بيروت ـ «القدس العربي»: نظمت «دار المصور» في بيروت معرض فوتوغرافيا لبنانيا سويسريا مشترك يحتفي بالماء. عين لبنانية صورت في سويسرا، وعين سويسرية صورت في لبنان. من خلال مشروعين متوازيين «طاقة الماء» للمصور حسن شعبان، و»الماء للحياة» للمصورة السويسرية نيكول هيرتزوغ ـ فيري. شاهدنا في المعرض أعمالاً من بيئتين مختلفتين، تتباينان في الرؤى حول مفهوم الماء ومكانته من خلال مفاهيم التنمية المستدامة وتأثيرها على البيئات المحلية.
وجاءت استضافة حسن شعبان في سويسرا ضمن برنامج «سمارت» للفن المستدام في المناطق الجبلية، وضمن فعاليات التبادل الثقافي بين لبنان وسويسرا. وقد وقع الاختيار على حسن من خلال لجنة تحكيم مؤلفة من ممثلين عن دار المصور بيروت، واتحاد المصورين العرب والسفارة السويسرية، وقد تم اختياره من بين عشرة ملفات ترشحت للمرحلة الثانية. واعتمدت اللجنة في الاختيار أسس الكفاءة المهنية ومستوى الإبداع الفني. وفي المقابل كانت زميلته السويسرية نيكول هيرتزوغ ـ فيري تقوم في لبنان بتنفيذ مشروع موازٍ يشمل زيارات للمناطق الجبلية في فترات زمنية مختلفة. تتصدر معرض شعبان صورعن السدود التي يغمر الثلج قسمها الأكبر، ويشير المصور إلى سدود سويسرية تجاور جبال «مون بلان» الفرنسية، وأخرى على الحدود الفرنسية الإيطالية. الجدار السميك يمتد تحت جبال من الثلوج ويشكل سدوداً تُخزن ملايين المكعبات من الماء. فسد «غراند ديكسانس» هو الأكبر في أوروبا، وثاني أكبر سد في العالم يعمل بقوة الجاذبية وصولاً إلى مصنع الكهرباء حيث تدور توربينات في غاية الضخامة فتولد الكهرباء.
رحلة شعبان لتوثيق «طاقة الماء» في سويسرا تدرجت من السدود والثلج الذي لا حدود له، حيث يقول «إن دخول ما تحت السدود رحلة شيقة…عالم الآخر. تحت السد أو في جدرانه كيلومترات طويلة من الأنفاق منها المستقيم، المتعرج والقطري. تتضمن السلالم، المصاعد، وسكك حديد صغيرة لنقل المعدّات».
ويضيف: «وجدت السويسريين ينظرون إلى سدود الماء كما لو أنها احتياطي الذهب الخاص بدولتهم. هم فخورون جداً بإنجازاتهم. مباشرة كنا نحصل على إذن الدخول بعد طلب من «سمارت» وما من مكان محظور دخوله أو تصويره».
ختم شعبان تراتبية الصور المتاحة للجمهور بصور لعمال من أعمار مختلفة، ويقول: «هم من أجيال تعاقب على العمل بدءً من عمر الشباب وصولا إلى الستين. ونادراً ما نجد إحدى العائلات السويسرية التي لم يعمل أحد افرادها في السد، بناءً وتجهيزاً أو بمصنع الكهرباء، وما له صلة بالماء والكهرباء».
وعن الاستنتاج الذي خرج به من التجربة قال: «للأسف 90٪ من ماء الأنهار في بلدنا تذهب هباء في البحر. يدرك السويسريون جيداً التطابق بين طبيعة بلدينا والمياه المتدفقة فيه، ويستغربون بشدة لماذا نُحجم عن بناء السدود، ولماذا نحن في عجز عن انتاج الطاقة؟ أسئلة لم أجد رداً عليها سوى الفساد الذي يمنع أي مشروع للتنمية المستدامة في لبنان».
جبال لبنان بعدسة سويسرية
في معاينة حصيلة ما التقطته عدسه نيكول هيرتزوغ ـ فيري في المناطق الجبلية اللبنانية وخلال مراحل مختلفة، طالعتنا صور تحكي الحياة الريفية اللبنانية بدءً من معصرة الزيت التراثية إلى قفران النحل وقطاف مواسم التفاح، وزراعة الخضار المنوعة والفلاحة بالوسائل التقليدية. عدسة نيكول أتت بالجميل من الصور عن بحيرات من صنع الطبيعة، لكنها تنضب في فصلي الصيف والخريف. هي الفوضى تعمّ قطاع المياه في لبنان. تُدرك نيكول هذا وقد صورته عدستها. لكن من أشرف على اختيار الصور التي ستُعرض على الجدران كان قراره اختيار التراث من مشهد الماء، والصور الأخرى الرومانسية. حسب ما قالته نيكول لـ»القدس العربي» فالذين اختاروا صور المعرض «أرادوا العبور إلى الرومانسية بعيداً عن الأزمة الحقيقية للماء». وتضيف:» موضوع الماء في لبنان مسّ قلبي بعمق لأني امرأة من الجبال. ولأني هكذا تقدمت لمشروع «سمارت». وأعمل منذ عشر سنوات في سويسرا على تصوير مشاكل المناطق الجبلية. وأهتم كثيراً بذوبان الثلوج والماء الذي ينتج عنها. في لبنان يرتبط موضوع الماء بصلب المهمة التي أعمل عليها. النقاط المشتركة التي وجدتها بين لبنان وسويسرا أن الحياة تستمر بواسطة الماء. والمعادلة هي أن انعدام الماء بدوره سيؤدي لانعدام الحياة في كافة الأماكن المأهولة في الجبال. المشترك بين جبال لبنان وسويسرا هي الوديان. كذلك نظام الري عبر القنوات المائية».
وتستطرد: «في الخريف الماضي زرت أكثر من مرة مناطق الضنية، تنورين واللقلوق شاهدت الخزانات الفارغة وكذلك البرك الطبيعية، وفي المقابل شاهدت الخضار والفواكه المنوعة. وهذا يظهر أن تلك المزروعات استهلكت الماء الذي كان مخزناً حتى شهر تموز/ يوليو».
بشأن ما يروج بأن الماء سيكون سبباً لحروب المستقبل تقول: «يمسني الماء كإنسان يُدرك أهميته. لبنان أخضر نسبياً حتى الآن بسبب وجود الثلج والماء وهذه ميزة. لكني أتساءل إن تراجع منسوب الثلج ماذا سيحل بالمناطق الجبلية في سويسرا؟ وفي لبنان كذلك؟ ولهذا يجب تخزين كل قطرة مطر تنهمر على تراب لبنان. فالتصحر والمناخ الحار يهدد كامل الكرة الأرضية. يجب البحث في المستقبل قبل تحوله لمشكلة خطيرة».
زهرة مرعي