مهرجان «الكائن النوراني» عبد الفتاح السيسي على التلفزيون المصري!

حجم الخط
8

لم نعد في حاجة إلى حفلات «ليالي التلفزيون»، في وجود عبد الفتاح السيسي، الذي يقدم مهرجاناً يومياً على خشبة المسرح العائم، على نحو جعل ترتيب القناة الأولى المصرية متقدماً، لا سيما وأن «مهرجان» المذكور يأتي بدون إعلان، وخلال اليومين الماضيين كنت سعيد الحظ، لأني شاهدت له مهرجاناً في يوم «عيد الأم»، وآخر بعده بيومين، وكأنه «خالي شغل»، فلا «شغلة ولا مشغلة»، ولا «خدمة ولا ردمة»، كما يقول المصريون، حتى يتفرغ للمهرجانات!
وعلى قاعدة «سيصلي صلاة الجمعة بعد غد الأربعاء في الجامع الأزهر»، فقد احتفل السيسي في يوم 23 الشهر الجاري، بكل الحروب التي مرت على مصر منذ حركة ضباط الجيش في سنة 1952، فقد كرم (عدداً) من شهداء يونيو/ حزيران 1967، و(عدداً) من شهداء حرب الاستئناف، و(عدداً) من شهداء حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، فضلاً عن (عدد) من شهداء المعارك الواقعة في سيناء، منذ أن استدعى الحركات المسلحة، وقد كان الإرهاب محتملاً عندما حدث الانقلاب العسكري على «ثورة يناير»، وباعترافه، فصار واقعاً، يحصد الكثير من الأرواح، في معركة، بدت مجهولة الأهداف، لكن أحد الجنرالات المتقاعدين تحدث ليلتها على قناة «الجزيرة مباشر»، وفي برنامج «النافذة المسائية»، وقال إنه سيتم إخلاء سيناء من السكان، لتتم المواجهة مع المسلحين، عندئذ قلت لقد نضجت الأهداف، وأصبح إخلاء سيناء هو مخطط «عبد الفتاح السيسي»!
«يصلي الجمعة بعد غد الأربعاء»، هو ما نشرته إحدى الصحف المصرية الكبرى، قبل سنوات، وكان المقصود به أحد المسؤولين السعوديين، والذي كان في زيارة للقاهرة، والزائر من المملكة للقاهرة لو صادفهم يوم الجمعة في مصر، فإنهم يصلون في الجامع الأزهر، وينقل التلفزيون المصري الصلاة من هناك تقديراً للضيف، وما يفصل بين «الأزهر» ومسجد «الحسين» هو شارع، لتكون الصلاة في الأول لها رمزيتها، فلا يصلي القوم في مسجد به قبر، أو ضريح، مع أن المقطوع به أن رأس الإمام الحسين لم تأت إلى القاهرة، لكن المتصوفة يقولون إنها في المسجد، والجميع يسايرهم في هذا!
ولأن الأخبار الخاصة بالمملكة العربية السعودية، كانت من اختصاص رؤساء التحرير في الصحف القومية، فإن رئيس تحرير الصحيفة هو من صاغ الخبر «بيده الشريفة» وقلمه السيال، ولأنه كان معروفاً بعبقريته فقد ظن أن صلاة الجمعة تصلح في أي يوم ما دام القائم بها سعودياً، وهو «بشحمه ولحمه»، الذي أعاد صياغة خبر كتبه محرر المطار، عن القبض على «مسجل خطر» بعد وصوله لمطار القاهرة الدولي بعد قدومه على متن الطائرة المتجهة من المملكة العربية السعودية، إذ كان يؤدي العمرة، وكتب رئيس التحرير أنه كان يؤدي العمرة في إحدى الدول العربية. فقد استقام رئيس التحرير أكثر مما ينبغي لأنه لم يكن مسموحاً أن توضع المملكة في جملة سلبية في أيام المخلوع، وهذا التطاول الذي يحدث بين الحين والآخر الآن في كثير فضائيات الانقلاب، لا يمكن أن يكون اجتهاداً من مذيع، أو بتعليمات من جهاز أمني، فهذا لا يمكن أن يتم إلا من أعلى سلطة في البلاد، فالملف السعودي، ليس محل اجتهاد لسلطة أدنى أو لجهاز من الأجهزة الأمنية.

يتحدى الملل

ولأنه يجوز صلاة الجمعة «بعد غد الأربعاء»، فقد وجد عبد الفتاح السيسي أنه لا شيء يمنع من تكريم (عدد) من شهداء كل الحروب التي مرت على مصر، بدلاً من أن يكون تكريم شهداء كل حرب في مناسبتها السنوية، فمثلي لا يفهم هذا التقليد الجديد في تكريمهم في مارس/ آذار، ولماذا مارس/ آذار بالذات؟ ولماذا (عدد) فقط وليس كل الشهداء؟ إلا إذا كان «السيسي» يتحدى الملل بمثل هذه المهرجانات، ولم يكن مر على مهرجان عيد الأم سوى يومين فقط، والذي كرم فيه أيضاً أمهات وزوجات (عدد) من شهداء الأحداث الأخيرة من ضباط الشرطة والجيش!
اللافت، أنه لا يتم الإعلان المسبق عن هذه الحفلات، التي كنت سعيد الحظ، لأني في كل مرة أعثر عليها بالمصادفة، التي هي خير من ألف ميعاد، فالهاجس الأمني يسيطر على الرجل، حتى أنه يخفي «خط سيره»، وقد كنا نعلم المناسبات التي يظهر فيها مبارك قبلها، وكل المناسبات يكون الاحتفال بها مساء، لكن في عهد السيسي فإن كل المهرجانات صباحاً، فحتى «ليلة» القدر، ومع أنها «ليلة» فإنه يحتفل بها نهاراً، وفي سابقة لم تحدث في عهد أي من الرؤساء السابقين، ربما لأن «عبد الفتاح السيسي» يؤمن بأن «الصباح رباح»، وأن «الليل أعمى»، وأن «النهار له عينان»، إلى غير هذا من مقولات شعبية، تحذر من الليل وظلامه وتمدح النهار ونوره!
المثير في «مهرجان نهار التلفزيون» هو الأداء الارتجالي، والذي يبدأ بكلمة السيسي نفسه، وعندما شاهدته يقرأ خطاباً مكتوباً في «عيد الأم» شعرت بخيبة أمل، لكنه بعد سطرين نحى الورقة جانباً وارتجل، فسرى عن قلوبنا، التي هي بكل شك تمل من الجدية، وصارت تجد البديل في مثل هذه المهرجانات، بعد أن غيب الموت من كانوا يضحكوننا في السابق، ومن المونولوجست فكري الجيزاوي، إلى المونولوجست حمادة سلطان!
ذكر السيسي قصة المرأة المجادلة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، على طريقة «حدوتة ما قبل النوم»، فكان تفسيره لها لا يعبر عن حقيقة ما جرى وذُكر في القرآن الكريم، عن تلك المرأة التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، ولا أعرف ما هو سر إقدامه على الخوض في الأمور الدينية على قاعدة الإمام المجدد، وفي كل مرة يثبت أنه ضحل الثقافة، يفتقد للإلمام بالقضايا الدينية، ومع هذا فهو مصر على المضي قدماً في هذا الطريق، مع أنه في كل مرة يتندر بأقواله الركبان!

