقارئ في مأزق.
ولحلّ هذه المُشكلة سنعتمد على ركيزتين هما: التجديل بين الواقعي والعالم المُمكِن. والتجديل بين الجنس الأدبيّ والقراءة.
1ـ لا يقوم التأويل الجماليّ على سؤال الفهم (ما القصد من النصّ)، بقدر ما يقوم على سؤال كيف يُصاغ الفهم، والسبب في هذا عائد إلى كون تأويل العالم في الأدب ناجما عن الرؤية إليه من زاوية مُخالفته الواقعي؛ أي من زاوية الاستثنائي غير المُتماثِل مع المُتكرِّر في الحياة، ومن ثمّة فما ينبغي تأويله هو الكيفية التي يحدث بموجبها إنتاج هذا الاستثنائي. وما أن نفُكِّر على هذا النحو حتى نجد أنفسنا أمام الطرائق الجماليّة التي تتكفّل بصياغة الشكل الداخليّ (الحبكة- علاقة الذات بالعالم- علاقة الذات بموضوعها الذي تسعى إلى الحصول عليه). هكذا لا يصير المعنى من العالم ماثلا في التعبير عن الفكرة أو ما خلفها من غايات، وإنّما في كيف يُفكَّر في الفكر فنّيّا. لقد نُظر في الأغلب إلى الإبداع من زاوية الفصل بين المعنى والشكل، بينما يُعَدُّ هذا الأخير هو المعنى نفسه. وأكيد أن هذا الطرح يصطدم بالعوالم المُمْكِنة في الأدب. ولا يُهمّ – هنا- اختلاف التوجّهات التي تُنظِّر لهذه العوالم؛ فحسبنا أن نُشير إلى أنّ الأدب يضع إلى جانب العالم الواقعيّ عوالم أخرى مُمْكِنة لم تُجرَّب، أو كانت واردة، لكنّها لم تنتهج.، أو هي ما تتفاداه الحياة العامّة بوصفها نظاما مُقنَّنا (المقبول- المُباح/ الممنوع)، أو ما هو غير مألوف منظور إليه من زاوية المنطق الذي يُنظِّم العلاقات داخل العالم الاجتماعيّ. ومن ثمّة يطول التأويل في الأدب الشكل الذي يُصاغ بمُوجبه استحضار العالم المُمْكِن بوصفه يوتوبيا تضع في صلبها إمكان حياة أخرى، وتجريب ما لم نعشه. وتطرح- هنا- مسألة الاكتمال والتعدّد، فليس من المفروض في الأدب – وهو يصوغ مُمْكِنَه- أن يمتلك رؤية مُتكاملة إليه وإلى الشكل الذي يتحقَّق به؛ فـ»رجب إسماعيل» في رواية «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف يسعى إلى عالم مُمْكِن مُخالف للعالم المعيش (الاستبداد)، لكنّه لا يمتلك إلا رؤية جزئيّة له، لأنّه ببساطة غير مُتحقِّق، فهو يتخيَّله فحسب، كما انّه لا يمتلك الرؤية الواضحة للشكل الذي يتحقَّق به (النضال)، ويتّضح هذا من تجربة السجن التي عاشها؛ حيث يجد نفسه مُرغما- أمام خيانة جسده له- على تغيير الوجهة بتوقيع التعهّد من أجل مُغادرة السجن. وينبغي- في هذا النطاق- التنبّه إلى أنّ تعدّد المعنى الذي ينصرف إليه التأويل في بعض التأويليات هو غير مُرتهِن في الأدب- خاصّة في الأجناس الحكائيّة – بانفتاح النصّ على قراءات مُتعدِّدة باختلاف القرّاء فحسب، بل أيضا بتعدّد داخليّ يتمثَّل في تعارض العوالم المُمكِنة التي يُجسِّمها العمل الحكائيّ مع العالم الواقعيّ. وشكل هذا التعارض هو ما يُؤسِّس التأويل، وهذا ما تُظهره رواية «صفر» لأمبرتو أيكو؛ فالعالم المُمْكِن- الذي يُجسَّم من خلال قراءة قتل موسوليني بكونه لعبة كاذبة- تامٌّ من خلال التلاعب بوقائع العالم الواقعيّ المعروف في التاريخ؛ ومن ثمّة تُعَدُّ هذه القراءة مُمْكِنا يُعدِّد الحقيقة، لكنّ الأهمّ هو الشكل الذي يتمّ به هذا التعديد؛ والمقصود بهذا الكيفية التي يتمُّ بها؛ إذ يُصاغ من خلال هوس الإيغال في الافتراض الذي تُغذِّيه الرغبة في النجاح من قِبَل شخصية صحافي فاشلة موصوفة بالغباء.
