بيروت ـ «القدس العربي»: وصف شربل روحانا الأغنيات التي قدمها مع جوقة معهد القديسة رفقا في «سي دي» حمل عنوان «سلامي معِك» بـ«عبق موسيقي إنساني صادق لوليمة اشترك فيها الموسيقيون والجمهور بأرواحهم المتآلفة». فهذا الـ «سي دي» الغنائي ليس وليد استديوهات وعزف الكتروني وتمحيص في التفاصيل، بل وليد حفل مباشر أنجزه حوالي 20 عازفاً، وكورال من 70 فتاة وشابا، وإليهم أضيفت حرارة الجمهور في كازينو لبنان. ففي تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2016 جرى الحفل الخيري دعماً لمؤسسة ناجي شرفان، وتمّ التسجيل دون التصويب على الـ «سي دي».
«سلامي معِك» توزع بين استعادة بعض من أجمل التراث الغنائي اللبناني والعربي، وبعض من أغنيات شربل روحانا الذي وقّع التوزيع الموسيقي بالكامل. ضمّ العمل مفاجآت فنية ممتعة منها أغنية «ميلي يا حلوي» التي كتبها الراحل زكي ناصيف ولحنها روحانا. وفيه ظلّ روحانا وفياً لروح ناصيف، ومنها نغمه المشهدي التصويري. ومن المفاجآت الممتعة فخامة استعادة التراث مع كورس متناغم من 70 صوتاً. «القدس العربي» حاورت روحانا الذي وقّع عمله في حفل في الفريجين وسط بيروت:
○ لماذا «سلامي معِك» هي العنوان؟ وهل حمّلت من خلالها سلامك الداخلي لأحد ما؟
• أغنية صدرت في «سي دي» «خطيرة». كتبها بطرس روحانا ويمكننا جميعاً تبنيها. فكل منا يشعر أن لديه سلاماً في مكان ما. قد يوافينا السلام لوقت قصير، وخلاله نكون في أفضل حال. إنها لحظات تشبه وميض الوحي. وفرح الحب يشبه الوحي، ولن أقسو عليه بتسميته فرح غدّار. الوحي والحب غدّاران. في كل ما نقوم به ننشد الفرح، رغم أن أغنيات الحب فيها لوعة كما أغنية «سلامي معِك» التي يقول مقطع منها «بيناتنا ناس ودول بيناتنا خيالات منِك معي ومني معِك». في رأيي الحب يعذب أصحابه على الدوام، فهو كما وصفته بفرح غدّار. تنتصر أغنية اللوعة والحرمان لأن الحب يلزمه زمن حتى يستقر ويشكل أماناً واطمئناناً لطرفيه. المشاعر الإنسانية هي نفسها منذ الأزل وحتى الأزل، رغم كوننا في عصر التكنولوجيا والتواصل الحديث.
○ بعد صدور مؤلف «مقام العود» عن جوقة معهد القديسة رفقا تعود للتعاون ثانية في هذا الـ «سي دي» فهل تكتشف جديداً موسيقياً مع فرقة ملتزمة ومنضبطة؟
• أصبت لب هذا التعاون بكلمتي التزام وانضباط، وهذا يعود لشخصية الأخت مرانا سعد مؤسسة المعهد في دير مار يوسف – جربتا. كما وأسست كورساً يصل لـ 90 شخصاً من الكبار، والعدد نفسه من الصغار. جميعهم يتدرب أكثر من مرّة اسبوعياً بروح الانضباط والالتزام التي ذكرتها، والتي تحفزها الروح الإدارية المرحة للأخت سعد. معرفتي بمعهد القديسة رفقا تعود لسنوات ثلاث مضت حين كرموني في حفل في البترون. ومن ثم كان مؤلف «مقام العود» وحفل الكازينو الخيري الذي نتج عنه هذا «سي دي».
○ جرأة أن يُنتج «سي دي» غنائي مسجل مباشرة في حفل؟
• ولم نكن نتوقع أن يُنتج. فلسنا حيال احتمالين مسجلين على الأقل. سمعنا الحفل فشجعنا لأن نصدره. لا ندّعي خلوه من الأخطاء بل يحمل الإنساني منها. خطأ محصور في كلمة غير واضحة، أو جملة دخلت في غير أوانها. في حين أننا في تسجيل الأستوديو «نفللي» النملة وصولاً لعمل متقن 200٪. في المسرح ترصد الآلات العلاقة الروحية مع الجمهور. جمهور كازينو لبنان كان في غاية الحيوية والتفاعل الإيجابي. فليس كل حفل مسرحي يمكن تحويله إلى «سي دي» لأننا حيال مغامرة تتضح ملامحها في الختام. منها خذلان الجمهور، وجود آلة لا تخدم العازف وغير ذلك. وهذا غير موجود في الأستوديو فالعمل ينجز بدم بارد.
○ كيف تصف الفرقة الموسيقية لجوقة معهد القديسة رفقا؟
• الفرقة الموسيقية تألفت من 20 عازفاً، والكورال بحدود 70 شخصاً. بيني وبين جوقة معهد القديسة رفقا تكامل مصالح. ونحن في تعاون ضمن مساحة فنية إنسانية تؤدي لأعمال مفيدة للمجتمع الذي نعيش فيه. وفي اصدار مؤلف «مقام العود» فلا أظن أن دار نشر كانت ستنتجه بالأناقة والاحترام الذي صدر به. ومن ثمّ ترجمته للغة الإنكليزية. هو إنتاج سخي بحيث وصل في أفضل صيغة ممكنة يطمح لها فنان في رأيي.
○ معظم الأغنيات موجودة في «سي دي» سابقة لك؟
• نعم. في التسجيل الحالي لم يعُد صوتي وحيداً كنت في توزيع أدوار مع الكورس بحيث يصبح للأغنية لونها الجديد. نشيد «توحدوا» لم يصدر في عمل سابق. كتب نصه بطرس روحانا، لحنته وشاركت في مباراة في اليابان سنة 1990 ونلت الجائزة الأولى. خلال الـ27 سنة الماضية لم أقله مرّة، ولم أكن مرّة إلى جانب كورس من 70 شخصاً يمنحه القوة التي يحتاجها. قلته في هذا الحفل، فموضوعه لا يزال أكثر من حي في مرحلتنا الحاضرة. نحن مع السلام على صعيد العواطف الشخصية «سلامي معِك» و«توحدوا» باسم السلام. نحن نحتاج للسلام في كل خطوة في الحياة.
○ أليست كذلك مرحلة أغنية «بالعربي» في واقع يزداد تعقيداً؟
• أن تخطر فكرة الهجرة في رأس أي إنسان فهذا يعني أننا في أزمة. بكل صراحة خطرت لي الهجرة ولا تزال، لكني لم أتخذ بشأنها خطوة عملية، وما زلت هنا. في رأيي لو شكلت إلحاحاً لنفذتها. سفري كثير وأطوله بحدود الشهر، ودائماً مشاعر الرغبة بالعودة ملحة. نحن في ضجيج داخلي يتضاعف، والدفاع عن المكان الذي ننتمي إليه يزداد صعوبة. من جهتي ليست لي قدرة السفر نحو توجه موسيقي مختلف عن قناعاتي. الصادق مع نفسه لا ينتمي لغير ذاته حتى لو اخضع نفسه للتجربة.
○ بعد سماع الـ «سي دي» يمكن القول ان ما اخترته من فولكلور وتراث يليق فقط بكورس كبير كما في جوقة معهد القديسة رفقا. هل من اسس للاختيار؟
• تمّ الاختيار بالتباحث مع الأخت مرانا سعد. اللوحة الأولى من العمل وهي عبارة عن متتالية فولكلورية وتراثية وأغنيات تقليدية كما الميجانا، ويا ويل حالي، ولما بدا يتسنّى، وبالذي أسكر، ويا بنات اسكندرية وغيرها، فهي مترابطة من حيث السياق اللحني والجو العام، وكذلك موضوع الحب، العاطفة والغزل.
