عندما يريد النظام الانقلابي في مصر، صرف الأنظار بعيداً عن فشله وعن قضية تلفت الانتباه وتنال منه، فإنه يستدعي عبر أذرعه الإعلامية «ثلاثي أضواء المسرح»: «إسلام بجيري»، و»فاطمة ناعوت»، و»فريدة الشوباشي»، حيث تتحول برامج «التوك شو»، إلى «دقة زار»، وبالطعن في الثوابت الدينية، يمكن بالتالي شغل الناس عن مأزق الحكم وأزماته!
ولا يتوقف الاستدعاء على ثلاثي أضواء «المسرح السيساوي العائم»، فهناك أسماء أخرى مثل «سيد القمني»، الذي كنا قد انتهينا منه قبل الثورة، عندما قامت جريدة «المصريون» بحملة ضده، كشفت أنه مفكر مزيف، وأن درجة الدكتوراه حصل عليها من جامعة أمريكية تخصصت في تزوير الشهادات العلمية قبل أن يتم إغلاقها، مع أن المجلس الأعلى للجامعات في مصر قام بمعادلة شهادتها بالشهادات التي تمنحها الجامعات المصرية!
ولم يصد «القمني» أو يرد، وإنما اختفى، وقد أطلق ابنته لتعلن عبر الفضائيات أن والدها مختبئ في مكان ما، لأنه مهدد بالاغتيال وأنه سيهاجر خارج مصر، وقد هاجر فعلاً، لكنه لم يجد الكرم المنتظر في واشنطن، فعاد إلى المحروسة، وإن انتهى فكرياً بعد حملة «المصريون»، التي وصلت إلى التشكيك في إنتاجه الفكري، لكن الانقلاب العسكري نفخ فيه من روحه فعاد نجماً يُحتفي به في إعلام الثورة المضادة، ليكون ضمن فريق «المهام الصعبة» التي تلفت الانتباه بعيداً.
لقد كنت قريباً في فترة من الفترات، ممن يمثلون الفكر الرافض للتراث ولأدبيات تيار الإسلام السياسي، ومن سعيد العشماوي، إلى فرج فودة، إلى أحمد صبحي منصور، وأطلعت على كل ما كتبه نصر حامد أبو زيد، لكن هؤلاء كان لديهم شيء يقولونه، وعلم يؤخذ منه ويرد، وفكر هو نتاج بحث واجتهاد، لكن الكائنات التي يحتفي به إعلام الانقلاب هي ليست على شيء، ويجري الاحتفاء بها وفق نظرية «الشو الإعلامي»، وثلاثي أضواء المسرح، اطلعوا على العناوين في إنتاج هؤلاء، من أجل الشهرة ولمهمة الاستغلال السياسي، وهم ومعهم «خالد منتصر» و»إبراهيم عيسى»، يطالعون عناوين ما كتب الدكتور «أحمد صبحي منصور» فيطلقونها كألعاب نارية، لخطف الأنظار وسرعان ما تختفي!
ليس الموقف من الإمام البخاري هو الرأي الوحيد للدكتور أحمد صبحي منصور، فله دراسة مهمة عن الرمز الصوفي «أحمد البدوي .. الحقيقة والخرافة» ودراسته التي نال بها درجة الدكتوراه كانت عن التصوف في العهد المملوكي، وما حذف منها يمثل مادة للإثارة، إذ كان خاصاً بالنظرة الجنسية للتصوف في هذه المرحلة، لكن ليس لمثقفي آخر الزمان القدرة على القراءة والصبر على الإطلاع على إنتاج أكاديمي وإن احتوى على ما يثير، فالإثارة في حد ذاتها ليست مستهدفة، فالمطلوب هو ما تريده السلطة لشغل الناس، وفي الوقت ذاته يزعزع يقينهم الديني، وهي المهمة التي أخذتها دولة العسكر على عاتقها، منذ أن تأسست في سنة 1952، لأن الدين يظل بدعوته للمؤمنين به إلى مقاومة الظلم والتصدي للاستبداد، يمثل خطراً على هذه الأنظمة، ومن هنا يظل المطلوب هو التدين الصوفي، لكن النظام العسكري الذي حارب مفكراً جاداً كصبحي منصور، فانتهى به المطاف لاجئا في الولايات المتحدة الأمريكية، هو ذاته الذي يحتفي عبر إعلامه بالأدعياء والمقلدين، لأنهم يعملون وفق البرنامج الإذاعي القديم «ما يطلبه المستمعون»، وقد كانت الإذاعة البريطانية «هنا لندن» – رحم الله موتاكم – تقدم برنامجاً مماثلاً «ما يطلبه المستمعون من الأغاني العربية»!
أزمة التفجيرات
ولأن دولة العسكر في مصر، في «حيص بيص»، بعد أن ثبت عجزها في أزمة تفجير الكنيستين، فقد كان طبيعياً أن يستدعي «عمرو أديب»، «إسلام بحيري»، ومن الواضح أنه انتقل إليه ليظهر في مكتبته وخلفه أمهات الكتب، مع أن من المعروف عربياً أن وجود المكتبات في البيوت لا يعني وجود القارئ لها، فهي مثلها مثل «السفرة»، التي تكون مثار خلاف بين المقبلين على الزواج وهل هى على «العريس» أم على «العروس» وبعد الزواج يتركونها ويأكلون على الأرض. ما لزوم طاقم «السُفرة» إذن؟ فتكون الإجابة: حتى يراه الضيوف. مع أنه تمر سنة وراء سنة دون أن يدخل البيت ضيفا!
كانت المهمة أيضاً في هذه الحلقة بجانب لفت الانتباه وتغييب العقول، هي الهجوم على شيخ الأزهر، فيجري تقديم من قرأ عناوين كتب على أنه مفكر عصره وزمانه، في بلد لم تنزل مفكراً جاداً منزلته، فلا تستضيف القناة الأولى أستاذ الفلسفة مراد وهبه الذي قضى حياته يدعو إلى تحرير العقل من الخرافة، إلا عندما يكون في الحالة «مغيباً» ويستهلك الخرافة وينتجها، ويقول على شاشة التلفزيون المصري: «إن ترمب رسول الله مثله مثل السيسي جاء ليخلصنا من الخلافة الإسلامية»!
لقد كان مهماً أن تخصص «قناة مكملين» حلقة من برنامج «مع زوبع» للرد على ما قاله «بحيري» واحتفى به برنامج تلفزيوني في واحدة من ترسانة السيسي الإعلامية.. «أون تي في». وكان ضيف «مكملين» الشيخ «عصام تليمة»، وهو تلميذ نابه في مدرسة الشيخ محمد الغزالي من حيث سعة الإطلاع والقدرة على الكتابة الجميلة، ومن الندرة بمكان أن تجد شيخاً يجيد الكتابة، فأنت تقرأ لخطيب يقف فوق المنبر وليس لكاتب. كما أن «تليمة» يتفوق على «الغزالي» من حيث اهتمامه بجانب الفكر بالفقه فجمع بين مدرستين: الأولى مدرسة الغزالي الفكرية والأدبية. والثانية مدرسة القرضاوي الفقهية.
ما يميز «عصام تليمة»، بالإضافة إلى هذا، سعة الإطلاع والمتابعة، ومنذ الانقلاب نجح الإنقلابيون في تمرير الكثير من الأكاذيب، استغلالاً لعدم المتابعة، من قبل مناظريهم، وأفخر أنني كشفت أحدهم ذات مرة، وضبطته متلبساً بالكذب، عندما طل من شاشة قناة «الجزيرة» ليقول إن محمد مرسي هو من أفرج عن الإرهابيين مثل شقيق زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، وقلت إن رموز التيار الجهادي تم الإفراج عنهم في عهد المجلس العسكري، وشقيق الظواهري كان صدر ضده حكماً بالإعدام من المحكمة العسكرية، لكن هذه المحكمة انعقدت بعد الثورة وحكمت ببراءته!
كان الفتى يعمل في مركز للدراسات السياسية والإستراتيجية، ولا يمل من أن يقول في كل لقاء إنه حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، بما يؤكد أهليته للإفتاء السياسي. وقد اكتشفت أن الدعاية الخاصة عن دور مرسي في الإفراج عن الإرهابيين من «أهله وعشيرته» شائعة في إعلام الانقلاب، واستمرت رغم أنني قلت وكتبت عن الحقيقة في هذا الملف أكثر من مرة، لكن قد أسمعت لو ناديت حيا!
التلبس بالكذب
ما يردده إعلام السيسي، عبر مسرحه العائم، أن هيئة كبار العلماء هي من اختيار الإخوان، فقد صدر قرار تعيينها من قبل الرئيس محمد مرسي، وذلك ضمن حملة اغتيال شيخ الأزهر معنوياً، وحمله على الاستقالة، لا سيما وأن الهيئة اجتمعت بكامل أعضائها، وقررت رفض فتوى عبد الفتاح السيسي، بأن الطلاق لا يقع إلا أمام «المأذون»!
ما قاله الشيخ «تليمة» في برنامج «مع زوبع»، أن هيئة كبار العلماء صدر قرار تشكيلها من المشير محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس العسكري، بعد إعلان فوز الرئيس محمد مرسي، وقبل حلفه لليمين الدستورية.
وهي نقطة مهمة، كان يُستدعى الوقوف عندها طويلاً، فقد تم ضبط من يروجون لهذه الأكذوبة متلبسين بالكذب البواح، وهو أمر لابد وأن يلفت الانتباه إلى تصرف المجلس العسكري، فليس هذا هو القرار الأول من نوعه الذي اتخذه العسكر، فقد اختار المشير طنطاوي في هذه الفترة رئيس الحرس الجمهوري، والمسؤول عن الشؤون المالية بالقصر الرئاسي، وقد كتبت استنكر هذه الوصاية حينئذ، بزرع الجواسيس، لكن عندما ثبت بعد ذلك بأقل من شهرين تواطؤ قائد الحرس في مهمة الاعتداء على الرئيس محمد مرسي في تشييع جنازة ضحايا مجزرة رفح، أقاله الرئيس وكان من نقل له المخطط هو مدير المخابرات الحربية اللواء عبد الفتاح السيسي!
ويُذكر بهذه المناسبة، أن توفيق عكاشة ظل الليلة السابقة يهدد ويتوعد باعتداء أنصاره على الرئيس، وعبر قناته «الفراعين»، وتراجع مرسي عن الذهاب في اللحظة الأخيرة ليتم الاعتداء على رئيس الحكومة الدكتور هشام قنديل!
ما علينا، فنقطة أن تشكيل هيئة كبار العلماء تمت بقرار من طنطاوي لم تأخذ حظها من الاهتمام، ذلك لأن صديقنا «حمزة زوبع» انشغل بمقاطعة ضيفه أكثر من اهتمامه بما يقول، فكان ما قاله طلقة لم تحدث دوياً ولم تصب هدفاً. هرمنا من «المقاطعة»، حتى صار الشعار أنت لست مذيعاً إلا إذا قاطعت ضيفك ومنعته من أن يُكمل جملة، أو يستوفي فكرة. وقد سألني سائل: لماذا تتكلم بسرعة؟ فأجابت لسببين: الأول، حتى أتمكن من أن أكمل رأيي. والثاني، لأن الكلام سريعاً يربك المذيع فيعطله عن القيام بواجبه المهني متمثلاً في المقاطعة!
في برنامج «أون تي في» قدم «إسلام بحيري» نفسه على أنه مخترع الذرة والطائرة بدون جناحين، عندما قال بقتل المسلم قاتل المسيحي. وذلك في معرض حديثه عن تفجير «داعش» للكنائس وقتلها لمسيحيين. وفي برنامج «مكملين» قال «عصام تلمية» إن هذا فكر الإخوان وفكر الأزهر، لكن على «إسلام» أن يمد الحبل على استقامته ويقول إن هذا الكلام يسري على قتل الجيش للمسيحيين في أحداث «ماسبيرو» الشهيرة. وهو بذلك وضعه في «خانة اليك»!
إن إبطال مفعول من يستخدمهم الانقلاب العسكري في مهمة صرف الأنظار بعيداً عن خيبته الثقيلة، مهم، لا سيما وأنه بهم كالعنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت!
صحافي من مصر
سليم عزوز