2ـ لا يستقيم التأويل من دون مُراعاة التفاعل المُتبادَل بين ما يفرضه الجنس الأدبيّ من شروط وإجراءات تأويليّة خاصّة به، إلى جانب سياق إنتاجه وخبرة القارئ والسياق الذي يحدث فيه فعل القراءة. لكن ينبغي فهم الموضع الخاصّ في كلٍّ منهما في عملية التأويل. والمقصود بالموضع المجال الخاصّ الذي يسمح لكلٍّ منهما بالتدخّل وفرض شرعية فعله؛ فالموضع الخاصّ بالأجناس الأدبيّة ماثل في البنية التمثيليّة التي تمنح لكلّ جنس أدبيّ خصوصيته في تخييل العالم وطرائق تجسيمه، وهي تكاد تكُون مُتعالية وتُشكِّل قيمة مُهيمِنة. ويترتَّب على هذه البنية التمثيليّة كون الأجناس الأدبيّة لا تتساوى كلّها في ما تفرضه من شروط وإجراءات تأويليّة؛ فالحكاية الشعبيّة القائمة على تمثيل حقيقة مُتعالية سابقة على العالم تفرض على التأويل أن يأخذ بعين المُراعاة انتفاء كلّ بعد يوتوبيّ فيها، ومن ثمّة انتفاء كلّ حضور للعوالم المُمْكِنة؛ فالعالم فيها مُعطى على نحو نهائيّ، وكلّ ما يُمْكِن هو فهم كيف يتّجه السرد إلى إنقاذ سريان الحقيقة الأزليّة، وإنقاذها من كلّ تهديد. وتقوم الرواية على تمثيل المحدود- المُتناهي في علاقته بنسبية الحقيقة بوساطة تجسيم الفعل اليوتوبيّ الذي يتّجه نحو عوالم مُمْكِنة مغايرة للواقعي، بما يعنيه هذا من تمثيل للحياة؛ ومن ثمّة يُقام التأويل على فهم الصيرورة (الحبكة) في تجسيمها فكرة مُعيَّنة؛ الشيء الذي يفترض فهم معنى تشكُّل الزمان. بينما تختلف القصّة القصيرة عن الرواية في هذا الصدد؛ فإذا كنت تسعى إلى تمثيل المحدود – المُتناهي فإنّها تُمثِّل لحظة من الحياة، لا كلّها، ولا تسعى إلى تمثيل اليوتوبي، ولا العوالم المُمْكِنة، بل تمثيل هوياتِ موضوعاتٍ ما، ومن ثمّة فهي تُربك التوقُّع الذي يكُون لدينا تُجاه موضوع ما، أو تكشف عن باطنه الذي يتخفّى وراء ظاهره، كما هو الحال بالنسبة إلى قصّة «العقد» لموباسان؛ حيث يُقام التمثيل على الكشف عن باطن العقد (زائف) الذي كان يتخفّى وراء ظاهره (ثمين). أمّا موضع القارئ فيتمثّل في النصّ من حيث هو تعبير أو نسق بالمفهوم الذي يُعطيه إيّاه شارل بيغي في كتابه «النسق»؛ إذ يكُون دالّا على المُختلف، وغير المُتطابق، وغير المُتكرِّر. ومن ثمّة يكُون جهد للقارئ التأويليّ ماثلا في قراءة هذا الاختلاف في ضوء المسافة التي يُقيمها النصُّ تُجاه النصوص الأخرى المُنتمية إلى الجنس الأدبيّ ذاته، أو تُجاه النصوص الثقافيّة الأخرى المُؤسِّسة. ويمثُل التفاعل بين الجنس الأدبيّ وخبرة القارئ في فهم التنويع- من جهة -على البنية التمثيليّة من قِبَل النصّ، وفي فهم الكيفية التي يصوغ بها هذا الأخير العالم من جهة أخرى.

٭ أديب وأكاديمي مغربي

التأويل والجنس الأدبي

عبد الرحيم جيران

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية