نواعم حديد بين «العربية» و«المغاربية» وفلسطين مجددا في «الاتجاه المعاكس»

في المطابخ الفضائية يمكن لبعير ضخم أن ينفق جراء ابتلاع خنفساء تسعى حية في جوفه، ولذلك لن تلوم ابن مسعود – رضي الله عنه – حين رأى في الفم المطبق حصانة من الذباب، طالما أنه لم يعد يليق بالكلمة أن تكون رصاصة، ولا حتى طائشة، في زمن (مايص) لا تغويه البطولات الوطنية النبيلة بقدر ما تلحس عقله البطولات الفضائية الرخيصة!

«الخفافيش بتتكلم عبري»

تعال تفرج على ملامح لطفي الزعبي على «العربية»، بعد انتهاء ريما صالحة من لقائها مع شابة كويتية أثارت عاصفة غضب احتجاجا على غنائها باللغة العبرية، مبررة هذا بالتفاعل الإنساني مع الثقافات والفنون المختلفة، في الوقت ذاته، الذي افتقرت فيه إلى أدنى المعايير التفاعلية بالتعاطف مع معاناة الشعب الفلسطيني، وهي تتحدث باشمئزاز وتأفف عن قضيته، كأنها ليست هي التي كانت لتوها تشيد بالتواصل «الحر» مع الآخر بعيدا عن التطرف والعنف، مناقضة نفسها وهي تعنف شعبا بأكمله على نضاله في سبيل «حريته» قائلة: «أي قضية فلسطينية هاذي، ليش تحاولون تقحمونا بحروب ما لنا دخل فيها؟» فإن كان «أبو زنة يتمنى أن يدخل الجنة» على قولة أشقائنا الكويتيين، فإن الطيران بلا ريش مقتصر على الخفافيش التي تزوغ آلياتها البصرية، كلما تم تسليط الضوء على حجر عينيها! طبعا لن أتحدث عن الأداء الإعلامي الهش لصالحة، إنما عن الزعبي، الذي خطف الشاشة بِصَفْنَتِهِ، وهو يتلقف الهواء من زميلته بكل هدوء، مكتفيا بتنهيدة مكتومة كطلقة، لم يصل دويها لضيفة «العربية»، التي لم تخف من صوت الرصاصة، فالرصاصة التي تقتل لا يُسمع صوتها، خاصة حين تعرف أن التلمود دلق الظالمين في بالوعة المصير، وهزئ ممن يحسد ظالما على «……»، فهمك كفاية أيها المشاهد!

إعلام خفت موازينه

تراجع اهتمام الكثير من الفضائيات العربية بالقضية الفلسطينية، واقتصرت تغطيتها للمشهد الفلسطيني على مجموعة من التقارير، والبرامج الحوارية والتحليلية، مع انصهار تام للخطاب التعبوي في فرن التجاذب الفصائلي، على طريقة الحدثين السوري والمصري، أو حتى الحملة الانتخابية لترامب، فما الذي تغير؟ لماذا لا نرى قدحة الكاميرا، التي تندلع من بريقها شرارة الثورة؟ لماذا بهت الأداء، وخفت موازينه بينما تصاعدت نبرة المبالغة في «الميادين»، فخسرت تلك الفضائيات من وزن التأثير العاطفي ما يكفي لإصابتها بتخمة بالونية، تزداد طرديا وكمية الهواء الموقوت داخلها؟
ترى هل إعلام الاغتراب أكثر شجاعة وصدقا من نظيره في الوطن العربي؟ هل الأداء الإعلامي للعرب في أوروبا يعني أن الثورات ليست سوى مؤامرة لم تفلح بإسقاط الأوثان الإعلامية ولا تجاوزت الوصايا السياسية لها؟ كل هذه التغطيات الخجولة أو الاستعراضية لانتفاضة الأسرى على طريقة قناة «فلسطين» قد تضع قناة «الحوار» اللندنية وقناة «المغاربية»، وتحديدا برنامج «عين على فلسطين»، في رأس قائمة الشجاعة الإعلامية، والالتزام، والمواظبة الحثيثة على متابعة المستجدات والإحاطة بالتفاصيل، ومواكبة الحراك الشعبي والنخبوي على الصعيدين المحلي والدولي، وإماطة اللثام عن الانتهاكات الصهيونية والجرائم الإسرائيلية ضد الإنسانية في السجون، واختراق العتمة، وكشف أخطر الأسرار عن أساليب التعذيب والقهر والحرمان، التي تمارسها سلطات السجون والمحاكم في الكيان المحتل!
الإعلام الفلسطيني بدوره امتاز بتغطية ديناميكية حية، كما في قنوات «الأقصى» و«القدس» و«فلسطين اليوم» و«عودة» و«الكوفية»، والتي احتفت بالأشقاء الجزائريين، الذين انضموا إلى انتفاضة السجون، حيث أعلن عدد من المثقفين والنشطاء في الجزائر إضرابهم المفتوح عن الطعام حتى تتحقق مطالب الأسرى، ووقوفهم وراء إرادتهم الشجاعة، والقبض على بيعة الشرف الجزائرية: «انصر الفلسطيني ظالما أو مظلوما».

شعب الوثائق أم شعب البنادق

مبروك للشعب الفلسطيني، شعب الرقم القياسي بالوثائق، اللهم لا حسد، فمن شحذ البنادق إلى «الشحبرة» على الوثائق، يتحول وطن الموائد المنزلة من السماء إلى مستودع طاولات للتفاوض، ولله درك يا خروتشوف، لم تزل الأمم المتحدة شاهدة عيان على قبقابك، الذي أقالك من منصبك، ليبقي على مطرقتك مدوية فوق منصة الأمم، رغم محاولات مايك رو على «History Channel» تشويه حذائه، حين التقى ابنه، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وأصبح مواطنا أمريكيا بعد ثماني سنوات، ومع قريبته التي أعربت عن إحراجها البالغ من طقطقة النعل، الذي أجبرها على اعتزال الناس، ثم الخاتمة التي ختم بها «رو» حلقته وهو يتحدث عن جلد خروتشوف، الذي كان يحكه لافتعال «طوشة» في ذروة الحرب الباردة، التي انتهت بأن يجثو الروس على ركبهم، ليثبتوا أن المصافحة بالأيدي أكثر فاعلية من الخبط بالأحذية.

خصخصة القاسم

اجتاحت وثيقة حماس التغطية البرامجية والإخبارية على قناة «الجزيرة»، وبهتت الأضواء على معركة السجون، على طريقة أسامة بن لادن في اللحظات الأخيرة لاختبائه، حيث همس بآخر كلماته لزوجته: (لا تشعلي الأضواء) في محاولة يائسة للتضليل!
لا بد من إثارة هذه الجلبة الإعلامية، وفي هذا الوقت بالذات، في ظل ثورة عارمة تجتاح السجون، كي لا يخل تناول الأزمات العربية الأخرى بالأداء الوطني الفلسطيني.
لفت انتباهي عرض برنامج «الاتجاه المعاكس» هذا الأسبوع لما يجري في فلسطين من وجهتين متنافرتين، مع غياب مقدم البرنامج فيصل القاسم الأكثر تأثيرا، ليحل الحبيب الغريبي محله، مع الاحترام الكامل لمهنية وحرفية الغريبي، فهل خصخص القاسم، بحيث يستلم المهمة الإعلامية الخاصة بالمشهد السوري فقط، ما أثر على نسبة متابعة البرنامج، ومشاهديه الذين لا يسهل استدراجهم باسم البرنامج وحده «الاتجاه المعاكس» ما دامت الطبعة غير مكتملة.

قنبلة حنين

هل نصدق الروس حين لا يهتمون بوصف الحبل في بيت مشنوق! أم ننحاز لعميدهم الروائي «تولستوي»، الذي اعتبر الصبر أقوى المحاربين في معركة الزمن؟
هناك في السجون، لا صوت للعالم سوى في خشخشات السلاسل، ولا وجه للذاكرة سوى في حيطان الزنازن، هناك لا تسأل عن عدالة الأرض، بل عن عدالة السماء، حين يصلك فيديو لطقوس زيارة الأسرى في سجون الاحتلال، ترى فيه أطفال أحد الأبطال، وقد سمح لهم بالدخول لاحتضان أبيهم برهة، بينما منعت زوجته، التي حاولت التماسك برباطة جأش، وهي تتأمل حضنه من وراء زجاج، ليغلبها حنينها في لحظة وتنهمر عيناها، ثم تنسحب بحنان شجاع كي لا توهن عزيمة الحنين.
هؤلاء فارسات لا يذلهن حنينهن بل يذل عدوهن، ولا يضعفهن شوقهن، إنما يكسر شوكة سجانيهن، الذين يراقبون بدهشة كيف يمكن للحنين أن يتحول إلى قنبلة مكتومة هي زهرة القلب، لا تقتل صاحبتها إنما تحييها… لأنها حين تنفجر لا تدمر بل تتفتح وتزهر، كوردة النار في أحضان تدخر لهفتها كحصّالة، فكلما زادت الغلة وثقلت موازين الحنان، كلما خف عقل السجان، الذي ينهزم أمام المعدات الخاوية والأحضان الكاوية.
إنها بطولة من لحم ودم، لا يمكن أن تنجح موضة الوثائق بتحويلها إلى بطولة من ورق… وهنا تحديدا عليك أن تسأل: هل يمكن للعدو أن يحب عدوه؟ هل الخطر الحقيقي هو أن تعجب به أم أن تخافه؟ ثم لماذا يتبع السجان استراتيجية الحرمان العاطفي؟ هل هو إذلال أم تمويه أم تشويه أم محاولة لإفراغ الوجدان الفلسطيني من أقوى أسلحته: الالتحام؟ أليس في هذا عبرة للإخوة الأعداء؟ وعليهم عليهم يا شعبي!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

نواعم حديد بين «العربية» و«المغاربية» وفلسطين مجددا في «الاتجاه المعاكس»

لينا أبو بكر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية