«المطبخ الإعلامي» في الجحيم الخليجي!

 

منذ حرب العراق والخليج يدير دفة الجحيم في الوطن العربي، حتى قبل أن توجد «الجزيرة» و»العربية» وأخواتهما، فالإعلام عند العرب حتى ذلك الوقت، لم يكن قد دخل الملعب بهذا الثقل المخيف، الذي نراه الآن، ربما لأن ما قبل «الجزيرة» ليس كما بعدها، فالقرار السياسي كان الدينمو، الذي يحرك كل أجهزة الدولة ومؤسساتها، بينما اليوم أصبح للقرار الإعلامي تأثير سحري يفوق المؤثرات السياسية مهما بلغ جبروتها وخسفها، ولهذا صرخ «المناع» ضيف «الاتجاه المعاكس»، بفيصل القاسم قائلا: « أنت وأمثالك من أشعل الحرب بين الأشقاء»!
من يخاف من؟ ومن يلوم من؟ وقد اختلط الحابل بالنابل، وأصبح المذيع رئيسا فضائيا برتبة منجنيق، يدك الأسوار، وينسف القلاع والحصون، بكبسة مايكروفون، أما الحرية الإعلامية فهي من المحرمات، طالما أن كشف الحقائق يُعد فتنة، وتعرية النفوس تُصَنَّفُ مرضا نفسيا أو مشكلة عقلية، والنفاق وحده، هو البطولة الوحيدة لأهل الشقاق، من الرباط إلى العراق!

مآدب الأموات

الانتحار جريمة قتل، ومشكلة العرب منذ احتلال فلسطين، أنهم ينتحرون طوعيا، على طريقة ذلك الأمير الفرنسي، الذي حكم على نفسه بالموت حيا، فامتنع عن الطعام بعد تجاوزه الخمسين، ظنا منه أنه ينتمي لفصيلة الجثث، فما كان من حاشيته وأطبائه إلا ادعاء الموت لعشرة أعوام متواصلة، حيث قاموا بفبركة مآدب موتى، يدعون إليها الضيوف الذين يصلون القصر داخل نعوش، مرتدين الأكفان وأزياء القبور، كي يوهموا الأمير أن للأموات موائدهم، في سبيل إطعام المنتحر، وإبقائه على قيد موته، وهكذا نحن، في داخل كل منا حجّاجه، الذي يمدحه ويسبه، ويبغضه ويحبه، كأن ثوابت عروبتنا قوامها الأرجحة بين انفعالات متطرفة حتى في حيادها، ومتناقضة في انحيازها، ومتخبطة في حسمها، تتقرب إلى أربابها بقرابين أشقائها، وحين تخوض حربا لا تستشهد إلا في سبيل أعدائها… فلما تطمئن تضطجع في مراقد الضلالة، ولما تئن تعض على الجهالة، ويلها ثم ويلها!

«الجزيرة» لن تتنازل عن قطر

غابت تماما أسباب الفتنة، التي اندلعت على إثرها هذه الحفلة التنكرية، في فضائنا العربي، وظهرت منشورات إعلامية بديلة، تعوزها الحكمة والمنطقية، فلا يعقل أن يرتهن مصير دولة بشلة متطرفين، حتى وإن استغل هؤلاء كرم الإيواء.
لا تستحق قطر أن تدفع الثمن، طالما أن الخليج يواجه محظورين ثقافيين: الأول :تاريخي، يتمثل بالتمسك بالأعراف والتقاليد البدوية الأصيلة، التي تبقيه على المحك أمام المحظور الثاني: الدبلوماسي، الذي يتطلب المرونة، ولذلك لا بد أن يبحث الفريق الإعلامي في «الجزيرة» عن مخرج آمن يضمن له فضيلة الخيارين، دون أن يتنازل عن شجاعته في ما يسره قبل ما يعلنه، طالما أن الحرب ضد القناة، قائمة أصلا على تهم التحريض والشحن وإيغار الصدور، وإطلاق الهواء للأبواق الشريرة، في ذات الوقت الذي تستعر فيه أفران العربية لتحميص الأحقاد وشعوطة القلوب، فوق نيران شائطة!
حسنا إذن، ما دام التحريض ديدن أطباق فضاية، منها ما دخل الميمعة، ومنها من ينتظر، ومنها من لحق بالركب على طريقة «من أعطاه الله الحج والناس مروحة» ومنها من صم وبكم على طريقة «غايب طوشة» وما بدلوا بديلا، فلماذا يدفع المشاهد ثمن لعبة شد الحبل بينها؟
قطر لن تتنازل عن «الجزيرة»، و»الجزيرة» لن تتنازل عن قطر، فانفساخ الوثاق الإعلامي بينهما، بتر وريدي، أو تمزيق لحبل الصرة المعقود كعروة وثقى، تماما كـ»العربية» والمملكة العربية السعودية، أما تحميل الإعلاميين مسؤولية حروب الكراهية والإخوة الأعداء، فهو أمر مجحف، لأن الإعلام في النهاية، حقل مهني، مهما بلغت انتهاكاته لن تصل إلى عقوبة جرائم الحرب، ولا الاختراقات السياسية وما يترتب عليها من إجراءات تعسفية!
المستفيد من الفتنة، ليس المتطرفين المستغلين للقيم البدوية فقط، ولا المطبخ الإعلامي، الذي يتغذى عليها ويعيد تدويرها بما يحقق نسب مشاهدة أسطورية، ولكن هناك جبهات أخرى أكثر خطورة، هي أمريكا وإيران واسرائيل، التي تتلقف حجارة الصوان الهائجة، في هذه المراجدة الإعلامية، وتقوم بحَكْحَكَتِها بحنكة طرزان، الذي رضع من حليب الأفاعي والذئاب، لتقذف بفرقاتها في سماءاتنا المفتوحة، والمتأهبة لالتقاط الإشارات المتأججة كألعاب نارية تسر الناظرين، وهؤلاء عميٌ مهما زغللت أبصارهم بها، ورأيتهم بأعينهم مسرورين!

«ريفيرس إعلامي»: للأمام سِرْ!

رغم كل هذا، تراجع الخطاب الإعلامي لـ«العربية»، وخفف من التصعيد قليلا، وتجنب ثقافة الشتيمة والتجريح، والحرص على مخاطبة «قطر» بالشقيقة، والتركيز على إرهابيي «القائمة السوداء»، وتراجع كليا الهجوم على حماس والجهاد الإسلامي، وتشويه المقاومة، والتحريض ضدها، وتجييش الجيوش الفكرية والأكاديمية لصهر الوعي الثقافي والنضالي للشعوب العربية، ليس ندما، ولكنه الحذر، بعد تعاطف الشعوب مع الموقف القطري اتجاهها، ولا بد أن هذا التراجع يضع في الحسبان مخاطر التحفظ المؤقت، لأن «العربية» تعد العدة لخوض حرب تدريجية، على المقاومة، ولكن بخبث مبطن، وبطيء، يستغرق زمنا أطول، وهذا عادة ما يحقق مفعولا أعمق وأخطر… ولذلك عليك أن تحذر أكثر، كلما رأيت «العربية» تَحذر!

الحكمة بين الإيواء والدعم

الإيواء الذي يعبر عن ثقافة اجتماعية وأخلاقية عند العرب، ليس له ذات الدلالة التي يحملها دعم عناصر المقاومة – وإن كان به بعض منه – فدعم المقاومة، واجب وطني، وشجاعة قومية، وحصانة عربية، كل من لا يحرص عليها خائن لعروبته وتاريخها ومستقبل أمته، وشرفها وكبريائها، ما دامت المقاومة فكرة وجودية، وليست حزبا، أو توجها، أو مصلحة، و من يقتل الفكرة أو يحاربها هو عدو الأرض والسماء والتاريخ والإنسانية جمعاء، وهي ذاتها الفكرة التي يخوض العرب لأجلها حرب اليمن ضد إيران و أرخبيلها الحوثي.
إنها الحكمة، وحدها فقط من تستحق أن يضحي الزعماء لأجلها، ويبذلوا في سبيلها الغالي والنفيس، وقد نستعيد هنا ما قاله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله: «إنني ومنذ بداية خلافات العالم العربي، وحتى يومنا هذا، لم أبِتْ مسرورا، وأسعى دائما لبذل الجهد، والمال، من أجل ألا يختلف الشقيق مع شقيقه»، وهو ما يلتقي مع حكمة الألم عند الملك فيصل بن عبد العزيز، رحمه الله، حين قال : «إن الأكباد لتنفطر، وإن الجوانح لتتمزق، حينما نسمع أو نرى إخوة لنا في الدين والوطن، وفي الدم، تنتهك حرماتهم، ويشردون وينكل بهم، لا لشيء ارتكبوه، أو اعتداء اعتدوه، إنما لحب السيطرة والعدوان، والظلم»!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

«المطبخ الإعلامي» في الجحيم الخليجي!

لينا أبو بكر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية