باخ وهايدِن ومتعة الابتكار

حجم الخط
1

لطالما سألني محبّو الموسيقى الكلاسيّة من غير المختصّين عن السرّ في أهمية ما قدّمه لنا يوهان سباستيان باخ (1685 -1750)، من جهة، وجوزَف هايدِن (1732-1809)، من جهة أُخرى. وثمة مقولة الباءات الأربع للدّلالة على أهمية الأول: باخ، وبيتهوفن، وبرليوز، وبرامز. ولطالما تمت الإشارة إلى هايدن بوصفه الأب هايدن. والحقّ أن المجال هنا لا يتّسع لتعديد إنجازات هذين المؤلفين ولا لتحديد فضلهما على مَن تبعهما من المؤلفين في سلسلة طويلة لم تنقطع حتى يومنا هذا، لذا سأركز على بعض البنى الموسيقية التي أسس لها كل من هذين المؤلفين.
فقد ورث باخ عن سابقيه، من مثل بالَسترينا (1525-1594) وغيره في عصر الانبعاث، قالب الفوجا، أو المطاردة، وأغناه وطوّره كي يصبح أشدّ دراميّة في عزف الآلات، ما أسبغ عليه قواما مستقلا عن القداديس المغنّاة. كما جعل تناسق الموضوعات فيه وتضادها يتغلغل في تأليف البنى الأخرى، من مقدّمات ومتتاليات وحتى القدّاسات وغيرها. ونتج عن تلك الطريقة الجديدة في التأليف تماسك البناء في كل قطعة، إذ بدا وكأن لكل قطعة عالمها الخاص بها.
فتبدأ المطاردة بموضوعة ما في الصوت الأول لأربع أو ثماني مازورات، دون أدنى مرافقة، ثم تتكرر الموضوعة على طبقة أعلى أو أوطى في الصوت الثاني بينما يطاردها الصوت الأول في تناسق/تضاد جدلي ولا يكاد يمسك بذيلها حتى تهرب منه إلى صوت ثالث ورابع، وهلمّ جرّا. وللقارئ أن يطلق العنان لخياله في إيجاد مواقف في الحياة تماثل قالب المطاردة هذا. فثمة توق الإنسان إلى هدف ما والسعي إليه، وثمة مطاردة المفترس لفريسته، وثمة الهرب من خطر محدق، وشوق العاشق لعشيقته، وما إلى ذلك. وتنتهي بعض المطاردات والمستمع لا يدري من يطارد من، وتنتهي بعضها وقد نال المطارد مناه، وتبدو بعضها وكأنها لا تنتهي مطلقا رغم توقف العزف. وقد أنتج باخ مئات المطاردات، عكف على كل منها جميع المؤلفين، من معاصرين ومن لاحقين، وتعلم كل منهم منها الشيء الكثير.
أما هايدن فقد استعار قالب المتتاليات الذي ورثه عن عصر الباروك، حيث كان سلسلة من رقصات البلاط، وقلّصه إلى أربع حركات وأسماها سمفونية تتكون الحركة الثالثة منها فقط من رقصتين: مينويت، يليه تريو، ثم يعود المينويت ذاته. أمّا الحركة الأولى السريعة فقد استعار لها قالب الأغنية الدنيوية من القرون الوسطى: أ-ب-أ المعدّل. ولكن، وبعد أن يقدم الموضوعة أ في الدرجة الأولى من مقام الحركة والموضوعة ب في الدرجة الخامسة من نفس المقام، وكأنه يكاد يغادره، يستحدث هايدن مقطعا دسما يقدم فيه ما يشبه الصراع بين هاتين الموضوعتين اللتين يجري عليهما التحوير بعد الآخر في مقامات ذات علاقة بالمقام الأصلي، لكن السمة الأوضح فيها هو بُعدها عن المقام الأصلي. ثم يعود فيدرج تقديم الموضوعتين في المقام نفسه وفي الدرجة الأولى، فيبدو للمستمع أن المؤلف قد اصطحبه في رحلة ملؤها التقلّبات حتى وصل إلى غايته المنشودة وقد أوحى له بالاستقرار والطمأنينة.
أما الحركة الثانية البطيئة من السمفونية ـ أو الرباعي الوتري (للكمانين والفيولا والجلو)، إذ كان للأب هايدن الفضل في ابتكار كل منهما بموازاة الآخر ـ فقد بناها على شاكلة الأغنية الدنيوية من القرون الوسطى، دون مقطع الصراع الأوسط ذاك، أو على شكل الموضوعة والتحويرات، وحمّلها بالمشاعر، لا بالأفكار. وبعد الحركة الثالثة الراقصة سالفة الذكر ينطلق هايدن في الحركة السريعة للغاية إما إلى قالب الروندو أو حتى إلى قالب المطاردة الذي ورثه عن باخ نفسه! وكتب هايدن مئة وأربع سمفونيات وعشرات الرباعيات الوترية ما تزال مرجعا لمن تبعه من المؤلفين.
لذا نجد أن فولفجانج آماديوس موتسارت (1756-1791) يكتب الرباعي الوتري تلو الآخر، وإحدى وأربعين سمفونية، على النحو الذي شقه هايدن من قبله. وتبعه في ذلك لودفيك فان بيتهوفن (1770-1827) برباعياته العديدة وسمفونياته التسع. وكذلك فرانتس شوبرت (1797-1827) برباعياته وسمفونياته التسع، وغيرهم من المؤلفين الكبار. لكن بيتهوفن انفرد، كما هو شأنه دوما، في سمفونيته الثالثة، البطولية، فراح يجدد في عدد موضوعات السمفونية وفي النقطة التي يُدخل فيها كلا من تلك الموضوعات إلى حركة ما، فكان أن طالت الحركة الأولى فيها حتى تعدّت طول سمفونية كاملة من تأليف أستاذه هايدن!
يبدأ بيتهوفن سمفونيته الثالثة لا بمقدمة، بل بإعلان المقام مرتين عبر الأوركسترا ككل، وكأنه يصرخ: اسمعوني! اسمعوني! ثم يقدم ما يبدو أنه الموضوعة أ، لكنه يكاد لا ينتهي من تقديمها قبل أن ينخرط في تحويرها، ثم يقدم مادة ثانية في النقطة التي يتوقع فيها المستمع المعتاد على هايدن وموتسارت أن يسمع الموضوعة ب، لكنها تتبدى له على أنها تكملة للموضوعة أ، أو لعلها مشتقة منها، وهكذا حتى يصل إلى الموضوعة ب بحق، فيعالجها بالطريقة نفسها، ثم يدخل نوتة لا تمت إلى المقام بصلة، وبصخب شديد، وكأنه يقول: أسمعتم؟ ترى ماذا سيكون مصير هذه النوتة الغريبة عن المقام؟ ثم يعود فيعالج مادتين سابقتين في مطاردة على طريقة باخ، ثم يتوقف كليا ويطلب من الأوركسترا أن تلتزم الصمت المطبق، فيجلس جمهور المستمعين على حافة كراسيهم غير قادرين على التنبؤ بوجهته، فيعود إلى مادة كان قد قدمها سابقا لكنه يحورها للمرة الثالثة فتكاد لا تُعرف.
ثم ينتقل إلى الحركة الثانية فنجد أنفسنا حيال مارش جنائزي خافت يعبق بالإجلال للبطل، لكن المارش هذا سرعان ما يتحول إلى تأبين صاخب يعود فيخفت ويعيد مراسيم الجنازة إلى مناصها وقد تآكلت من ألحانها بعض النوتات، فبدت أشد إيلاما.
نصل إلى الحركة الثالثة فنندرج في حراك لا يمت إلى رقصة المينويت بصلة، إذ أننا نجد بيتهوفن في أوج الاحتفال بالبطل، على النقيض من أجواء الحركة الثانية. لكن بيتهوفن يبقي على التريو الذي استحدثه هايدن، ويضيف على عازفي الهورن عازفا ثالثا ـ وهي المرة الأولى في التاريخ لهذه التشكيلة ـ فينشد الثلاثي هذا مديحا جليلا في حق البطل، يعود بيتهوفن فيعيد بداية الحركة من بعده.
نبلغ الحركة الرابعة والأخيرة فنجد الموضوعة أ من الحركة الأولى وقد حوّرها بيتهوفن وجعل منها صوتا في مطاردة باخيّة تكاد تفيض عن ختام السمفونية فتبدو وكأنها بداية لسمفونية أخرى، لكن بيتهوفن يدرك متى يطيل السرد ومتى يختصر الكلام، فهو يرينا عذاب البطل تارة، ثم يرينا عظمته تارة أخرى، ولا يوصلنا إلى نقطة الختام حتى نكون قد أدركنا كل أوجه البطل وسبرنا غور شخصيته.
ويحكى أن هايدن قال إن بيتهوفن تجرأ فوضع نفسه في خضم موسيقاه، لذا لن يبقى شيء على حاله من بعد سمفونيته الثالثة. ولم يكن ذلك بالأمر المعتاد في ذلك الزمان، إذ لم ير الناس في الموسيقى آنذاك إشارات إلى أشياء بعينها، بل كانوا ينظرون إليها على أنها مجرّدة وحسب.
وثمة مقولة جميلة في هذا السياق، أوردها هنا بشيء من التصرّف: حين تستمع إلى بيتهوفن، فأنت تعي خلجات روحه. وحين تستمع إلى موتسارت، فأنت تلمس حال الإنسان. أما حين تستمع إلى باخ، فأنت تصغي إلى الكون.

باخ وهايدِن ومتعة الابتكار
الأول ورث عصر الانبعاث والثاني استعار المتتاليات الباروكية
بشّار عبد الواحد لؤلؤة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية