«تيمون الأثيني» هي واحدة من أواخر مسرحيات شكسبير، اثارت جدلاً حول صحة نسبتها إليه، لأنه لم يَرِد لها ذِكرٌ في حياته، ولم تدخل في «فوليو 1623» إلا بعد وفاته عام 1616، أي قبل 400 سنة. وتشير الأبحاث على أنها جاءت بعد أن أنجز شكسبير المآسي الكبرى، وآخرها «الملك لير» عام 1606. في تلك المأساة مشاعر مريرة ضد البشرية، متمثلة في عقوق بنات «لير» الثلاث. ثمة إشارة إلى ان مسرحية «تيمون» ربما قد كُتبت عام 1604، ولكن ما فيها من مرارة وكراهية للبشر يفوق بكثير ما جاء في مأساة «لير» لذا يرى كثير من الباحثين أنها قد جاءت بعد 1606، لأن شكسبير كان قد استنفد مشاعر الغضب على بعض البشر في آخر ما ألّف من مسرحيات مأساوية. ويفسِّر بعض الباحثين أن المشاعر السوداوية في «تيمون» مردّها معرفة شكسبير بتفصيلات الفساد والسوء في بلاط الملك جيمز، ولكنه لم يكن يجرؤ على التصريح بتلك المشاعر في عهد الملكة اليزابيث الأولى، التي عاش في عهد حكمها، أو في عهد خليفتها جيمز الأول (1603 ـ 1625).
ما الذي تدور حوله مسرحية «تيمون»؟ إن موضوعها الرئيس هو ما يمكن أن يدعى «الكَرَم الأحمَق». وهذا ما لا توجد إشارة إليه في التراث العربي، وهو بعض ما دفعني إلى نقل هذه المسرحية إلى العربية عام 1977 ونشرتها وزارة الإعلام الكويتية (مسرحيات عالمية، 95) ثم صدرت بطبعة ثانية منقحة عن (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1984). وموضوع الكرم في التراث العربي لا يمكن أن يبدأ دون الإشارة إلى حاتم الطائي العربي المسيحي من حائل (توفيّ عام 46 قبل الهجرة، 605م). وتروي الأخبار أنه فوجئ ذات ليلة بطارق ضيف ولم يكن لديه ما يقدمه لضيفه من قِرى، فأقدم على ذبح فرسه ليقدمه طعاماً للضيف. وهذه فِعلةٌ جريئة، إن صحَّت الرواية، لأن الفارس العربي لا يمكن أن يفرّط بفرسه. لكن رواية أخرى عن كَرَم حاتم أقرب للقبول. هي أنه، في ليلة صحراوية عاصفة، كان يخاطب عبداً له يوقد ناراً خارج خيمته، فقال له:
أوقِد فإن الليلَ ليلٌ قَرُّ
والريح يا موقدُ ريحٌ صرُّ
عسى يرى ناركَ من يمرُّ
إن جَلَبَتْ ضيفاً فأنت حرُّ
إعتاق العبد في جاهلية العرب عمل نبيل في غاية الكرم. وفي الإسلام هو «فكُّ رَقَبَة» وتكفير عن عظيم ذنوب. وفي حالة حاتم هي الكرم بعينه.
وثمة رواية عن الحطيئة، ذلك الشاعر المخضرم الهجّاء الأشِر، الذي أسلم في عهد أبي بكر (رض) وحَبَسَهُ عمر (رض) لسوء سلوكه. يروى أنه ذات ليلة أبصرَ سارياً في ليل الصحراء فحسبه ضيفاً وهو «طاوي ثلاثٍ عاصِب البطن مُرمِلٍ» ولم يكن لديه من قِرى للضيف، فقال له إبنه «أيا أبتِ اذبحني ويسِّر له طعما». فما كان حتى لاحت له بعض الغزلان، أو بقر الوحش، في تلك الليلة الظلماء، «فأطلق فيها من كنانته سهما» فكانت طعام الحطيئة وضيفه ونجا الولد من الذبح وبقي الكرم شاهداً على تراثٍ نبيل.
إزاء الكثير من أخبار الكرم في التراث العربي، والإشادة به، لا نجد أثراً للَوم الكريم وتقريعه. لكن شكسبير اختار محيطا بعيداً في الزمان والمكان، هو أثينا في بلاد الإغريق القديمة، في القرن الخامس ق.م. لكي يدفع الظنون بعيداً عن لندن وبلاط اليزابيث وجيمز، وفيهما من الفساد ما جعل الشاعر يستنزل اللعنات على عِليَةِ القوم في البلاط، على لسان نبيل إغريقي من القرن الخامس قبل الميلاد. كان تيمون قد خدم في جيش أثينا ضد الأعداء، وبقي يدعم مجلس الشيوخ من ماله الخاص. ولكن جحود مجلس الشيوخ والعدد الكبير من الناس ممن أغرقهم تيمون بأفضاله جعله ينقم على البشر جميعاً، وينقلب من محب للخير والبشر من حوله إلى «كاره بشر» يستنزل عليهم صنوف اللعنات، وينتهي به الأمر إلى اختيار الموت تخلصاً من حياة لم ينعم فيها بصحبة بشر كانوا يتزلفون إليه، فلما نزلت به الحال ولم يَعُد لديه من المال ما يرضي جشع أولئك الزائفين، اختار أن يحفر قبره بيديه قريبا من ساحل البحر لكي يطغى عليه الموج فلا يبقى له أثر. اختيار هذه النهاية المأساوية أشد كثيراً من خيبة الملك لير تجاه عقوق ابنتيه الكبيرتين بعد أن قسّم مملكته بينهما، فاختار الخروج إلى البرية والتعرض للعواصف الهوجاء، يسير إلى البحر ليقذف نفسه فيه ويضع حدَّاً لحياة من الفشل قاده اليها كرَمه الأحمق، في انقياده إلى تزلُّف ابنتيه الكبيرتين وقد حصلتا على نصفَي مملكته. وتيمون قرر اختيار موته بطريقة مماثلة، بعدما تبين له أن كرمه الأحمق، في انقياده على تزلُّف «أصدقاء المصلحة» من حوله، هو الذي جعله يفضل الموت على حياة فاشلة. هذا الاكتشاف لزيف مشاعر ابنتَي الملك لير مثل اكتشاف زيف مشاعر «أصدقاء» تيمون وزيف مشاعر أعضاء مجلس شيوخ أثينا هو الذي قاد إلى «انقلاب الحال» كما في المأساة الأرسطية، وجعل مسرحية «الملك لير» ومسرحية «تيمون الأثيني» أبلغ الأمثلة على «التراجيديا» في التوصيف الإغريقي الكلاسي، كما نجده في كتاب أرسطو «فن الشعر».
وفي ترجمة هذه المسرحية، رأيتُ أن أحوّر قليلا اسم «البطل» وهو «تايمُن» في الأصل، فجعلته «تيمون» ليبدو أقرب إلى الأسماء العربية: خلدون، زيدون، حمدون… كما حافظتُ على لفظ الأسماء الإغريقية برسمها بالحروف العربية التي حوّرها الأعاجم قليلا لتناسب ما يقابل أصوات حروف p – v-ch بوضع ثلاث نقاط بدل نقطة واحدة على حروف الباء، الفاء، الجيم ووضع خط على حرف الكاف، ضمانا لدقة اللفظ. صحيح أن اجدادنا من عرب الأندلس رسموا الكاف المعجمة حرف الغين، فقالوا «غرناطة»، وليتهم عرّبوها: رمّانة. لكن هذه الكاف المُعجَمَة ترسم اليوم بحرف الكاف أو الجيم في أقطار عربية شتى، مما يسبب اضطراباً في اللفظ والفهم.
لكن سرعة تطور صور الكرم الأحمق في مسرحية «تيمون» أكبر منها في مسرحية «الملك لير» حيث تدور الأحداث على امتداد أوسع، لا تظهر فيه الحماقة إلا بعد فترة. بينما في مسرحية «تيمون» تبدأ صور الكرم الأحمق من المشهد الأول في الفصل الأول، بظهور تيمون للترحيب بعدد من طالبي الحاجات، منهم شاعر ورسام وجوهري وتاجر، جاء كل منهم يعرض بضاعته بلغة تعجّ بالنفاق والمداهنة، مما يثير التوجّس لدى القارئ/المشاهد، ويشير إلى سرعة ظهور الحماقة في كرم تيمون الذي سيؤدي به إلى الإفلاس:
الشاعر: إذا ما ربَّةُ الحظ تقلَّب هواها
فلفظت آخر الأثيرين لديها، رأيتَ كل أتباعه
الذين كانوا يلهثون في إثره نحو قمة الجبل
سعياً على الرُّكبِ والأيدي، يتركونه يسقط
ولا من يصاحبه إذ تزلّ به قدمُه (1/1/86 ـ 90)
أكاد أسمع أحد المشاهدين في المسرح يصيح: ربنا يستر من القادم الأعظم!
ويستمر النفاق من عدد من طالبي النوال، وتيمون لا يتوقف عن البذل والعطاء. ولا يفيد معه تحذيرات «فيلسوف متحذلق» من أصحابه يدعو هؤلاء الزوار «أوغاداً». ولمّا يعترض تيمون على ذلك الوصف، يجيب «الفيلسوف المتحذلق». أليسوا أثينيين؟! لكن تيمون يستمر في حماقته حتى طفح الكيل، وفي ختام الفصل الثالث يحاول تيمون أن ينتقم من «أشراف» جاءوا يسترضونه مبالغة في الطمع فينهال عليهم بالإهانات ويخرج صائحاً «يا دار احترقي، يا أثينا اغرقي؟ منذ الآن ليكن مكروهاً/لدى تيمون الإنسانُ والبشرُ جميعاً». ويكون آخر ما يقول له صديقه الفيلسوف: «أنت القمَّة بين الأحياء من الحمقى!» كرمٌ يؤدي إلى ضياع، لا شبيه له في ما عرفنا من أخبار حاتم والحطيئة وأمثالهما في تُراثنا العربي.
عبد الواحد لؤلؤة