بيروت ـ «القدس العربي»: قريباً يدخل لبنان كتاب «غينيس» عبر أكبر جدارية غرافيتي ينفذها الأخوان عمر ومحمد قباني في منطقة الأوزاعي، بحيث يشاهدها ركاب الطائرات الواصلة إلى مطار رفيق الحريري الدولي. صورة فيروز العملاقة على جدار مبنى قناة «الجديد» كان من آخر انجازات الأخوين. وجه فيروز بات يودع ويستقبل العابرين على جسر سليم سلام الحيوي، كما وجه زياد الرحباني سائلاً على تقاطع البسطةـ بشارة الخوري «بالنسبة لبكرا شو»؟ ووجه صباح على بناء «ABC» الأشرفية، وتوأم صوتها الذكوري وديع الصافي في التباريس.
عمر ومحمد قباني توأم من مواليد 1983 وهي السنة المعتمدة منهما كولادة لمشروعهما «أشكمان». مشروع انطلق من فن الشارع أو اندرغراوند بما هو غناء راب، ورسم غرافيتي وبريك دانس. توسع المشروع وكبُر سريعاً. صارت «أشكمان» ماركة مُسجلة ومعروفة. توقيع لرسوم الغرافيتي التي عبرت إلى عدد كبير من دول العالم، وعلى ملابس غالبيتها شبابية تحمل شعارات وأشعار عربية. والأهم أن «أشكمان» تُكتب بالعربية، كما حدث مؤخراً في لندن.
عمر ومحمد قباني أجابا على اسئلة «القدس العربي» عبر الحوار التالي:
○ تؤرخان مشروعكما بعام ولادتكما فهل نما معكما في رحم والدتكما أم بدأ بعد الولادة؟
• عمر: الراب والغرافيتي الذي نقوم به منذ الطفولة ودون شعور منا. ولدت بيدي مايكروفون، وبيد محمد «سبراي». دون أن ندري وجدنا أنفسنا داخل حضارة الهيب هوب بما تتضمنه من فن الغرافيتي وغناء الراب والبريك دانس، أو رقص الشوارع. رسمنا في المدرسة، وعلى الطريق من البيت إلى المدرسة والعكس. شاركنا في مسابقات ونلنا جوائز. رسمياً بدأت «أشكمان» سنة 2001.
○ كم تحبان ما تقومان به؟
• محمد: نحب جداً ما نقوم به. الشغف رفيقنا الدائم. هذا الفن وجد فينا منذ الولادة، نما وكبر بهدوء. في الطريق من بيتنا إلى المدرسة كنا يومياً نعاين لوغويات الأحزاب السياسية والميليشيات المتقاتلة في لبنان مطبوعة على الجدران. في حين أن فناني الغرافيتي الذين ألتقيهم في لبنان أو أوروبا جميعهم تعرفوا إلى هذا الفن في الشارع وعلى حقيقته، بخلافنا نحن. حياة الملجأ والقصف الذي تعرض له منزلنا في احدى جولات الحرب حمستنا للتعبير. جميعه شكل بناءً تراكمياً أدى إلى حالنا الحاضرة. الذاكرة تغص بصور الحرب رغم الطفولة. وبعدها الحروب المتتالية على لبنان أكبرها حرب تموز/يوليو سنة 2006 والتي حثتنا للتعبير عن الذات، فكان فن الهيب هوب، وهو ما نرى فيه تعبيراً إيجابياً مقابل حمل السلاح. تعبير يعتمد الرسائل الإيجابية دائماً.
○ من شجع موهبتكما الأهل أم المدرسة؟
• عمر: منذ ولادتنا نرى والدتي ترسم العائلة والطبيعة، ووالدي يحكي لنا عن الكتب التي يقرأها، ويخبرنا عن أبعاد فن عمر الزعني. ساعدت المدرسة للمشاركة في مسابقات رسم ربحنا منها الكثير. وفي أحدها رسمنا تمثال فخر الدين راكباً الدراجة النارية وبيده كلاشينكوف بدل الحصان على طريق قصر الرئاسة في بعبدا. اجتهدنا ومعاً لتنمية موهبتنا، ومن ثم درسنا التصميم الغرافيك في الجامعة. رسمنا كثيراً على جدران الشوارع في بيروت. وتلقينا دروساً متخصصة في الخط العربي مع الأستاذ علي عاصي. تعلمنا تقنيات كافة الخطوط العربية، ومن ثم بات لنا أسلوبنا في الكتابة. أن يكون الفنان أمام جدار كبير فهذا مبعث راحة في الحركة والعمل.
○ لماذا «أشكمان»؟
• عمر: تعبير شعبي لبناني للعادم في الآليات من سيارات وسواها. جميع من أعرفهم من الجيل الصغير منهم أبناء اخوتي يخجلون من قول بعض المفردات بالعربية. عندما أطلقنا هذا التعبير على أعمالنا كان البعض يخجل منها، بعكس فخرنا ونحن نجاهر بلغة شعبنا. نحن نردد ونعلن فخرنا بلغتنا وهويتنا. مضى وقت الاستغراب والخجل، الآن فننا بات مقبولاً والمشجعون إلى ازدياد. كبرت «أشكمان» وصارت شركة لها فرع في دبي. وصارت كبرى وسائل الإعلام تسأل للتعرف إلينا.
○ بحـثــاً عن جذور الغرافيتي نجد أنه تعبير لثورة الشباب؟
• عمر: تعود جذوره إلى الولايات المتحدة حين كانت العصابات تحدد مناطقها من خلال الرسم. ومن ثم الكتابة في محطات القطار. بدورنا نعتمد تعبير «الشارع لنا» نكتبه على الغرافيتي أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بمعنى أن «الشارع لنا» من خلال الفن وليس البلطجة.
○ بدأتما مع موسيقى الراب ولكما «سي دي». أين أنتما منه اليوم؟
• محمد: وجميعها من إنتاجنا، فلسنا مع شركة إنتاج لأننا لا نقدم فناً تجارياً. كنا ننزل إلى الشارع لكتابة الدعاية للسي دي. نطبع الإعلان ونوزعه على المارة بأنفسنا. فلم تكن وسائل التواصل الاجتماعي موجودة. نفخر بما قمنا به وهو الطريق الصحيح لكل فن يحمل صفة أندرغراوند. تأثرنا كثيراً حينا كنا في سجن رومية بهدف تقديم دورة غرافيتي للمساجين سنة 2011 حين أتى أحدهم ليقول: كنت في حفل لكما في بيروت سنة 2004 وأحفظ أغنياتكما. بالعودة للسؤال فإن الموسيقى والغرافيتي تسيران كما موج البحر، بين هبوط وصعود. ولكل دوره، فنحن سنوياً نقدم أغنية منفردة مع فيديو. التعبير بالموسيقى أكثر قوة وتأثيرا، فهو صوت وصورة. بات واضحاً أننا حيال مشروع متكامل.
○ بالعودة إلى الغرافيتي ما هو دوره في هذه المرحلة في تقديم الصورة الإيجابية للإنسان العربي؟
• عمر: منذ 11 أيلول/سبتمبر 2001 والصحافة الغربية تسألنا لماذا بالعربي؟ لم نغير، بل صارت رسائلنا مضاعفة. في شرقنا العربي مواهب لا تُحصى وليس حروبا وقتلا فقط. ولهذا نحن بصدد انجاز أكبر غرافيتي لدخول كتاب غينيس. كلمة سلام ستُرسم على طول كيلومتر في منطقة الأوزاعي لتتاح مشاهدتها من الطائرات الآتية إلى بيروت. والسلام الذي نقصده هو السلام الداخلي اللبناني. حفّز فكرة الجدارية صحافي بريطاني زار لبنان وكتب عدة موضوعات منها الإسلاميين في طرابلس، المثلية، شبكة الدعارة التي كشفت مؤخراً. لم أجد بين ما كتبه عنواناً إيجابياً في حين أننا شعب يرغب بحياة كريمة. ونتيجة لهذا المشروع استقبلنا في مكتبنا كافة وسائل الإعلام الأجنبية الكبرى، وهكذا تصل الرسالة. نقوم بهذا العمل كمبادرة شخصية بالكامل. إنجازها يحتاج لشهرين أي 1350 ساعة عمل.
○ متى انتقلتما إلى المرحلة الشرعية؟
• محمد: أصبح لنا اسم، والناس تحترم عملنا وهدفنا أن نكبر أكثر. مع العلم أن أثر الغرافيتي غير الشرعي أكبر. عندما رسمت وديع الصافي في اليوم التالي لوفاته مع شعار «ذهب صافي» أتى عناصر الجيش لأخذ الصور معي تمّ ذلك دون ترخيص من البلدية. وعندما كتبنا «أنت حر أو لا تكون» على الجدار خربش المارة عليه، فالجدار ملك عام ويعبر عن حال المدينة.
○ ولماذا صور الفنانين الكبار؟
• محمد: لأنهم مؤثرون في مجتمعنا. في اليوم التالي لرحيل صباح كان رسمها موجوداً على جدار ABC في الأشرفية مع شعار «بدي عيش للمية بس يسموني الصبوحة».
○ الغرافيتي ينتشر وصولاً إلى مبنى قناة «الجديد» وفيروز كيف بدأت الحكاية؟
• عمر: طلبت الجديد تنفيذ الرسم في عيد ميلاد فيروز في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وحينها انهمر خير المطر ومنع العمل. ومع كل موعد للبدء كان المطر يعود. الفكرة لريما كركي وقد انجزت قبل أسابيع وحققت الصدى الكبير. مشروعنا المقبل رسم لشوشو، أبو سليم، فهمان وشكري شكرالله.
○ هل من مميزات خاصة في رسم فيروز؟
• عمر: عملياً هو أكبر بورتريه ننفذه حتى الآن. وجه فيروز وجسدها انتشرا بطول أربع طبقات تقريباً. وكما هو اسلوبنا تمّ مزج الخطوط العربية مع كاليغرافي والغرافيتي، ودائماً الألوان فرحة. والتوقيع هو الشدّة وجاء فوق عين فيروز. الشدّة تأكيد مجازي لموقف ما.
○ وزارة السياحة تبحث عن مهرجان لتدعمه مالياً. فماذا عنكما وأشكمان تنشر صورة لبنان الجميلة في العالم؟
• محمد: نحتاج الدعم ولا نسأل عنه. نحن أعضاء في لجنة الغرافيتي في بلدية بيروت والهدف التنظيم وليس الدعم المالي لأي اسم. نبحث عن الدعم للغرافيتي كمثل مشروع دخول كتاب غينيس، لكننا لا نطرق أبواب الدولة. في حين أن دولاً تلجأ لهذا الرسم بهدف الدعم الإيجابي لصورتها الثقافية. أسف أن نكون بلد «التش تك تم تم» والنراجيل، ولن ننساق لهذه الصورة بل نجتهد لبناء الصورة الإيجابية.
○ لماذا رسم دونالد ترامب في مكتبكما؟
• محمد: دُعينا إلى مهرجان «ترامب مينيا» في نيويورك بمشاركة من كافة الدول تقريباً. على وجه ترامب رسمنا بالخط العربي كلاماً لجبران خليل جبران يقول: أنت أعمى وأنا أصم أبكم، ضع يدك في يدي فيدرك أحدنا الآخر. وقد اشترى اللوحة متحف في الولايات المتحدة جذبته الكلمات العربية. وهذا ما حدث حين رسمنا في لندن مؤخراً غرانديز بطل طفولتنا مع الخط العربي الملون والذي ترافق مع شرح للمعنى.
○ من هو الفنان الأهم لكما في الغرافيتي؟
• بانكسي. نقدر ما يقوم به في فلسطين المحتلة من بيت لحم إلى غزة وغيرهما.
○ لو زرت القدس وغزة فماذا سترسم؟
• عمر: حلم زيارة فلسطين يراودني، وأتمنى تحقيقه في الحياة المقدرة لي. ماذا أرسم في القدس؟ فهذا مشروع كبير يلزمه تفكير معمق مع محمد. زيارة القدس فرصة عمر.
زهرة مرعي