○ ولماذا المساحة الخاصة جداً للـ»روزانا»؟
• أغنية تذكرني بعمتي رفيقة، التي كنا نرافقها إلى الحقل لجمع الزعتر، وكانت تخبز على الصاج، وتحيك صواني القش وتغني لنا تلك الأغنية، وتخبرنا الخبريات. مع عمتي عشنا كل ما يمكن أن ينقل الطفل إلى خارج الأجواء المألوفة. تميزت والدتي بالحزم لأنها كانت تدير عائلة من 11 فتى وفتاة، في حين كانت العاطفة لدى عمتي رغم وجود أطفال لها.
○ لماذا فيليمونيات وميلي يا حلوي من كلمات ذكي ناصيف؟ هل من جامع بينهما؟
• هو الشغف. هما معاً من بُناة ملامح الأغنية اللبنانية التي تركت أثرها بكل من أتى بعدهما، من زياد الرحباني، مرسيل خليفة وجميعنا.
○ وكيف وصلتك كلمات زكي ناصيف حتى لحنتها؟
• للكلمات حكاية. جمعتني معرفة وتعاون مع فرقة الرقة السورية قبل الحرب، وهم كانوا على تعاون مع زكي ناصيف. فرقة الرقة تحيي التراث والحياة البدوية. أخذت هذه الكلمات من مدير الرقص فيها والذي كان على تعاون كبير مع زكي ناصيف، ولحنتها وتمّ تقديمها في عرض فني هناك. ولنتمكن من نشرها في الـ»سي دي» حصلنا على إذن من مدير برنامج زكي ناصيف في الجامعة الأمريكية الدكتور نبيل ناصيف. وفي تلحيني حاولت قدر الممكن الاقتراب من روح كاتبها. غنيتها أكثر من مرّة على المسرح والجمهور أحبها.
○ كنت في حفل «سيمون شاهين وأصدقاؤه». هل هي الصداقة بعيداً عن الأنا والمراتب الفنية؟
• مع أشخاص محددين لا سؤال. سيمون شاهين في زيارة إلى لبنان قلت له «أهلاً وسهلاً» وفق أسلوبي. وهل أجمل من المشاركة مع موسيقي كبير كما سيمون شاهين؟ كان حفله وأنا معه على المسرح داعماً دون سؤال عن الحصص ومواقع الأسماء. لا ألوم من يصرّ على السؤال. كل يتصرف وفق رؤيته للحياة. المهم أن الحفل نجح رغم المسؤولية لقلة عدد الآلات، والتمرين اليتيم الذي سبق الحفل. كان حفلاً طغت عليه الألفة خاصة بعد طلب سيمون شاهين الإضاءة على الجمهور.
○ جديدك لهذا الصيف؟
• أنهيت الأسبوع الماضي تصوير فيديو كليب لأغنية كتبتها ولحنتها لجمعية «سند» التي تهتم بالمرضى من ذوي الحالات المستعصية وتقف إلى جانبهم في مراحل حياتهم الأخيرة وتقدم لهم العناية التلطيفية. كان لي مع فرقتي حفل ريعه لسند، وسيكرر في 23 تموز/يوليو في زحلة. أغنيتي تنتهي بجملة تقول «مش هم الطريق تختفي… بيناتنا طرقات بترجعك… راح ضلني حبيبي غنيلك تيضحك ملاك.. بخاطرك حبيبي روح ألله معك». وسأكون في كندا لأسبوع بدءاً من أول الشهر المقبل من أجل حفل مع أصدقاء في مونتريال، وورشة عمل في فانكوفر. ومن ثم إلى الولايات المتحدة لورشة عمل مع سيمون شاهين أشارك فيها منذ سنوات في تدريس الموسيقى والآلات العربية. وهي ورشة تبدأ من التاسعة صباحاً وحتى منتصف الليل. تضم بحدود 80 طالباً من عرب وأجانب.
○ وماذا تعني لك ورشات العمل؟
• ونحن نُعلّم، نتَعلّم.