الاحتفالات المدرسية

الأداء الارتجالي ليس فقط في خطاب السيسي، فكل مهرجاناته بلا تنظيم، فتصبح قريبة من «الاحتفالات المدرسية» بعيد الأم أيضاً. وعند التكريم تفاجأ بزوجة، أو أم شهيد ذهبت للميكرفون من تلقاء نفسها وأتحفت الحضور بخطبة عفوية، هي كلمة من الشرق وأخرى من الغرب، وإحداهن أخذتها الجلالة، فقالت إن الشعب المصري هو الوحيد من دون شعوب العالم، الذي لا ينام جائعاً، وصفق الحضور الكريم لها، تصفيقاً حاداً، وهي تطالبنا بأن تحافظ على بلدنا التي تحقق فيها هذا الانجاز، باعتبار أن بلدنا هي السيسي، ثم تختتم خطبتها العشوائية بأنها لا تدري ما تقول في حق هذا الرجل؟! قبل أن تستدرك وتعلن أنها لم تجد إلا ما قاله فضيلة الشيخ، الذي لم أتبين اسمه، الذي وصف السيسي بأنه «إنسان نوراني»! فظهر أمامي عادل إمام وهو يقول: ماذا أقول؟ وأي شيء يقال بعد كل ما قيل؟ وهل قول يقال مثل قول قيل قبل ذلك؟!
إنها أم شهيد، أو أرملة شهيد، تستحق أن يحنو عليها الوطن، لكن من وضعها في طريق الابتذال، وجعل منها مجرد «حالة» في عملية التوظيف السياسي، يسعى من خلالها جنرال فاشل ليكسب بها حضوراً جماهيريا، فاته أن من أحبط به عمله لن يسرع به هذا الأداء التمثيلي المتواضع.
وحديث السيدة عن الجوع والشبع، يذكرنا بما قاله جنرال الغبراء، «محمود منصور» وهو الأستاذ المعلم لعبد الفتاح السيسي، في برنامج «صح النوم» لمحمد الغيطي» أن القطريين لا يجدون ما يأكلونه، وأن «الشعب القطري جعان ومش لاقي ياكل»!
فالابتذال، إذن، سمة حكم، وبينما تصف السيدة الخطيبة السيسي بصاحب الوجه النوراني، يقف هذا «الكائن النوراني» يذرف الدمع الهتون، وقد صار هذا أسلوبه في الآونة الأخيرة، ففي يوم عيد الأم بكى أكثر من مرة، وفي المهرجان التالي أيضاً بكى، رغم أن رد الفعل على بكائياته عبر مواقع التواصل الاجتماعي يأتي كاشفا عن أن هذا الأداء العاطفي لم يعد مقبولاً عند المصريين، فهذه مرحلة انتهت، وعليه أن ينتقل إلى الأدوار التراجيدية، فلعله يكسب جمهوراً بسببها!
ومهما يكن، فإن على التلفزيون المصري، أن يحتكر ظهور السيسي، لأنه هو فقط الذي يجعلنا نذهب إليه، لتكون الدعاية:
«حصري على التلفزيون المصري»!

«دويتشه فيله» في دائرة القصف

رغم إنزالي للمحطة التلفزيونية الناطقة باللغة العربية «DW» إلا أنني لم أتابعها، ولست مطلعاً على «دويتشه فيله» الألمانية، التي دخلت في دائرة القصف من الإعلام الانقلابي في مصر، على النحو الذي دفع السفير الألماني في القاهرة لنفي الاتهام بأن «دويتشه فيله» لا تتحرك بتعليمات من الحكومة الألمانية.
الحملة القومية بدأت في الإعلام المصري الذي تساءل عن أسباب تحول «دويتشه فيله» إلى منصة إعلامية لمهاجمة مصر، حيث خصصت 250 مليون يورو للاستثمار في الإعلام المصري، وقيل إنه إذا كان الإعلام الغربي يخصص جزءاً من برامجه «لاستهداف مصر»، فإن الإعلام الألماني يأخذ من الهجوم على مصر إستراتيجية عامة.
الأسئلة المطروحة يمكن الإجابة عليها بأن «دويتشه فيله إخوان»، لكن هذه الحملة تعد دعاية مجانية، ستستفيد منها إذاعة صوت ألمانيا، وتلفزيونها الناطق باللغة العربية.
فالدبة قتلت صاحبها وهي تحسب أنها تحسن صنعا!

صحافي من مصر

مهرجان «الكائن النوراني» عبد الفتاح السيسي على التلفزيون المصري!

سليم عزوز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية