«الجزيرة» هي الموضوع، وللدقة فإنها هي على رأس الأسباب، التي دعت «الدول إياها»، لفرض الحصار على قطر، ظنا من القوم أنهم بذلك سيدفعون القطريين لأكل أوراق الشجر!
ففي اليوم الأول لفرض الحصار، كتب حاكم الشارقة، أنه إذا كان الثمن في الأزمة السابقة هو إغلاق «الجزيرة مباشر مصر»، فالثمن الآن لن يكون أقل من إغلاق «الجزيرة»، عندئذ قلت «يا حلو بانت لبتك»، فليس المطلوب هو أن تغير «الجزيرة» خطابها وتتخلى عن خطها، ولكن المستهدف أن يتم إغلاقها بـ «الضبة والمفتاح»، بعد أن فشلت الدول «إياها» في منافستها، ليكون القرار هو الإغلاق، حسداً من عند أنفسهم، وأخذاً بالأحوط!
السعودية أطلقت العديد من القنوات التلفزيونية لتنافس «الجزيرة»، ومن «الإخبارية» إلى «العربية»، والإمارات أطلقت قنوات كثيرة مثل «أبو ظبي» و «دبي»، وأخيراً «سكاي نيوز عربية»، وفشلت في المنافسة، وظلت «الجزيرة» متفوقة، فكان تمويل قنوات عدة من القاهرة، والإغداق على العاملين فيها بالأموال، لكن «الدول إياها» كانت كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، إذن فلا بد من إغلاق «الجزيرة»، وتكون الرسالة عبر الجيوب الخلفية للمؤامرة، فإذا كانت البحرين هي أول من أعلنت قرار الحصار، مع أنها من التابعين غير أولى الإربة، فيكون المناسب أن يعلن شرط المصالحة هو حاكم الشارقة، الذي لم يكن «في الصورة» مع هذه الجبهة، وآخر معلوماتنا عنه هو تمويله لصحيفة الحزب الناصري في مصر في التسعينيات، وانتهى المطاف بها إلى كونها صحيفة فاشلة، وقد توقفت عن الصدور تماماً.
رأس «الجزيرة» مطلوب من «الدول إياها» وليس فقط مجرد الطلب بتغيير سياستها، لتصبح مثل «العربية»، التي تسد العجز، الناتج من عدم قيام دولة الكيان، بإطلاق قناة موجهة للعرب، فأمريكا أطلقت «الحرة»، وفرنسا تبث «فرانس 24»، وألمانيا لديها قناة بلغة الضاد، ولدت ميتة، وبريطانيا تملك «بي بي سي»، الراديو والتلفزيون، وإيران تملك «العالم»، وكان على إسرائيل أن تكون لها قناتها أيضاً، لكن مع وجود «العربية» فإن تأسيس قناة موجهة للعرب يعد تبديداً للمال الإسرائيلي بلا داع!
«علبة الكبريت» سابقاً
وهكذا فإن دولاً تحتشد، ليكون على رأس طلباتها إغلاق قناة تلفزيونية، وصفها المخلوع مبارك بأنها مثل «علبة الكبريت»، صحيح أنها لم تعد كذلك بعد افتتاح استوديوهاتها الجديدة، لكن في النهاية هي محطة تلفزيونية، أعتقد من العيب أن تحتشد لإغلاقها كل «حزمة الدول إياها»، إذا تم إدراج «البحرين» ضمن هذه الدول، وتجاوزنا عن كونها ملحقة بالعربية السعودية، ومع ذلك يا إلهي هي أول من أعلنت من طرفها أنها قررت حصار قطر، فأضحك الإعلان الثكالى!
مما قيل وأعطى مبرراً موضوعياً لهذا الاحتشاد، وإعلان حرب «الغبراء» على قطر، أن مخطط «الدول إياها»، هو الاستعداد لتوجيه ضربة قوية لغزة من قبل الجانب الإسرائيلي مع اجتياح من الحدود المصرية، وقد جرب عبد الفتاح السيسي، ضرب ليبيا، ولم يواجه باعتراض داخلي، فلا مانع من أن يقدم على مهمته العظمي لحماية أمن إسرائيل بالمشاركة في الاعتداء على غزة، والانتقال إلى صفقة القرن!
وبالمناسبة، فهل يعقل أن يدعي السيسي أن لقاءاته مع الجماهير تلقائية، وأن الأسئلة التي توجه له غير معدة سلفاً، ومع ذلك لم يحدث أن سأله أحد عن المقصود بصفقة القرن التي ذكرها في لقائه مع الرئيس الأمريكي، بدون توضيح ليبقى المعنى في «بطن الشاعر»؟!
الجنين في بطن أمه يعلم أن «صفقة القرن» تعني تحويل سيناء إلى وطن بديل للفلسطينيين، وإلا كانت السلطة المصرية قد ردت على هذا التفسير المتداول، والسكوت هنا هو علامة الرضا، ولأنه من المستحيل أن يوافق الفلسطينيون على هذه «الصفقة المجرمة»، فيكون القرار هو حملهم على ذلك بقصف غزة بقوة لإجبار سكانها إلى الهروب إلى سيناء، وهناك تكون الخطوة التالية في هذه الصفقة!
ولأن هذا سيكون عملاً من أعمال الخيانة، ووجود قناة «الجزيرة» سيكشف الجريمة بتغطية العمليات العسكرية، وتغطية رد الفعل الجماهيري بما يدفع للمزيد، فيكون الاستعداد بإغلاق هذه القناة، ليتم التعتيم على ذلك، ولتجري هذه العملية وفق القول الدارج: «علقة تفوت ولا حد يموت»!
ويلاحظ هنا أن هناك هدفين متلازمين هما إغلاق قناة «الجزيرة» وطرد قيادات حركة حماس، أو القيادات التاريخية للحركة من الأراضي القطرية، مع أن هؤلاء صاروا بعد المؤتمر الأخير قيادات سابقة أو متقاعدة، حيث اختارت «حماس» قيادة جديدة كلها داخل قطاع غزة، لكن في الأخير فإن هذه القيادات ستمثل الاحتياطي الاستراتيجي للحركة، إذا ما حوصرت قيادات الداخل، أو حتى تم التخلص منها بالاغتيال والخطف مع قصف القوات المصرية والإسرائيلية في وقت واحد لغزة، وبتمويل من «الدول إياها»!
ولأن «الدول إياها» تعمل الآن في خدمة المصالح الإسرائيلية، فقد كان القرار هو حصار قطر، حتى ترضخ، فيعيشون عيشة راضية لا يسمعون فيها لاغية، ويقدمون على خطوتهم وهم في ثقة من الانتصار لأنه لن تعكر «الجزيرة» صفوهم كما لن يعكره قادة حركة حماس السابقون، الذين يعيشون في قطر، فتم الإعلان مبكراً بأن الثمن المطلوب لفك الحصار هو إغلاق قناة «الجزيرة»!
اللافت، أن المطلوب ليس إغلاق «الجزيرة» فقط، ولكن أن تتوقف قطر عن دعم قنوات ومواقع إلكترونية تقول «الدول إياها» أن قطر هي من تمولها، وليس عندي معلومات في هذا الشأن، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا تكون قطر هي وحدها المطلوب منها الامتناع عن أن تكون لها أذرع إعلامية في حين أن شراء الصحف والصحافيين هو دأب الدولة الكبرى في مجموعة «الدول إياها»، وقد عرف منها بالضرورة أنهم إذا كانوا في السابق يشترون الصحافيين المعارضين لهم، فإنهم الآن يشترون الصحيفة لطرد هذا الصحافي منها!
ولماذا لم يطلب من الإمارات أن تتوقف عن دعم إعلام الثورة المضادة في دول الربيع العربي، وعن إنشاء قنوات رأسها مالها يفوق رأس مال «الجزيرة» ذاتها، فلا يمكن لمثلي أن يصدق أنه بإمكان أي رجل أعمال أن يملك قناة تلفزيونية، ويكون راتب الإعلامي في خانة الأصفار الستة في «طلعة» كل شهر، ومعظم ملاك القنوات التلفزيونية في مصر مدينون للبنوك، ويعانون البطالة الآن، ويسألون الله «ثمن النشوق»، بل شاهدنا من ليس برجل أعمال يصدر صحيفة يومية وكان إلى وقت قريب يعمل في موقع الكتروني إسلامي بتوصية أمنية لتحسين دخله، وكأن ثروة ألقيت عليه من السماء، وكأنه عثر على بئر نفط داخل بيته فمن أين له بهذه الأموال ورجال أعمال وأحزاب سياسية يعجزون عن استمرار صدور صحفهم؟!
إنه «حكم القوي»، الذي دفع في السابق إلى الطلب من قطر إغلاق «الجزيرة مباشر مصر»، بحجة أنه لا يجوز لدولة أن تطلق إعلاماً موجهاً لدولة أخرى، واحتشد «عراب الانقلاب» محمد حسنين هيكل، لينظر لفكرة الرفض، دون أن يتعرض أيضاً لقنوات أخرى مماثلة مثل «أم بي سي مصر»، لأنها مملوكة للسعودية.
«هيكل» ينتمي إلى مرحلة وإلى نظام هو من دشن عربياً لفكرة الإعلام الموجه للدول، و«الجزيرة مباشر مصر» لم تكن مثل إعلام العهد الناصري، فلم يكن لدى قطر مشروع لتتمدد به في المنطقة، لكن عبد الناصر كان مسكونا بفكرة الزعيم، وكان هذا الإعلام يستهدف أن يجعل منه بطلاً قومياً، وهو ما نجح فيه بالفعل إلى أن وقعت هزيمة سنة 1976.
«حكم القوي»
و«الجزيرة مباشر مصر»، كانت أهدافها مختلفة، إذ أطلقت مع الثورة المصرية، دعماً لإرادة الشعب المصري، وليست جريمة أن تدعم قطر ثورات الشعوب، لكن الغريب هو أن من يدعمون الثورة المضادة، يرون في ما فعلته جريمة، لأنه «حكم القوي»، الذي تقدم خطوة للأمام الآن وطالب بغلق قناة «الجزيرة» كاملة، ولا نعرف إن كانوا قد استثنوا قناة «الجزيرة أطفال» من مطالبهم أم يشملها الطلب!
وإذا كان هذا هو حكم القوي، فإن قطر ليست هي الدولة الضعيفة، فقد أثبتت خطوة «الدول إياها»، أنها ليست وحدها، وأنها تملك دبلوماسية خارجية فاعلة، كما أن عدالة موقفها جعل الجماهير في العالم العربي تنحاز لها، على نحو مثل أزمة لدى «الدول إياها» والتي أعلنت تجريمها لأي رأي ينحاز للدوحة، فكشف هذا عن شعبية لقطر في عقر دار الأنظمة المحتشدة ضدها، والتي لو أقدمت على خطوة الاستفتاء الحر على قرار الحصار لتأكد لها أنها سلطة شاخت في مواقعها. وإن كنت أعتقد أنها مدركة بأنها لا تمثل إرادة شعوبها وما عقوبة الحبس والغرامة لمن يؤيدون قطر إلا كاشفة عن هذه العزلة.
لقد مضى ليل المؤامرة، وليس أمام أذرع الصهيونية العالمية، إلا أن تلعب على المكشوف، فتقدم على تنفيذ «صفقة القرن»، تحت أضواء كشافات كاميرات «الجزيرة»! فقديماً غنت فايزة أحمد: «معدش فيها كسوف»!
صحافي من مصر
سليم عزوز